|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 118 :
|
|
2
- الإمام علي وتربيته في حجر النبي ( صلى الله عليه
وآله ) :
وأما التربية الروحية والفكرية والأخلاقية
فقد تلقاها علي ( عليه السلام ) في حجر رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) وهي الضلع الثاني من أضلاع
شخصيته الثلاثة .
ولو أننا قسمنا مجموعة سنوات عمر
الإمام ( عليه السلام ) إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم
الأول من هذه الأقسام الخمسة من حياته الشريفة ، يؤلف
السنوات التي قضاها ( عليه السلام ) قبل بعثة النبي
الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) .
وإن هذا القسم من
حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات ، لأن اللحظة التي
ولد فيها علي ( عليه السلام ) لم يكن النبي ( صلى الله
عليه وآله ) قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك ، هذا
مع العلم بأنه ( صلى الله عليه وآله ) قد بعث بالرسالة
في سن الأربعين . وعلى هذا الأساس لم يكن الإمام علي (
عليه السلام ) قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالرسالة ، وتوج
بالنبوة .
إن أبرز الحوادث في حياة الإمام علي ( عليه
السلام ) هو تكوين الشخصية العلوية ، وتحقق الضلع
الثاني من المثلث الذي أسلفناه بواسطة النبي الأكرم ،
وفي ظل ما أعطاه ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه
السلام ) من أخلاق وأفكار ، لأن هذا القسم في حياة كل
إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة ،
والقيمة جدا ، فشخصية الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة
بيضاء نقية تقبل كل لون ، وهي مستعدة لأن ينطبع عليها
كل صورة مهما كانت ، وهذه الفترة من العمر تعتبر -
بالتالي - خير فرصة لأن ينمي المربون والمعلمون فيها
كلما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيبة
وصفات كريمة ، وفضائل أخلاقية نبيلة ، ويوقفوا الطفل -
عن طريق التربية - على القيم الأخلاقية والقواعد
الإنسانية وطريقة الحياة السعيدة ، وتحقيقا لهذا الهدف
السامي تولى النبي الكريم ( صلى الله عليه وآله )
بنفسه تربية علي ( عليه السلام ) بعد ولادته ، وذلك
عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها علي ( عليه السلام )
إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلقيت من رسول
الله حبا
شديدا لعلي حتى أنه قال لها : " اجعلي مهده بقرب فراشي
" وكان ( صلى الله عليه وآله ) يطهر عليا في وقت غسله
، ويوجره اللبن عند شربه ، ويحرك مهده عند نومه ،
ويناغيه في يقظته ، ويلاحظه ويقول : " هذا أخي ، ووليي
، وناصري ، وصفيي ، وذخري ، وكهفي ، وصهري ، ووصيي ،
وزوج كريمتي ، وأميني على وصيتي ، وخليفتي " ( 1 ) .
ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتم توفير
الضلع الثاني في مثلث الشخصية ( وهو التربية ) بواسطته
( صلى الله عليه وآله ) ، وأن لا يكون لأحد غير النبي
( صلى الله عليه وآله ) دخل في تكوين الشخصية العلوية
الكريمة .
وقد ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) ما
أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم
الفترة إذ قال : " وقد علمتم موضعي من رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة
، وضعني في حجره وأنا وليد ، يضمني إلى صدره ، ويكنفني
في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ
الشئ ثم يلقمنيه " ( 2 ) .
النبي يأخذ عليا إلى بيته :
وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة
وأن يأخذ النبي عليا إلى بيته وأن يقع منذ نعومة
أظفاره تحت تربية النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله )
، ألفت نظر نبيه إلى ذلك .
قد ذكر المؤرخون أنه أصابت
مكة - ذات سنة - أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة ، وكان
أبو طالب - رضي الله عنه - ذا مال يسير وعيال كثير
فأصابه ما أصاب قريشا من العدم والضائقة والجهد
والفاقة ، فعند ذلك دعا رسول الله عمه
| |
( 1 )
كشف الغمة 1 : 60 . |
( 2 )
نهج البلاغة ، الخطبة (
192 ) المسماة بالخطبة القاصعة . ( * )
|
|
|
العباس إلى أن يتكفل كل واحد منهما واحدا من أبناء أبي
طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على
ذلك ، أخذ النبي عليا ، وأخذ العباس جعفرا وتكفل أمره
، وتولى شؤونه ( 1 ) .
هكذا وللمرة الأخرى أصبح علي (
عليه السلام ) في حوزة رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) بصورة كاملة ، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن
يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة ، الشئ
الكثير ، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه
وقيادته ، إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي . وهذا
هو الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يشير إلى تلك
الأيام القيمة وإلى تلك الرعاية النبوية المباركة
المستمرة إذ يقول : " ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر
أمه ، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علما ويأمرني
بالاقتداء به " ( 2 ) .
علي في غار حراء
كان النبي -
حتى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوة - يعتكف ويتعبد في
غار حراء شهرا من كل سنة ، فإذا انقضى الشهر وقضى
جواره من حراء انحدر من الجبل ، وتوجه إلى المسجد
الحرام رأسا وطاف بالبيت سبعا ، ثم عاد إلى منزله .
وهنا يطرح سؤال : ماذا كان شأن علي ( عليه السلام ) في
تلك الأيام التي كان يتعبد ويعتكف فيها رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) في ذلك المكان مع ما عرفناه من
حب الرسول الأكرم له ؟ هل كان يأخذ ( صلى الله عليه
وآله ) عليا معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه
ويفارقه ؟ إن القرائن الكثيرة تدل على أن النبي ( صلى
الله عليه وآله ) منذ أن أخذ عليا لم يفارقه يوما أبدا
،
| |
( 1 )
بحار الأنوار 35 : 44 ، وسيرة
ابن هشام 1 : 246 . |
( 2 ) نهج البلاغة - شرح عبده - 2
: 182 . ( * )
|
|
|
فهاهم المؤرخون يقولون : كان علي يرافق النبي دائما
ولا يفارقه أبدا ، حتى أن رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليا معه
( 1 ) .
يقول ابن أبي الحديد : وقد ذكر علي ( عليه
السلام ) هذا الأمر في الخطبة القاصعة إذ قال : " ولقد
كان يجاور في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري " (
2 ) .
إن هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته
للنبي في حراء بعد البعثة الشريفة إلا أن القرائن
السابقة وكون مجاورة النبي بحراء كانت في الأغلب قبل
البعثة ، تؤيد أن هذه الجملة ، يمكن أن تكون إشارة إلى
صحبة علي للنبي في حراء قبل البعثة .
إن طهارة النفسية
العلوية ، ونقاوة الروح التي كان علي ( عليه السلام )
يتحلى بها ، والتربية المستمرة التي كان يحظى بها في
حجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كل ذلك كان
سببا في أن يتصف علي ( عليه السلام ) - ومنذ نعومة
أظفاره - ببصيرة نفاذة وقلب مستنير ، وأذن سميعة واعية
تمكنه من أن يرى أشياء ويسمع أمواجا تخفى على الناس
العاديين ، ويتعذر عليهم سماعها ورؤيتها ، كما يصرح
نفسه بذلك إذ يقول : " أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم
ريح النبوة " ( 3 ) .
يقول الإمام الصادق ( عليه
السلام ) : " كان علي ( عليه السلام ) يرى مع رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) قبل الرسالة الضوء ،
ويسمع الصوت " .
وقد قال له النبي ( صلى الله عليه
وآله ) : لولا أني خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوة
، فإن لا تكن نبيا فإنك وصي نبي ووارثه ، بل أنت سيد
الأوصياء وإمام الأتقياء " ( 4 ) .
ويقول الإمام علي (
عليه السلام ) : " لقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي
عليه ( صلى الله عليه وآله )
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد
شرح نهج البلاغة 13 : 208 .
( 2 ) نهج
البلاغة : الخطبة القاصعة الرقم 187 . |
( 3 ) المصدر
نفسه .
( 4 ) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة 13 : 310
. ( * )
|
|
|
فقلت : يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال : هذا
الشيطان أيس من عبادته ، ثم قال له : " إنك تسمع ما
أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي ولكنك وزير " ( 1 )
.
هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية
بالأخلاق والسجايا الرفيعة .
| |
( 1 )
نهج البلاغة : الخطبة القاصعة الرقم 187 . |
|
|
|