|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 122 :
|
|
3 -
البيئة الرسالية وشخصية الإمام :
ولو أضفنا ذينك
الأمرين ( أي ما اكتسبه من والديه الطاهرين بالوراثة ،
وما تلقاه في حجر النبي ) إلى ما أخذه من بيئة الرسالة
والإسلام من أفكار وآراء رفيعة ، وتأثر عنها أدركنا
عظمة الشخصية العلوية من هذا الجانب .
ومن هنا يحظى
الإمام علي ( عليه السلام ) بمكانة مرموقة لدى الجميع
، مسلمين وغير مسلمين ، لما كان يتمتع به من شخصية
سامقة ، وخصوصيات خاصة يتميز بها .
وهذا هو ما دفع
بالبعيد والقريب إلى أن يصف عليا بما لم يوصف به أحد
من البشر ، ويخصه بنعوت ، حرم منها غيره ، فهذا
الدكتور شبلي شميل المتوفى سنة 1335 هـ
/ 1917
م
وهو
من كبار الماديين في القرن الحاضر يقول : الإمام علي
بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم ير لها الشرق
ولا الغرب صورة طبق الأصل لا قديما ولا حديثا ( 2 ) .
قال عمر بن الخطاب : " عقمت النساء أن يلدن مثل علي بن
أبي طالب " ( 3 ) .
ويقول جورج جرداق الكاتب المسيحي
اللبناني المعروف : " وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك
فأعطيت في كل زمن عليا بعقله وقلبه
| |
( 2 )
الإمام علي صوت العدالة الإنسانية 1 : 37 . |
( 3 )
الغدير 6 : 38 ط النجف . ( * ) |
|
|
ولسانه وذي فقاره " ( 1 ) .
هذه الأبعاد التي ألمحنا
إليها هي الأبعاد الطبيعية للشخصية العلوية .
البعد
المعنوي لشخصية الإمام ( عليه السلام ) :
غير أن أبعاد
شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) لا تنحصر في هذه
الأبعاد الثلاثة ، فإن لأولياء الله سبحانه بعدا رابعا
، داخلا في هوية ذاتهم ، وحقيقة شخصيتهم ، وهذا البعد
هو الذي ميزهم عن سائر الشخصيات وأضفى عليهم بريقا
خاصا ولمعانا عظيما .
وهذا البعد هو البعد المعنوي
الذي ميز هذه الصفوة عن الناس ، وجعلهم نخبة ممتازة
وثلة مختارة من بين الناس ، وهو كونهم رسل الله
وأنبياءه ، أو خلفاءه وأوصياء أنبيائه .
نرى أنه
سبحانه يأمر رسوله أن يصف نفسه بقوله : " قل سبحان ربي
هل كنت إلا بشرا رسولا " ( 2 ) .
فقوله : " بشرا "
إشارة إلى الأبعاد البشرية الموجودة في كل إنسان طبيعي
، وإن كانوا يختلفون فيها فيما بينهم كمالا ولمعانا .
وقوله : " رسولا " إشارة إلى ذلك البعد المعنوي الذي
ميزه ( صلى الله عليه وآله ) عن الناس وجعله معلما
وقدوة للبشر ، فلأجل ذلك يقف المرء في تحديد الشخصيات
الإلهية على شخصية مركبة من بعدين : طبيعي وإلهي ولا
يقدر على توصيفها إلا بنفس ما وصفهم به الله سبحانه
مثل قوله في شأن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله )
: {
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ
الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ
| |
( 1 ) الإمام علي صوت
العدالة الإنسانية 1 : 49 . |
( 2 )
الإسراء : 93 . ( *
) |
|
|
فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ
} ( 1 ) وقد نزلت في حق
الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) آيات ، ووردت
روايات . كيف وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) : " عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب ( عليه
السلام ) " ( 2 ) .
وقال ( صلى الله عليه وآله ) : "
من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن
غرسها ربي فليوال عليا بعدي ، وليوال وليه ، وليقتد
بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا
فهما وعلما ، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين
فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي " ( 3 ) .
وقال
الإمام أحمد بن حنبل : ما لأحد من الصحابة من الفضائل
بالأسانيد الصحاح مثل ما لعلي ( رض ) ( 4 )
.
وقال الإمام الفخر الرازي : من اتخذ عليا إماما
لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه ( 5 )
.
وقال أيضا : من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد
اهتدى لقول النبي ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم أدر
الحق مع علي حيث دار ( 6 ) .
| |
( 1 )
الأعراف : 57 .
( 2 ) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في
تاريخه 4 : 410 .
( 3 ) أخرجه الحافظ أبو نعيم في حلية
الأولياء 1 : 86 . |
( 4 ) مناقب أحمد لابن الجوزي
الحنبلي : 163 .
( 5 ) تفسير مفاتيح الغيب 1 : 205 .
(
6 ) المصدر نفسه : 204 . ( * )
|
|
|
تسليط الضوء على شخصيته السامية :
لا عتب على اليراع
لو وقف عند تحديد شخصية كريمة معنوية خصها الله تعالى
بمواهب وفضائل ، وكفى في ذلك ما رواه طارق بن شهاب ،
قال : كنت عند عبد الله ابن عباس فجاء أناس من أبناء
المهاجرين فقالوا له : يا بن عباس أي رجل كان علي بن
أبي طالب ؟ قال : ملئ جوفه حكما وعلما وبأسا ونجدة
وقرابة من رسول الله ( 1 ) .
روى عكرمة عن ابن عباس
قال : ما نزل في القرآن : " يا أيها الذين آمنوا " إلا
وعلي ( عليه السلام ) رأسها وأميرها ، ولقد عاتب الله
أصحاب محمد في غير مكان ، وما ذكر عليا إلا بخير ( 2 )
.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما نزل في أحد
من كتاب الله ما نزل في علي ( 3 ) . وقال ابن عباس :
نزلت في علي أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه ( 4 ) .
نكتفي في ترجمة علي ( عليه السلام ) بكلمتين عن
تلميذيه اللذين كانا معه سرا وجهرا .
1 - قال ابن عباس
- عندما سئل عن علي - : رحمة الله على أبي الحسن ، كان
والله علم الهدى ، وكهف التقى ، وطود النهى ، ومحل الحجى ، وغيث الندى ، ومنتهى العلم للورى ، ونورا أسفر
في الدجى ، وداعيا إلى المحجة العظمى ، ومستمسكا
بالعروة الوثقى ، أتقى من تقمص وارتدى ، وأكرم من شهد
النجوى بعد محمد المصطفى ، وصاحب القبلتين ، وأبو
السبطين ، وزوجته خير النساء ، فما يفوقه أحد ،
| |
( 1 ) شواهد التنزيل 1 : 108 ح 153 .
( 2 ) مسند أحمد 1 : 190 ،
تاريخ الخلفاء : 171 . |
( 3 )
الصواعق المحرقة ، الباب التاسع ، الفصل الثالث : 76 .
( 4 ) تاريخ الخلفاء : 172 . ( * ) |
|
|
لم تر عيناي مثله ، ولم أسمع بمثله ، فعلى من أبغضه
لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد ( 1 ) .
2 - إن
معاوية سأل ضرار بن حمزة بعد موت علي عنه ، فقال : صف
لي عليا ، فقال : أو تعفيني ؟ قال : صفه ، قال : أو
تعفيني ؟ قال : لا أعفيك ، قال : أما إذ لا بد فأقول
ما أعلمه منه : والله كان بعيد المدى ، شديد القوى ،
يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ،
وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ،
ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير الدمعة ، طويل
الفكرة ، يقلب كفيه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس
ما خشن ، ومن الطعام ما جشب . كان والله كأحدنا ،
يجيبنا إذا سألناه ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا
دعوناه ، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه
هيبة ، ولا نبتدئه عظمة ، إن تبسم فعن مثل اللؤلؤ
المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع
القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله . فأشهد
بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ،
وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته
يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، وكأني أسمعه
وهو يقول : يا دنيا أبي تعرضت ؟ أم إلي تشوقت ؟ هيهات
هيهات غري غيري ، قد باينتك ثلاثا لا رجعة لي فيك ،
فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كثير ، آه من قلة
الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق .
قال : فذرفت دموع
معاوية على لحيته فما يملكها وهو ينشفها بكمه وقد
اختنق القوم بالبكاء ، فقال معاوية : رحم الله أبا
الحسن ! كان والله كذلك ، فكيف حزنك
| |
( 1 )
ميزان الاعتدال 1 : 484 . ( * ) |
|
|
عليه يا ضرار ؟ قال : حزن من ذبح ولدها في حجرها ، فلا
ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها ( 1 ) .
هذه شذرات من
فضائله ، وقبسات من مناقبه الكثيرة التي حفظها التاريخ
من تلاعب الأيدي .
غير أنه لا يعرف عليا غير خالقه ،
وبعده صاحب الرسالة الكبرى ابن عمه المصطفى ( صلى الله
عليه وآله ) .
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد
: شرح نهج البلاغة 18 : 225 وغيره . ( * )
|
|
|
|