- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 141 :

الإمام الثاني : أبو محمد الحسن بن علي المجتبى ( عليه السلام )

هو ثاني أئمة أهل البيت الطاهر ، وأول السبطين ، وأحد سيدي شباب أهل الجنة ، وريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء ، أمه فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سيدة نساء العالمين .

ولادته : ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة ، وهو أول أولاد علي وفاطمة ( عليهما السلام ) .

نسب كان عليه من شمس الضحى * نور ومن فلق الصباح عمودا

وروي عن أنس بن مالك قال : لم يكن أحد أشبه برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ( 1 ) .

 

( 1 ) ابن الصباغ المالكي ( المتوفى عام 855 ه‍ ) : الفصول المهمة : 152 . ( * )

 
 

- ص 142 -

فلما ولد الحسن قالت فاطمة لعلي : سمه ، فقال : " ما كنت لأسبق باسمه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) " ، فجاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأخرج إليه فقال : " اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم ، وأذن في أذنه اليمني وأقام في اليسرى .

ألقابه ( عليه السلام ) أشهرها : التقي والزكي والسبط .

علمه ( عليه السلام ) : يكفي أنه كان يجلس في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويجتمع الناس حوله فيتكلم بما يشفي غليل السائل ويقطع حجج المجادلين .
من ذلك ما رواه الإمام أبو الحسن علي ابن أحمد الواحدي في تفسير الوسيط : أن رجلا دخل إلى مسجد المدينة فوجد شخصا يحدث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والناس حوله مجتمعون فجاء إليه الرجل ، قال : أخبرني عن { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } ( 1 ) ؟ فقال : " نعم ، أما الشاهد فيوم الجمعة والمشهود فيوم عرفة " .

فتجاوزه إلى آخر غيره يحدث في المسجد ، فسأله عن { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } قال : " أما الشاهد فيوم الجمعة ، وأما المشهود يوم النحر " . قال : فتجاوزه إلى ثالث ، غلام كأن وجهه الدينار ، وهو يحدث في المسجد ، فسأله عن شاهد ومشهود ، فقال : " نعم ، أما الشاهد فرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأما المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته عز وجل يقول : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا

 

( 1 ) البروج : 3 . ( * )

 
 

- ص 143 -

وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } ( 1 ) ، وقال تعالى : { ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } " ( 2 ) .
فسأل عن الأول ، فقالوا : ابن عباس ، وسأل عن الثاني ، فقالوا : ابن عمر ، وسأل عن الثالث ، فقالوا : الحسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ( 3 ) .

زهده ( عليه السلام ) : يكفي في ذلك ما نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنه ( عليه السلام ) قال : " إني لأستحيي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته " فمشى عشرين مرة من المدينة إلى مكة على قدميه .

وروي عن الحافظ أبي نعيم في حليته أيضا : أنه ( عليه السلام ) خرج من ماله مرتين ، وقاسم الله تعالى ثلاث مرات ماله وتصدق به . وكان ( عليه السلام ) من أزهد الناس في الدنيا ولذاتها ، عارفا بغرورها وآفاتها ، وكثيرا ما كان ( عليه السلام ) يتمثل بهذا البيت شعرا :

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن اغترارا بظل زائل حمق ( 4 )

حلمه ( عليه السلام ) : روى ابن خلكان عن ابن عائشة : أن رجلا من أهل الشام قال : دخلت

 

( 1 ) الأحزاب : 45 .
( 2 ) هود : 103 .

( 3 ) بحار الأنوار 1 : 13 .
( 4 ) ابن الصباغ المالكي ، الفصول المهمة : 154 . ( * )
 
 

- ص 144 -

المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - فرأيت رجلا راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه ، فمال قلبي إليه ، فسألت عنه فقيل : هذا الحسن بن علي بن أبي طالب ، فامتلأ قلبي له بغضا وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله ، فصرت إليه وقلت له : أأنت ابن علي بن أبي طالب ؟ قال : " أنا ابنه " ، قلت : فعل بك وبأبيك ، أسبهما ، فلما انقضى كلامي قال لي : " أحسبك غريبا " ؟ قلت : أجل ، قال : " مل بنا ، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك ، أو إلى مال آتيناك ، أو إلى حاجة عاوناك " قال : فانصرفت عنه وما على الأرض أحب إلي منه ، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلا شكرته وخزيت نفسي ( 1 ) .

إمامته ( عليه السلام ) : يكفي في ذلك ما صرح به النبي ( صلى الله عليه وآله ) من قوله : " هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا . . . " .

وروت الشيعة بطرقهم عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين أوصى إلى ابنه الحسن ( عليه السلام ) وأشهد على وصيته الحسين ( عليه السلام ) ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له : " يا بني إنه أمرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن أوصي إليك ، وأدفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ، ثم أقبل على ابنه الحسين ( عليه السلام ) فقال : وأمرك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن تدفعها إلى ابنك هذا ، ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال : وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمد بن علي فاقرأه من رسول الله

 

( 1 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان 2 : 68 . ( * )

 
 

- ص 145 -

ومني السلام " ( 1 ) .

روى أبو الفرج الأصفهاني : أنه خطب الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) وقال : " قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون بعمل ، ولا يدركه الآخرون بعمل ، ولقد كان يجاهد مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم ، ولقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى ، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقية من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله " .
ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه .
ثم قال : " أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الداعي إلى الله عز وجل بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والذين افترض الله مودتهم في كتابه إذ يقول : { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } ( 2 ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت " .

قال أبو مخنف عن رجاله : ثم قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له وقالوا : ما أحبه إلينا وأحقه بالخلافة ، فبايعوه ( 3 ) .

وقال المفيد : كانت بيعته يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، فرتب العمال وأمر الأمراء ، وأنفذ عبد الله بن العباس إلى

 

( 1 ) الشيخ الطبرسي ، إعلام الورى بأعلام الهدى 1 : 405 تحقيق مؤسسة آل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن أراد الوقوف على نصوص إمامته فعليه أن يرجع إلى الكافي 1 : 297 ، وإثبات الهداة 2 : 543 - 568 فقد نقل خمسة نصوص في المقام .
( 2 ) الشورى : 23 . ( 3 ) مقاتل الطالبيين : 52 . ( * )

 
 

- ص 146 -

البصرة ، ونظر في الأمور ( 1 ) .

وقال أبو الفرج الأصفهاني : وكان أول شئ أحدثه الحسن [ ( عليه السلام ) ] أنه زاد في المقاتلة مائة مائة ، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل ، وهو فعله يوم الاستخلاف ، فتبعه الخلفاء بعد ذلك ( 2 ) .

قال المفيد : فلما بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن ، دس رجلا من حمير إلى الكوفة ، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الحسن الأمور ، فعرف ذلك الحسن ، فأمر باستخراج الحميري من عند لحام في الكوفة فأخرج وأمر بضرب عنقه ، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم ، فأخرج وضربت عنقه ( 3 ) .

صلحه ( عليه السلام ) مع معاوية : ثم إنه استمرت المراسلات ( 4 ) بين الحسن ومعاوية وانجرت إلى حوادث مريرة إلى أن أدت إلى الصلح واضطر إلى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية ، فعقدا صلحا وإليك صورته : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي

 

( 1 ) المفيد : الإرشاد : 188 .

( 2 ) مقاتل الطالبيين : 55 . ( 3 ) الإرشاد للمفيد : 188 ، مقاتل الطالبيين : 52 .  

( 4 ) ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مقاتل الطالبيين : 53 - 72 وبالإمعان فيها وما أظهر أصحابه من التخاذل ، يتضح سر صلح الإمام وتنازله عن الخلافة ، فلم يطاع إلا أنه أتم الحجة عليهم ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين . ( * )

 

- ص 147 -

سفيان ، صالحه على أن يسلم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسول الله ، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا ، على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم . على أن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا ، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه . على أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غائلة سوء سرا وجهرا ، ولا يخيف أحدا في أفق من الآفاق . شهد عليه بذلك فلان وفلان ، وكفى بالله شهيدا ( 1 ) .

ولما تم الصلح صعد معاوية المنبر وقال في خطبته : إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون . ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي هاتين لا أفي بشئ منها له ( 2 ) .

شهادته ودفنه ( عليه السلام ) : لما نقض معاوية عهده مع الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، وما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبو سفيان ، وأمه هند ، وهو طليق ابن طلقاء عمد إلى أخذ البيعة ليزيد ولده المشهور بمجونه وتهتكه وزندقته ، وما كان شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ، فدس إليه السم ، فمات بسببه .

 

( 1 ) ابن صباغ المالكي ، الفصول المهمة : 163 .

( 2 ) الإرشاد للمفيد : 191 . ( * )  
 

- ص 148 -

فقد روي : أن معاوية أرسل إلى ابنة الأشعث - وكانت تحت الحسن ( عليه السلام ) - : إني مزوجك بيزيد ابني على أن تسمي الحسن بن علي .
وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت وسمت الحسن ، فسوغها المال ولم يزوجها منه ( 1 ) .

فلما دنا موته أوصى لأخيه الحسين ( عليه السلام ) وقال : " إذا قضيت نحبي غسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة بنت أسد فادفني هناك ، وبالله أقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم " .
فلما حملوه إلى روضة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند جده رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فتجمعوا له ولبسوا السلاح ، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول : ما لي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب ! ! وجعل مروان يقول : يا رب هيجاء هي خير من دعة ، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبي ؟ ! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أمية . ولأجل وصية الحسن مضوا به إلى البقيع ودفنوه عند جدته فاطمة بنت أسد ( 2 ) .

وتوفي الحسن وله من العمر ( 47 ) عاما وكانت سنة وفاته سنة ( 50 ) من الهجرة النبوية .

والعجيب أن مروان بن الحكم حمل سريره إلى البقيع فقال له الحسين : " أتحمل سريره ؟ ! أما والله لقد كنت تجرعه الغيظ " فقال مروان : إني كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال ( 3 ) .

فرح معاوية بموته : ولما بلغ معاوية موت الحسن ( عليه السلام ) سجد وسجد من حوله وكبر وكبروا معه .

 

( 1 ) مقاتل الطالبيين : 73 .

( 2 ) الإرشاد : 193 ، كشف الغمة 1 : 209 ، مقاتل الطالبيين : 74 - 75 .  
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 76 . ( * )
 

- ص 149 -

ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار وابن عبد البر في الإستيعاب وغيرهما . فقال بعض الشعراء :

أصبح اليوم ابن هند شامتا * ظاهر النخوة إذ مات الحسن
يا ابن هند إن تذق كأس الردى * تك في الدهر كشئ لم يكن
لست بالباقي فلا تشمت به * كل حي للمنايا مرتهن
( 1 )

هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة .
وتركنا الكثير مما يرجع إلى جوانب حياته ، خصوصا ما نقل عنه من الخطب والرسائل والكلم القصار ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تحف العقول ( 2 ) فقد ذكر قسما كبيرا من كلماته .

 

( 1 ) الأمين العاملي ، في رحاب أئمة أهل البيت : 43 .

( 2 ) الحراني الحسن بن شعبة ، تحف العقول : 225 - 236 . ( * )  
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب