|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 150 :
|
|
الإمام الثالث : أبو عبد الله الحسين بن علي سيد
الشهداء ( عليه السلام )
هو ثالث أئمة أهل البيت
الطاهر ، وثاني السبطين ، وسيدي شباب أهل الجنة ،
وريحانتي المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) ، وأحد
الخمسة أصحاب الكساء ، وسيد الشهداء ، وأمه فاطمة بنت
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
ولادته ( عليه
السلام ) : ولد في المدينة المنورة في الثالث من شعبان
سنة ثلاث أو أربع من الهجرة ، ولما ولد جئ به إلى رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) فاستبشر به ، وأذن في
أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، فلما كان اليوم السابع
سماه حسينا ، وعق عنه بكبش ، وأمر أمه أن تحلق رأسه
وتتصدق بوزن شعره فضة ، كما فعلت بأخيه الحسن ،
فامتثلت ( عليها السلام ) ما أمرها به .
خصائصه ( عليه
السلام ) : إن حياة الإمام الحسين من ولادته إلى شهادته
حافلة بالأحداث ،
والإشارة - فضلا عن الإحاطة - إلى كل ما يرجع إليه
يحتاج إلى تأليف مفرد ، وقد أغنانا في ذلك ما كتبه
المؤلفون والباحثون عن جوانب حياته ( عليه السلام ) ،
حيث تحدثوا في مؤلفاتهم المختلفة عن النصوص الواردة من
جده وأبيه في حقه ، وعن علمه ومناظراته ، وخطبه وكتبه
وقصار كلمه ، وفصاحته وبلاغته ، ومكارم أخلاقه ، وكرمه
وجوده ، وزهده وعبادته ، ورأفته بالفقراء والمساكين ،
وعن أصحابه والرواة عنه ، والجيل الذي تربى على يديه .
وذلك في مؤلفات قيمة لا تعد ولا تحصى .
كفاحه وجهاده الرسالي : غير إن للحسين ( عليه السلام ) وراء ذلك ، خصيصة أخرى وهي كفاحه وجهاده الرسالي والسياسي الذي
عرف به ، والذي أصبح مدرسة سياسية دينية ، لعلها أصبحت
الطابع المميز له ( عليه السلام ) والصبغة التي اصطبغت
حياته الشريفة بها ، وأسوة وقدوة مدى أجيال وقرون ،
ولم يزل منهجه يؤثر في ضمير الأمة ووعيها ، ويحرك
العقول المتفتحة ، والقلوب المستنيرة إلى التحرك
والثورة ، ومواجهة طواغيت الزمان بالعنف والشدة . وها
نحن نقدم إليك نموذجا من غرر كلماته في ذلك المجال حتى
تقف على كفاحه وجهاده أمام التيارات الإلحادية
والانهيار الخلقي .
إباؤه للضيم ومعاندة الجور : لما
توفي أخوه الحسن في السنة الخمسين من الهجرة أوصى إليه
بالإمامة فاجتمعت الشيعة حوله ، يرجعون إليه في حلهم وترحالهم ، وكان لمعاوية عيون في المدينة يكتبون إليه
ما يكون من الأحداث المهمة التي لا توافق هوى السلطة
الأموية المنحرفة ، والتي قد تؤلف خطرا جديا على
وجودها غير المشروع ، ولقد كان هم هذه السلطة هو
الإمام الحسين ( عليه السلام ) لما يعرفونه عنه من
موقف لا يلين ولا يهادن في الحق ، ومن هنا فقد كتب
مروان بن الحكم - وكان عامل معاوية على المدينة - : إن
رجالا من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى
الحسين بن علي وأنه لا يأمن وثوبه ، ولقد بحثت عن ذلك
فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا ، ولست آمن أن
يكون هذا أيضا لما بعده . ولما بلغ الكتاب إلى معاوية
كتب رسالة إلى الحسين وهذا نصها : أما بعد ، فقد انتهت
إلي أمور عنك إن كانت حقا فإني أرغب بك عنها ، ولعمر
الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ،
وإن أحق الناس بالوفاء من كان في خطرك وشرفك ومنزلتك
التي أنزلك الله لها . . . ( 1 ) .
ولما وصل الكتاب
إلى الحسين بن علي ، كتب إليه رسالة مفصلة ذكر فيها
جرائمه ونقضه ميثاقه وعهده ، نقتبس منها ما يلي : "
ألست قاتل حجر بن عدي أخا كندة وأصحابه المصلين ،
العابدين ، الذين ينكرون الظلم ، ويستفظعون البدع ،
ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في
الله لومة لائم ، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما
أعطيتهم الأيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة ، ولا
تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، جرأة على الله
واستخفافا بعهده ؟ أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول
الله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه
واصفر لونه ، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته العهود ما
لو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال ( 2 ) .
| |
( 1 )
الإمامة والسياسة 1 : 163 . |
( 2 ) أي قممها
وأعاليها . ( * ) |
|
|
أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد بن
ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) : " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ،
فتركت سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تعمدا
وتبعت هواك بغير هدي من الله ، ثم سلطته على أهل
الإسلام يقتلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويسمل أعينهم
، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الأمة
وليسوا منك .
أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن
سمية أنهم على دين علي - صلوات الله عليه - فكتبت إليه
: أن اقتل كل من كان على دين علي ، فقتلهم ومثل بهم
بأمرك ، ودين علي هو دين ابن عمه ( صلى الله عليه وآله
) الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست مجلسك
الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم
الرحلتين رحلة الشتاء والصيف " ( 1 ) .
هذا هو الحسين
، وهذا هو إباؤه للضيم ودفاعه عن الحق ونصرته
للمظلومين في عصر معاوية . وذكرنا هذه المقتطفات
كنموذج من سائر خطبه ورسائله التي ضبطها التاريخ .
| |
( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 164 . ( * )
|
|
|
الإمام الحسين ( عليه السلام ) وكربلاء رفضه البيعة
ليزيد : لما هلك معاوية في منتصف رجب سنة 60 هجرية كتب
يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة أن يأخذ الحسين
( عليه السلام ) بالبيعة له ، فأنفذ الوليد إلى الحسين
( عليه السلام ) فاستدعاه ، فعرف الحسين ما أراد ،
فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال : "
اجلسوا على الباب فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه
ولا تخافوا علي " .
وصار ( عليه السلام ) إلى الوليد
فنعى الوليد إليه معاوية ، فاسترجع الحسين ( عليه
السلام ) ثم قرأ عليه كتاب يزيد بن معاوية ، فقال
الحسين ( عليه السلام ) : " إني لا أراك تقنع ببيعتي
ليزيد سرا حتى أبايعه جهرا فيعرف ذلك الناس " ، فقال
له الوليد : أجل ، فقال الحسين ( عليه السلام ) : "
فتصبح وترى رأيك في ذلك " فقال الوليد : انصرف على اسم
الله تعالى ، فقال مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم
يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى يكثر القتلى
بينكم وبينه ، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتى يبايع
أو تضرب عنقه ، فوثب عند ذلك الحسين ( عليه السلام )
وقال : " أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو ؟ كذبت والله
وأثمت " ثم خرج ( 1 ) .
وأصبح الحسين من غده يستمع
الأخبار ، فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه
فقال : أبا عبد الله إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد ،
فقال : " وما ذاك قل أسمع " فقال : إني أرشدك لبيعة
يزيد ، فإنها خير لك في دينك وفي
| |
( 1 )
الإرشاد : 200 . ( * ) |
|
|
دنياك ! ! فاسترجع الحسين وقال : " إنا لله وإنا إليه
راجعون وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمة براع مثل
يزيد ، ثم قال : يا مروان أترشدني لبيعة يزيد ! !
ويزيد رجل فاسق ، لقد قلت شططا من القول وزللا ، ولا
ألومك ، فإنك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب
أبيك الحكم بن العاص ، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر
منه أن يدعو لبيعة يزيد ، إليك عني يا عدو الله ، فإنا
أهل بيت رسول الله الحق فينا ينطق على ألسنتنا ، وقد
سمعت جدي رسول الله يقول : الخلافة محرمة على آل أبي
سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء ، فإذا رأيتم معاوية على
منبري فابقروا بطنه . ولقد رآه أهل المدينة على منبر
رسول الله فلم يفعلوا به ما أمروا فابتلاهم بابنه يزيد
" ( 1 ) .
خروجه من مكة ومكاتبة أهل الكوفة له : ثم إن
الحسين غادر المدينة إلى مكة ، ولما بلغ أهل الكوفة
هلاك معاوية اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد
فاتفقوا أن يكتبوا إلى الحسين رسائل وينفذوا رسلا
طالبين منه القدوم إليهم في الكوفة ، لأن القوم قد
بايعوه ونبذوا بيعة الأمويين ، وألحوا في ذلك الأمر
أيما إلحاح ، مبينين للإمام ( عليه السلام ) أن السبل
ميسرة والظروف مهيأة لقدومه ، حيث كتب له وجهاؤهم من
جملة ما كتبوه : " أما بعد ، فقد اخضر الجناب وأينعت
الثمار ، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجندة " .
ولما
جاءت رسائل أهل الكوفة تترى على الحسين ( عليه السلام
) أرسل ابن عمه مسلم ابن عقيل - رضوان الله عليه - إلى
الكوفة ممثلا عنه لأخذ البيعة له منهم ، وللتحقق
| |
( 1 ) الخوارزمي ، مقتل الحسين 1 : 184 - 185
. ( * ) |
|
|
من جدية هذا الأمر ، ثم كتب إليهم : " أما بعد ، فإن
هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكانا آخر من قدم علي
من رسلكم ، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة
جلكم أنه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك
على الحق والهدى ، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي
من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إلي : أنه قد
اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما
قدمت علي به رسلكم ، وقرأته في كتبكم ، فإني أقدم
عليكم وشيكا إن شاء الله ، فلعمري ما الإمام إلا
الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين الحق ،
الحابس نفسه على ذات الله " ( 1 ) .
ثم خرج الإمام من
مكة متوجها إلى الكوفة يوم التروية أو يوما قبله مع
أهل بيته وجماعة من أصحابه وشيعته ، وكان كتاب من مسلم
بن عقيل قد وصل إليه يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا من
أهل الكوفة ، وذلك قبل أن تنقلب الأمور على مجاريها
بشكل لا تصدقه العقول ، حيث استطاع عبيد الله بن زياد
بخبثه ودهائه ، وإفراطه في القتل ، أن يثبط همم أهل
الكوفة ، وأن تنكث بيعة الإمام الحسين ( عليه السلام )
، ويقتل سفيره بشكل وحشي بشع .
ولما أخذ الإمام ( عليه
السلام ) يقترب من الكوفة استقبله الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثا من الوالي عبيد الله بن زياد
لاستقدامه وإكراهه على إعطاء البيعة ليزيد ، وإرساله
قهرا إلى الكوفة ، فعند ذلك قام الإمام وخطب بأصحابه
وأصحاب الحر بقوله : " أيها الناس إن رسول الله قال :
من رأى سلطانا جائرا مستحلا حرم الله ناكثا لعهد الله
، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباده بالإثم
والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على
الله أن يدخله مدخله ، ألا
| |
( 1 ) المفيد ،
الإرشاد : 204 . ( * ) |
|
|
وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ،
وأظهروا الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفئ ،
وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غير " (
1 ) .
الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق : رغم أن
الدافع الظاهري لهجرته ( عليه السلام ) إلى العراق
كانت رسائل أهل الكوفة ورسلهم حتى أن الإمام احتج بها
عندما واجه الحر بن يزيد الرياحي وعمر بن سعد عندما
سألاه عن سر مجيئه إلى العراق فقال : " كتب إلي أهل
مصركم هذا أن أقدم " ( 2 ) .
إلا أن السر الحقيقي
لهجرته ( عليه السلام ) رغم إدراكه الواضح لما سيترتب
عليها من نتائج خطرة ستودي بحياته الشريفة - وهو ما
وطن نفسه ( عليه السلام ) عليه - يمكن إدراكه من خلال
الاستقراء الشامل لمسيرة حياته ، وكيفية تعامله مع
مجريات الأحداث .
إن الأمر الذي لا مناص من الذهاب
إليه هو إدراك الإمام ( عليه السلام ) ما ينتجه
الإذعان والتسليم لتولي يزيد بن معاوية خلافة المسلمين
رغم ما عرف عنه من تهتك ومجون وانحراف واضح عن أبسط
المعايير الإسلامية ، وفي هذا مؤشر خطر على عظم
الانحراف الذي أصاب مفهوم الخلافة الإسلامية ،
وابتعادها الرهيب عن مضمونها الشرعي . ومن هنا فكان لا
بد من وقفة شجاعة تعيد للأمة جانبا من رشدها المضاع
وتفكيرها المسلوب .
إن الإمام الحسين ( عليه السلام )
قد أعلنها صراحة بقوله لما طالبه مروان بن الحكم
بالبيعة ليزيد ، حيث قال : " فعلى الإسلام السلام إذا
بليت الأمة
| |
( 1 ) الطبري ،
التاريخ 4 : 304 حوادث سنة 61 ه
،ولمعرفة ما جرى على الإمام وأهل بيته حتى نزل أرض كربلاء راجع المقاتل
( 2 ) الإرشاد
: 224 - 228 . ( * ) |
|
|
براع مثل يزيد " كما عرفت سابقا . نعم إن رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) قال : " صنفان من أمتي إذا صلحا
صلحت أمتي ، وإذا فسدا فسدت أمتي ، قيل : يا رسول الله
ومن هما ؟ فقال : الفقهاء والأمراء " ( 1 ) ، فإذا كان
صلاح الأمة وفسادها رهن صلاح الخلافة وفسادها ، فقيادة
مثل يزيد لا تزيد الأمر إلا عيثا وفسادا .
إن القيادة
الإسلامية بين التنصيص والشورى ، ولم يملك يزيد السلطة
لا بتنصيص من الله سبحانه ولا بشورى من الأمة ، وهذا
ما أدركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا إلى الحسين ( عليه
السلام ) رسالة جاء فيها : أما بعد فالحمد لله الذي
قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة
فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها
، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها ( 2 ) .
ولم يكن الولد
( يزيد ) فريدا في غصب حق الأمة ، بل سبقه والده
معاوية إلى ذلك كما هو معروف ، وليس بخاف على أحد ،
وإلى تلك الحقيقة المرة يشير الإمام علي ( عليه السلام
) في كتاب له إلى معاوية ، حيث يقول : " فقد آن لك أن
تنتفع باللمح الباصر من عيان الأمور ، فقد سلكت مدارج
أسلافك بادعائك الأباطيل واقتحامك غرور المين
والأكاذيب ، وبانتحالك ما قد علا عنك ، وابتزازك لما
قد اختزن دونك فرارا من الحق وجحودا لما هو ألزم لك من
لحمك ودمك مما قد وعاه سمعك ، وملئ به صدرك ، فماذا
بعد الحق إلا الضلال المبين " ( 3 ) .
هذا ونظائره
المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين إلى الثورة ،
وتقديم نفسه
| |
( 1 ) القمي ،
سفينة البحار
2 : 30 مادة أمر . |
( 2 ) ابن الأثير ، الكامل 2 : 266
- 267 ، الإرشاد : 203 .
|
|
|
( 3 ) نهج البلاغة / الكتاب
65 . ( * )
|
|
وأهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم
، مع علمه بأنه وفقا لما تحت يديه من الإمكانات
المادية لن يستطيع أن يواجه دولة كبيرة تمتلك القدرات
المادية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أي ثورة فتية
، نعم إن الإمام الحسين ( عليه السلام ) كان يدرك قطعا
هذه الحقيقة ، إلا أنه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة
المقدسة شجرة الإسلام الوارفة التي يريد الأمويون
اقتلاعها من جذورها .
كما أن الإمام ( عليه السلام )
أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الأمة فجعلها حائرة
مترددة أمام طغيان الجبابرة وحكام الجور ، وأن تصبح
ثورته مدرسة تتعلم منها الأجيال معنى البطولة والتضحية
من أجل المبادئ والعقائد ، وكان كل ذلك بعد استشهاد
الإمام ( عليه السلام ) ، والتاريخ خير شاهد على ذلك .
كان المعروف منذ ولادة الإمام الحسين ( عليه السلام )
أنه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء وعرف المسلمون
ذلك في عصر النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ووصيه
، لذا كان الناس يترقبون حدوث تلك الفاجعة ، كما أن
هناك الكثير من القرائن التي تدل بوضوح على حتمية
استشهاده ( عليه السلام ) ، ومن ذلك :
1 - روى غير
واحد من المحدثين عن أنس بن الحارث الذي استشهد في
كربلاء أنه قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله
) يقول : " إن ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء ،
فمن شهد ذلك منكم فلينصره " فخرج أنس بن الحارث فقتل بها مع الحسين ( عليه السلام ) ( 1 ) .
2 - إن أهل
الخبرة والسياسة في عصر الإمام كانوا متفقين على أن
الخروج إلى العراق يكون خطرا كبيرا على حياة الإمام (
عليه السلام ) وأهل بيته ، ولأجل ذلك أخلصوا له
النصيحة ، وأصروا عليه عدم الخروج ، ويتمثل ذلك في
كلام أخيه محمد بن الحنفية ، وابن عمه ابن عباس ،
ونساء بني عبد المطلب ، ومع ذلك اعتذر لهم الإمام
| |
( 1 ) الإصابة 1 : 81 / 266 . ( * )
|
|
|
وأفصح عن عزمه على الخروج ( 1 ) .
3 - لما عزم الإمام
المسير إلى العراق خطب وقال : " الحمد لله وما شاء
الله ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله ، خط
الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما
أولهني إلى أسلافي ، اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي
مصرع أنا ألاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات
، بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة
سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم . رضى الله رضانا أهل
البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن
تشذ عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لحمته ، بل
هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه ، وينجز بهم
وعده ، ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء
الله نفسه فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا إن شاء الله
تعالى " ( 2 ) .
4 - لما بلغ عبد الله بن عمر ما عزم
عليه الحسين ( عليه السلام ) دخل عليه فلامه في المسير
، ولما رآه مصرا عليه قبل ما بين عينيه وبكى وقال :
أستودعك الله من قتيل ( 3 ) .
5 - لما خرج الحسين (
عليه السلام ) من مكة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له :
إلى أين يا بن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ ما
أعجلك عن الموسم ؟ قال : " لو لم أعجل لأخذت ، ثم قال
له : أخبرني عن الناس خلفك " فقال : الخبير سألت ،
قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك ( 4 ) .
6 - لما أتى
إلى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد
الله بن
| |
( 1 ) لاحظ المحاورات
التي جرت بين الإمام وهؤلاء في الإرشاد : 201 - 202 ،
مقاتل الطالبيين 109 ،
اللهوف : 20 ط بغداد . |
|
|
( 2 ) اللهوف :
41 .
|
( 3 ) تذكرة الخواص : 217 - 218 .
|
( 4 ) الإرشاد
: 218 . ( * )
|
|
يقطر ، قال لأصحابه : " لقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب
منكم الانصراف فلينصرف غير حرج ليس عليه ذمام " فتفرق
الناس عنه ، وأخذوا يمينا وشمالا ، حتى بقي في أصحابه
الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه
. ومع ذلك فقد واصل ( عليه السلام ) مسيره نحو الكوفة
، ولما مر ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له
: عمر بن لوذان ، فسأل الإمام : أين تريد ؟ فقال له
الحسين ( عليه السلام ) : " الكوفة " فقال الشيخ :
أنشدك لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد
السيوف ، فقال له الحسين : " ليس يخفى علي الرأي ، وأن
الله تعالى لا يغلب على أمره " ( 1 ) .
في نفس النص
دلالة على أن الإمام كان يدرك ما كان يتخوفه غيره ،
وأن مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل ، ومع ذلك أكمل
السير طلبا للشهادة من أجل نصرة الدين ورد كيد أعدائه
، وحتى لا تبقى لأحد حجة يتذرع بها لتبرير تخاذله
وضعفه .
نعم لقد كان الحسين ( عليه السلام ) على بينة
من أمره وما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم ، فلا شئ
يقف أمام إرادته من أجل إعلاء كلمة الدين وتثبيت
دعائمه التي أراد الأمويون تقويضها ، انظر إليه وهو
يخاطب الحر بن يزيد الرياحي الذي يحذره من مغبة إصراره
على موقفه حيث يقول له : " أفبالموت تخوفني ، وهل يعدو
بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن
عمه وهو يريد نصرة رسول الله فخوفه ابن عمه وقال : أين
تذهب فإنك مقتول ، فقال :
سأمضي وما بالموت عار على
الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال
الصالحين بنفسه * وفارق مثبورا وخالف مجرما
فإن عشت لم
أندم وإن مت لم ألم * كفى بك ذلا أن تعيش وترغما " ( 2
)
| |
( 1 )
الإرشاد : 223 .
|
( 2 ) الإرشاد :
225 ، الطبري في تأريخه 5 : 204 . ( * )
|
|
|
ثم إنه كان لشهادة الحسين ( عليه السلام ) أثر كبير في
إيقاظ شعور الأمة وتشجيعها على الثورة ضد الحكومة
الأموية التي أصبحت رمزا للفساد والانحراف عن الدين ،
ولأجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين
في العراق والحجاز ، وهذه الانتفاضات وإن لم تحقق
هدفها في وقتها ، ولكن كان لها الدور الأساسي في سقوط
الحكومة الأموية بعد زمان .
ولقد أجاد من قال : لولا
نهضة الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه - رضي الله عنهم
- يوم الطف لما قام للإسلام عمود ، ولا اخضر له عود ،
ولأماته معاوية وأتباعه ولدفنوه في أول عهده في لحده .
فالمسلمون جميعا بل الإسلام من ساعة قيامه إلى قيام
الساعة رهين شكر للحسين ( عليه السلام ) وأصحابه - رضي
الله عنهم - ( 1 ) .
بلى ، فلا مغالاة في قول من قال :
إن الإسلام محمدي الحدوث حسيني البقاء والخلود . ترى
أنى للإمام الحسين ( عليه السلام ) الإذعان لحقيقة
تسلم يزيد مقاليد خلافة رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) ، يزيد المنحرف الفاسد ، عدو الله وعدو رسوله ،
الذي لم يستطع إخفاء دفائنه عندما أحضر رأس سيد
الشهداء بين يديه حيث أنشد :
ليت أشياخي ببدر شهدوا *
جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا * ثم
قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم *
وعدلنا قتل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم * من
بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء
ولا وحي نزل ( 2 )
| |
( 1 )
جنة المأوى :
208 للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء .
( 2 ) البيتان
الأولان لابن الزبعرى ، والثلاثة الأخيرة ليزيد ، لاحظ
تذكرة الخواص : 235 . ( * ) |
|
|
وأما بيان خروجه من مكة متوجها إلى العراق والحوادث
التي عرضت له في مسيره إلى أن نزل بأرض كربلاء ، والتي
استشهد فيها مع أولاده وأصحابه البالغ عددهم 72 شخصا ،
ظمآن وعطشان ، فهو خارج عن موضوع البحث . وقد ألفت فيه
مئات الكتب وعشرات الموسوعات .
شهادته ( عليه السلام )
: لقد استشهد يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة 61 من
الهجرة ، وقيل يوم السبت ، وكان قد أدرك من حياة النبي
الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) خمس أو ست سنوات ، وعاش
مع أبيه 36 سنة ، ومع أخيه 46 سنة .
فسلام الله عليه
يوم ولد ، ويوم استشهد ويوم يبعث حيا .
|