|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 202 :
|
|
الإمام التاسع : أبو جعفر محمد بن علي الجواد ( عليه
السلام )
ولادته ( عليه السلام ) : ولد بالمدينة المنورة
في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين بعد المائة ، فورث
الشرف من آبائه وأجداده ، واستسقت عروقه من منبع
النبوة ، وارتوت شجرته من منهل الرسالة .
إمامته (
عليه السلام ) : قام بأمر الولاية بعد شهادة والده الرضا
( عليه السلام ) عام 203 ه ، واستشهد ببغداد عام 220
ه ، أدرك خلافة المأمون وأوائل خلافة المعتصم . أما
إمامته ووصايته فقد وردت فيها النصوص الوافرة ( 1 ) .
لقب بالجواد والقانع والمرتضى والنجيب والتقي والزكي
وغيرها من الألقاب الدالة على علو شأنه وارتفاع منزلته
.
| |
( 1 ) أنظر
الكافي 1 : 320 - 323 ،
إثبات الهداة 3 : 321 - 328 . ( * )
|
|
|
استقدامه إلى بغداد لما توفي الرضا ( عليه السلام )
كان الإمام الجواد في المدينة ، وقام بأمر الإمامة
بوصية من أبيه وله من العمر تسع أو عشر سنين ، وكان
المأمون قد مارس معه نفس السياسة التي مارسها مع أبيه
( عليه السلام ) خلافا لأسلافه من العباسيين ، حيث
إنهم كانوا يتعاملون مع أئمة أهل البيت بالقتل والسجن
، وكان ذلك يزيد في قلوب الناس حبا لأهل البيت وبغضا
للخلفاء ، ولما شعر المأمون بذلك بدل ذلك الأسلوب
بأسلوب آخر وهو استقدام أهل البيت من موطنهم إلى دار
الخلافة لكي يشرف على حركاتهم وسكناتهم ، وقد استمرت
هذه السياسة في حقهم إلى الإمام الحادي عشر كما ستعرف
.
وما كان من المأمون عندما استقدم الإمام إلى مركز
الخلافة ، إلا أن شغف به لما رأى من فضله مع صغر سنه
وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم
يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان ، فزوجه ابنته أم
الفضل وحملها معه إلى المدينة ، وكان حريصا على إكرامه
وتعظيمه وإجلال قدره ، ونحن نكتفي في المقام بذكر
أمرين :
1 - لما توفي الإمام الرضا ( عليه السلام )
وقدم المأمون بغداد ، اتفق أن المأمون خرج يوما يتصيد
، فاجتاز بطرف البلدة وصبيان يلعبون ومحمد الجواد واقف
عندهم ، فلما أقبل المأمون فر الصبيان ووقف محمد
الجواد ، وعمره آنذاك تسع سنين ، فلما قرب منه الخليفة
قال له : يا غلام ما منعك أن لا تفر كما فر أصحابك ؟ !
فقال له محمد الجواد مسرعا : " يا أمير المؤمنين فر
أصحابي فرقا والظن بك حسن أنه لا يفر منك من لا ذنب له
، ولم يكن بالطريق ضيق فانتحي عن أمير المؤمنين "
فأعجب
المأمون كلامه وحسن صورته فقال له : ما اسمك يا غلام ؟
قال : " محمد بن علي الرضا ( عليه السلام ) " فترحم
على أبيه ( 1 ) .
2 - لما أراد المأمون تزويج ابنته أم
الفضل من الإمام الجواد ثقل ذلك على العباسيين وقالوا
له : ننشدك الله أن تقيم على هذا الأمر الذي عزمت عليه
من تزويج ابن الرضا ، فإنا نخاف أن تخرج به عنا أمرا
قد ملكناه الله ! وتنزع منا عزا قد ألبسناه الله ! فقد
عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا ، وما
كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير
بهم ، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا حتى كفى الله
المهم من ذلك - إلى أن قالوا - : إن هذا الفتى وإن
راقك منه هديه ، فإنه صبي لا معرفة له ، فأمهله حتى
يتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما ترى .
قال المأمون :
ويحكم إني أعرف بهذا الفتى منكم ، وإن أهل هذا البيت
علمهم من الله تعالى وإلهامه ، ولم يزل آباؤه أغنياء
في علم الدين والأدب من الرعايا الناقصة عن حد الكمال
، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر حتى يتبين لكم ما وصفت
لكم من حاله . قالوا : رضينا .
فخرجوا واتفق رأيهم على
أن يحيى بن أكثم يسأله مسألة وهو قاضي الزمان فأجابهم
المأمون على ذلك . واجتمع القوم في يوم اتفقوا عليه ،
وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست ففعل ذلك ، وجلس
يحيى بن أكثم بين يديه ، وقام الناس في مراتبهم ،
والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر ( عليه
السلام ) .
فقال يحيى بن أكثم للمأمون : أتأذن لي يا
أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر ؟ فقال : استأذنه في
ذلك . فأقبل عليه يحيى وقال : أتأذن لي - جعلت فداك -
في مسألة ؟
| |
( 1 )
الفصول المهمة : 266 .
( * ) |
|
|
فقال : " سل إن شئت " .
فقال : ما تقول - جعلت فداك -
في محرم قتل صيدا ؟
فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : "
في حل أو حرم ؟ عالما كان المحرم أو جاهلا ؟ قتله عمدا
أو خطأ ؟ حرا كان المحرم أو عبدا ؟ صغيرا كان أو كبيرا
؟ مبتدئا كان بالقتل أو معيدا ؟ من ذوات الطير كان
الصيد أم غيرها ؟ من صغار الصيد أم كبارها ؟ مصرا كان
على ما فعل أو نادما ؟ ليلا كان قتله للصيد أم نهارا ؟
محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما ؟ " .
فتحير يحيى وبان في وجهه العجز والانقطاع ، وتلجلج حتى
عرف أهل المجلس أمره .
فقال المأمون : الحمد لله على
هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ، ثم قال لأبي جعفر (
عليه السلام ) : اخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وأنا
مزوجك أم الفضل ابنتي ( 1 ) .
ولما تم الزواج قال
المأمون لأبي جعفر : إن رأيت - جعلت فداك - أن تذكر
الجواب فيما فصلته من وجوه قتل المحرم الصيد لنعلمه ونستفيده .
فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : " إن
المحرم إذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير
وكان من كبارها فعليه شاة ، فإن أصابه في الحرم فعليه
الجزاء مضاعفا ، فإن قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد
فطم من اللبن ، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة
الفرخ ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة ،
وإن كان نعامة فعليه بدنة ، وإن كان ظبيا فعليه شاة ،
فإن قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا
هديا بالغ الكعبة ، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه
الهدي فيه وكان إحرامه بالحج نحره بمنى ، وإن كان
إحرامه بالعمرة نحره
| |
( 1 ) الإرشاد
: 319
- 321 ، إعلام الورى : 352 وللقصة صلة فراجع . ( * )
|
|
|
بمكة ، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء ، وفي
العمد له المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ ، والكفارة
على الحر في نفسه ، وعلى السيد في عبده ، والصغير لا
كفارة عليه وهي على الكبير واجبة ، والنادم يسقط بندمه
عنه عقاب الآخرة ، والمصر يجب عليه العقاب في الآخرة "
. فقال له المأمون : أحسنت يا أبا جعفر . . . ( 1 ) .
رجوعه ( عليه السلام ) إلى المدينة
: ثم إن أبا جعفر بعد
أن أقام مدة في بغداد هاجر إلى المدينة وسكن بها مدة
إلى أن توفي المأمون وبويع المعتصم ، ولم يزل المعتصم
متفكرا في أبي جعفر يخاف من اجتماع الناس حوله ووثوبه
على الخلافة ، فلأجل ذلك مارس نفس السياسة التي مارسها
أخوه المأمون من قبله فاستقدم الإمام الجواد ( عليه
السلام ) إلى بغداد سنة 220 ( 2 ) وبقي فيها ( عليه
السلام ) حتى توفي في آخر ذي القعدة من تلك السنة ،
وله من العمر 25 سنة وأشهر .
ودفن عند جده موسى بن
جعفر في مقابر قريش .
وقال ابن شهرآشوب : إنه قبض
مسموما ( 3 ) .
فسلام الله على إمامنا الجواد يوم ولد
، ويوم مات أو استشهد بالسم ، ويوم يبعث حيا .
| |
( 1 )
الإرشاد : 322 .
( 2 ) وفي الإرشاد : ص
326 ، وفي إعلام الورى : ص 304 : وكان سبب ورود الإمام
إلى بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة ، فورد بغداد
لليلتين بقيتا من محرم الحرام سنة 225 ه . . . ثم
يقول : وكان له يوم قبض 25 سنة . ولا يخفى أنه لو كان
تاريخ وروده إلى بغداد هي سنة 225 ه ، يكون له يوم
وفاته 30 سنة من العمر لأنه ولد عام 195 ه .
( 3 )
ابن شهرآشوب ، المناقب 4 : 379 . ( * ) |
|
|
|