|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 207 :
|
|
الإمام العاشر : أبو الحسن علي بن محمد الهادي ( عليه
السلام )
ولادته وإمامته ( عليه السلام )
: ولد عام 212
ه ، وهو من بيت الرسالة والإمامة ، ومقر الوصاية
والخلافة ، وثمرة من شجرة النبوة .
قام ( عليه السلام
) بأمر الإمامة بعد والده الإمام الجواد ( عليه السلام
) ، وقد عاصر خلافة المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر
والمستعين والمعتز ، وله مع هؤلاء قضايا لا يتسع
المقام لذكرها .
قال ابن شهرآشوب : كان أطيب الناس
مهجة ، وأصدقهم لهجة ، وأملحهم من قريب ، وأكملهم من
بعيد ، إذا صمت علته هيبة الوقار ، وإذا تكلم سماه
البهاء ( 1 ) .
وقال عماد الدين الحنبلي : كان فقيها
إماما متعبدا ( 2 ) .
| |
( 1 ) ابن شهرآشوب
، مناقب آل أبي طالب 4 : 401 ط قم . |
( 2 ) شذرات الذهب
2 : 128 في حوادث سنة 254 . ( * )
|
|
|
وقال المفيد : تقلد الإمامة بعد أبي جعفر ابنه أبو
الحسن علي بن محمد ، وقد اجتمعت فيه خصال الإمامة وثبت
النص عليه بالإمامة ، والإشارة إليه من أبيه بالخلافة
( 1 ) .
وقد تضافرت النصوص على إمامته عن طرقنا ، فمن
أراد فليرجع إلى الكافي وإثبات الهداة وغيرهما من
الكتب المعدة لذلك ( 2 ) .
المتوكل ومواقفه الشنيعة مع
الإمام ( عليه السلام ) لقد مارس المتوكل نفس الأسلوب
الخبيث الذي رسمه المأمون ثم أخوه المعتصم من إشخاص
أئمة أهل البيت من موطنهم وإجبارهم على الإقامة في مقر
الخلافة ، وجعل العيون والحراس عليهم حتى يطلعوا على
دقيق حياتهم وجليلها .
وكان المتوكل من أخبث الخلفاء
العباسيين ، وأشدهم عداء لعلي ، فبلغه مقام علي الهادي
بالمدينة ومكانته هناك ، وميل الناس إليه ، فخاف منه (
3 ) ، فدعا يحيى ابن هرثمة وقال : اذهب إلى المدينة ،
وانظر في حاله وأشخصه إلينا .
قال يحيى : فذهبت إلى
المدينة ، فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجا عظيما ما سمع
الناس بمثله ، خوفا على علي الهادي ، وقامت الدنيا على
ساق ، لأنه كان محسنا إليهم ، ملازما للمسجد لم يكن
عنده ميل إلى الدنيا .
قال يحيى : فجعلت أسكنهم وأحلف
لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه ، وأنه لا بأس عليه ، ثم
فتشت منزله فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية وكتب العلم ،
فعظم في
| |
( 1 )
الإرشاد : 327 .
( 2 ) الكليني ، الكافي 1 : 323 - 325 ، الشيخ الحر العاملي
، إثبات الهداة 3 : 355 - 358 .
( 3 ) روي أن بريحة
العباسي أحد أنصار المتوكل وأزلامه كتب إليه : إن كان
لك بالحرمين حاجة فأخرج منها علي بن محمد ، فإنه قد
دعا الناس إلى نفسه وتبعه خلق كثير . ( * )
|
|
|
عينى ، وتوليت خدمته بنفسي ، وأحسنت عشرته ، فلما قدمت
به بغداد ، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان واليا
على بغداد ، فقال لي : يا يحيى إن هذا الرجل قد ولده
رسول الله ، والمتوكل من تعلم ، فإن حرضته عليه قتله ،
كان رسول الله خصمك يوم القيامة . فقلت له : والله ما
وقعت منه إلا على كل أمر جميل . ثم صرت به إلى " سر من
رأى " فبدأت ب " وصيف " التركي ، فأخبرته بوصوله ،
فقال : والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك ،
فلما دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته
وسلامة طريقه وورعه وزهادته ، وأني فتشت داره ولم أجد
فيها إلا المصاحف وكتب العلم ، وأن أهل المدينة خافوا
عليه ، فأكرمه المتوكل وأحسن جائزته وأجزل بره ،
وأنزله معه سامراء ( 1 ) .
ومع أن الإمام كان يعيش في
نفس البلد الذي يسكن فيه المتوكل ، وكانت العيون
والجواسيس يراقبونه عن كثب ، إلا أنه وشي به إلى
المتوكل بأن في منزله كتبا وسلاحا من شيعته من أهل قم
، وأنه عازم على الوثوب بالدولة ، فبعث إليه جماعة من
الأتراك ، فهاجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ،
ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف وهو
جالس على الرمل والحصى ، وهو متوجه إلى الله تعالى
يتلو آيات من القرآن ، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل
وقالوا له : لم نجد في بيته شيئا ، ووجدناه يقرأ
القرآن مستقبل القبلة ، وكان المتوكل جالسا في مجلس
الشراب فأدخل عليه والكأس في يده ، فلما رآه هابه
وعظمه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس التي كانت في
يده ، فقال الإمام ( عليه السلام ) : " والله ما خامر
لحمي ودمي قط ، فاعفني " فأعفاه ، فقال له : انشدني
شعرا ، فقال علي : " أنا قليل الرواية للشعر " فقال :
لا بد ، فأنشده وهو جالس عنده :
| |
( 1 ) سبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواص : 322 . ( * )
|
|
|
"
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * غلب الرجال فما أغنتهم
القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم * وأسكنوا حفرا يا
بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد دفنهم * أين الأسرة
والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة * من
دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين
ساءلهم * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل ( 1 )
قد طال
ما أكلوا دهرا وما شربوا * فأصبحوا بعد طول الأكل قد
أكلوا "
فبكى المتوكل حتى بلت لحيته دموع عينه وبكي
الحاضرون ، ورفع إلى علي أربعة آلاف دينار ثم رده إلى
منزله مكرما ( 2 ) .
آثاره العلمية : روى الحفاظ والرواة
عن الإمام أحاديث كثيرة في شتى المجالات من العقيدة
والشريعة ، وقد جمعها المحدثون في كتبهم ، وبثها الحر
العاملي في كتابه الموسوم ب " وسائل الشيعة " على
أبواب مختلفة ، ومما نلفت إليه النظر أن للإمام ( عليه
السلام ) بعض الرسائل ، وهي :
1 - رسالته في الرد على
الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين ،
أوردها بتمامها الحسن بن علي بن شعبة الحراني في كتابه
الموسوم ب " تحف العقول " ( 3 ) .
2 - أجوبته ليحيى
بن أكثم عن مسائله ، وهذه أيضا أوردها الحراني في تحف
العقول .
| |
( 1 ) ربما يروى "
ينتقل " . |
( 2 ) المسعودي ، مروج الذهب 4 : 11 .
|
( 3 ) تحف العقول
238 - 352 . ( * )
|
|
|
3
- قطعة من أحكام الدين ، ذكرها ابن شهرآشوب في المناقب
.
ولأجل إيقاف القارئ على نمط خاص من تفسير الإمام
نأتي بنموذج من هذا التفسير : قدم إلى المتوكل رجل
نصراني فجر بامرأة مسلمة ، فأراد أن يقيم عليه الحد ،
فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : الإيمان يمحو ما قبله ،
وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود ، فكتب المتوكل إلى
الإمام الهادي يسأله ، فلما قرأ الكتاب ، كتب : " يضرب
حتى يموت " فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب إليه يسأله عن
العلة ، فكتب : { بسم الله الرحمن الرحيم
. . . فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا
بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ
مُشْرِكِينَ *
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا
بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي
عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } ( 1 ) ، فأمر به المتوكل فضرب حتى مات ( 2 ) .
شهادته ( عليه السلام
) : توفي أبو الحسن ( عليه السلام ) في رجب سنة أربع
وخمسين ومائتين ودفن في داره بسر من رأى ، وخلف من
الولد أبا محمد الحسن ابنه وهو الإمام من بعده ،
والحسين ، ومحمد ، وجعفر ، وابنته عائشة ، وكان مقامه
بسر من رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهر ، وتوفي وسنه
يومئذ على ما قدمناه إحدى وأربعون سنة ( 3 ) .
وقد ذكر
المسعودي في إثبات الوصية " تفصيل كيفية وفاته وتشييعه وإيصاء الإمامة لابنه أبي محمد العسكري " فمن أراد
فليراجع ( 4 ) .
| |
( 1 ) غافر : 84 - 85 .
( 2 ) مناقب آل أبي طالب 4 : 403 - 405 .
|
( 3 )
الإرشاد : 327 .
( 4 ) إثبات الوصية : 257 . ( * )
|
|
|
|