- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 239 :

الفصل الثالث : دور الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية
------------------------------- ص 241 -------------------------------

تمهيد : إن الحديث عن دور الإنسان في بناء الحضارة البشرية حديث ذو شجون لا يسع المرء وهو يتحدث عنه إلا أن يتبين بوضوح أثر العمق العقائدي في استقرار هذه الحضارات المتلاحقة والتي تركت - وبلا شك - لها بعض الآثار الدالة عليها ، وهذا العامل الداعم لقيام تلك الحضارات يكون وبلا أدنى ريب المفصل الأساسي في هيكلية ذلك البناء الكبير . ولقد شهدت الحياة البشرية على هذا الكوكب ( الأرض ) حضارات متعددة ، لكل ميزاتها وخصائصها التي ضبطها التاريخ ، وأفصحت عنها الاكتشافات الأثرية .

ومن مشاهير هذه الحضارات : الحضارة الصينية ، المصرية ، البابلية ، اليونانية ، الرومانية ، الفارسية ، وأخيرا الحضارة الغربية القائمة في عصرنا الحاضر ، ولكل من هذه الحضارات انطباعاتها الخاصة .

وأما الحضارة الإسلامية والتي تتوسط بين الحضارة الأخيرة ( الغربية ) وما تقدمها فهي تعد بلا شك من أكبر الحضارات في تاريخ الإنسان وأكثرها اهتماما بالعلم والفلسفة والأدب والفنون . وهي الأساس الوطيد الذي قامت عليه حركة

- ص 242 -

النهضة الأوربية .
ولقد وضع عشرات من العلماء موسوعات وكتبا لبيان ما قدمته الحضارة الإسلامية من خدمات جليلة إلى المجتمع البشري في المجالات المختلفة .
ولا يمكن لأحد القول بأن الحضارة الإسلامية حضارة عربية بحتة تفرد العرب في إقامة بنيانها وتثبيت أركانها ، بقدر ما كانت تمثل الجهد المتفاعل لجميع الشعوب الإسلامية بقومياتها المختلفة من عرب وفرس وترك وغيرهم من القوميات ، الذين ذابوا في الإسلام ونسوا قومياتهم ومشخصاتهم العنصرية والبيئية .

ومن هنا فإن أي تعبير عن الحضارة التي سادت إبان تلك الحقبة الزاهرة من حياة البلاد العربية وما يجاورها ، فإن المراد به الإشارة إلى الحضارة الإسلامية بكل أبعادها وأسس بنيانها ، والتي شارك فيها جميع المسلمين ، المخلصين لرسالة السماء التي جاء بها نبي الرحمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) .

إن المسلمين الأوائل وبفضل جهدهم المخلص في بناء حياة الأمم والشعوب ، استطاعوا أن يقيموا للإسلام حضارة عظيمة ورائعة مترامية الأطراف كانت متوازية مع خط انتشار الدعوة الإسلامية ، فلا غرو أن تخفق راياتها في بقاع واسعة من العالم تمتد من حدود الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا .

بلى لقد استطاع المسلمون أن يقيموا حضارة حقيقية ترتكز على أسس أخلاقية وعقائدية سماوية ، ضربت جذورها في أعماق البناء الإنساني واستطاعت أن تجعل منه وكما أراد خالقه له أن يكون خليفته في أرضه . وإذا كان " ويل دورانت " في كتابه الشهير " قصة الحضارة " قد أشار إلى أن الحضارة تتألف من عناصر أربعة ، وهي :
 1 - الموارد الاقتصادية .
 2 - النظم السياسية .
 3 - التقاليد الخلقية .

- ص 243 -

 4 - متابعة العلوم والفنون .
وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق ، لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التضلع وعوامل الإبداع والإنشاء ، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها ( 1 ) .
فإن ما ذكره ذلك العالم الباحث من أسس الحضارة وأركانها يرجع إلى تفسير الحضارة بالمعنى الجامع الشامل للحضارة الإلهية والمادية ، وأما بالنظر إلى الحضارة المرتكزة على الأسس الدينية فمن أهم أركانها توعية الإنسان في ظلال الاعتقاد بالله سبحانه واليوم الآخر ، حتى يكون هو الدافع إلى العمل والالتزام بالسلوك الأخلاقي والديني ، فالحضارة المنقطعة عن التوعية الدينية حضارة صناعية لا إنسانية ، وتمدن مادي وليس بإلهي .

إن مؤسس الحضارة الإسلامية هو النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد جاء بسنن وقوانين دفعت البشرية إلى مكارم الأخلاق كما دفعتهم إلى متابعة العلوم والفنون ، واستغلال الموارد الطبيعية ، وتكوين مجتمع تسود فيه النظم الاجتماعية المستقيمة .

ولا يشك في ذلك من قرأ تاريخ الإسلام ، وتاريخ النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، خصوصا إذا قارن بين حياة البشرية بعد بزوغ شمس الإسلام بما قبلها .

ثم إن المسلمين شيدوا أركان الحضارة الإسلامية في ظل الخطوط التي رسمها النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) من خلال القرآن والسنة ، فأصبحت لهم قوة اقتصادية ، ونظم سياسية ، وتقاليد دينية وخلقية ، وأعطوا العلوم المختلفة جل اهتمامهم ، فبرز منهم العديد من العلماء المتفوقين والبارعين في شتى مناحي العلم ، ورفدوا حركة تطور الحضارة البشرية بجهودهم المخلصة ، والتي تعكسها مؤلفاتهم القيمة والتي لا زالت حتى يومنا هذا مثار إعجاب الجميع ، بل إنهم عمدوا إلى ترجمة كتب العلم المختلفة

 

( 1 ) ويل دورانت ، قصة الحضارة 1 : 3 . ( * )

 
 

- ص 244 -

لدى غيرهم من الأمم ، مثل الفرس واليونانيين وغيرهم ، فأغنوا المكتبة الإسلامية بسيل وافر من المؤلفات القيمة والمهمة .
لقد شملت الحضارة الإسلامية كل ميادين الحياة المختلفة ، فلم تلق جل جهدها في جانب واحد من جوانب الرقي الحضاري دون غيره ، بل شمل اهتمامها كل جوانب الحياة المختلفة ، وتلك حقيقة لا يمكن لأحد الإغضاء عنها ، فإذا كانت كل حضارة من الحضارات المعروفة قد تميزت برقي في جانب واحد من الجوانب الحياتية ، سواء الاقتصادي كان أو العسكري ، فإن الحضارة الإسلامية تتمتع بمجموع هذه المميزات ، فلم تترك ميزة دون أخرى .

والذي يطيب لنا هنا ذكر مشاركة الشيعة في بناء هذه الحضارة ، خصوصا فيما يتعلق بالركن الرابع وهو متابعة العلوم والفنون ، وأما الأركان الثلاثة الباقية فغير مطلوبة لنا في هذا المقام ، وذلك لأن الموارد الاقتصادية شارك فيها المسلمون انطلاقا من دوافعهم النفسية من خلال الاهتمام بالأمور التالية :
 1 - التنمية الزراعية بجوانبها المختلفة .
 2 - استخراج وصناعة المعادن المختلفة ، مثل الذهب والفضة والأحجار الكريمة بأنواعها النفيسة المختلفة .
 3 - إحداث القنوات المائية وبناء السدود .
 4 - الاهتمام بتطوير الثروة الحيوانية وتوسيعها .
 5 - صناعة الألبسة والأقمشة وغيرها .
 6 - صناعة الورق وكتابة الكتب ونشرها في العالم .
 7 - إيجاد المواصلات البرية والبحرية ، وتنظيم حركة الملاحة ، ومحاربة قطاع الطرق واللصوص في البر والبحر
.
 8 - العناية الفائقة بالتجارة ، وعقد الاتفاقيات التجارية مع البلدان المجاورة .

- ص 245 -

إلى غير ذلك مما يوجب ازدهار الوضع الاقتصادي ، فلا يصح إبعاد قوم عن تلك الساحة وتخصيص الازدهار الاقتصادي بطائفة دون أخرى ، فإن الإنسان حسب الفطرة والدافع الغريزي ينساق إلى ذلك .

وأما النظم السياسية ، فإن الدول الإسلامية المختلفة قد ساهمت في إرساء دعائمها وتثبيت أركانها خلال سني حكمها ، ولا فرق في ذلك بين دول الشيعة منها كالحمدانيين والبويهيين والفاطميين وغيرهم كالساميين والسلاجقة وغيرهم . وأما التقاليد الخلقية فقد كانت منبثقة من صميم الإسلام ، ومأخوذة من الكتاب والسنة ، كما أن التقاليد القومية للشعوب المختلفة ، والتي لم تكن معارضة لمبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء فقد فسح لها الإسلام المجال ولم ينه عنها .

فلأجل ذلك نركز على الركن الرابع من هذه الأركان الأربعة للحضارة ، وهو متابعة العلوم والفنون ، فهي الطابع الأساسي للحضارة الإسلامية ، وبها تتميز عما تقدم عليها وما تأخر ، فنأتي بموجز عن دور الشيعة في بناء هذا الركن - أي ازدهار العلوم والفنون - ليظهر أنهم كانوا في الطليعة ، وكان لهم الدور الأساسي في ازدهارها .

ولما كانت الحضارة الإسلامية تستمد أسباب وجودها من الكتاب والسنة ، فكل من قدم خدمة للقرآن والسنة لفظا ومعنى ، صورة ومادة ، فقد شارك في بناء الحضارة الإسلامية .

وإليك هذا البيان تأييدا لما أسلفنا :
 1 - قدماء الشيعة وعلم البيان
 2 - قدماء الشيعة وعلم النحو

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب