- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 261 :

7 - قدماء الشيعة وعلم التفسير

إن القرآن هو المصدر الرئيسي للمسلمين في مجالي العقيدة والشريعة ، وهو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد قام المسلمون بأروع الخدمات لهذا الكتاب الإلهي على وجه لا تجد له مثيلا بين أصحاب الشرائع السابقة ، حتى أسسوا لفهم كتابهم علوما قد بقي في ظلها القرآن مفهوما للأجيال ، كما قاموا بتفسيره وتبيين مقاصده بصور شتى ، لا يسع المقام ذكرها .
فأدوا واجبهم تجاه كتاب الله العزيز - شكر الله مساعيهم - من غير فرق بين الشيعة والسنة .

- ص 262 -

إن مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) إلى يومنا هذا ، أنتجت تفاسير على أصعدة مختلفة ، وخدمت الذكر الحكيم بصور شتى ، نأتي بوجه موجز ، لما ألف في القرون الإسلامية الأولى .

إن أئمة أهل البيت - بعد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) - هم المفسرون الحقيقيون للقرآن الكريم ، حيث فسروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم التي لا تشذ عن قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وفعله وحجته ، ومن الظلم الفادح أن نذكر الصحابة والتابعين في عداد المفسرين ولا نعترف بحقوق أئمة أهل البيت وهم عديله باتفاق الجميع .

وهذا ما فعله في كتابه محمد حسين الذهبي ، جعل عليا - وهو الوصي وباب علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) - في الطبقة الثالثة من حيث نقل الرواية عنه ، وجعل تلميذه ابن عباس في الدرجة الأولى ! ! ( 1 ) ، ولم يذكر عن بقية الأئمة شيئا مع كثرة ما نقل عنهم في مجال التفسير من الروايات الوافرة .

أقول : ما إن ارتحل النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) حتى عكف المسلمون على دراسة القرآن وتدبره ، بيد أنهم وجدوا أن لفيفا من المسلمين كانوا عاجزين عن فهم بعض ألفاظ القرآن .
والقرآن وإن نزل بلغة الحجاز إلا أنه يحوي ألفاظا غير رائجة فيها ، وربما كانت رائجة بين القبائل الأخرى ، وهذا النوع من الألفاظ ما سموه ب‍ " غريب القرآن " وقد سأل ابن الأزرق - رأس الخوارج - ابن عباس عن شئ كثير من غريب القرآن وأجاب عنه مستشهدا بشعر العرب الأقحاح ، وقد جمعها السيوطي في إتقانه ( 2 ) .

وبما أن تفسير غريب القرآن كان الخطوة الأولى لتفسيره ، فقد ألف أصحابنا

 

( 1 ) الذهبي ، التفسير والمفسرون 1 : 89 - 90 .

( 2 ) السيوطي ، الإتقان 4 : 55 - 88 . ( * )  
 

- ص 263 -

في إبان التدوين كتبا في ذلك المضمار ، نذكر قليلا من كثير : 1 - غريب القرآن ، لأبان بن تغلب بن رباح البكري ( ت 141 ه ) ( 1 ) .

 2 - غريب القرآن ، لمحمد بن السائب الكلبي ، من أصحاب الإمام الصادق ( عليه السلام ) ( 2 ) .

 3 - غريب القرآن ، لأبي روق ، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي ، قال ابن عقدة : كان ممن يقول بولاية أهل البيت ( 3 ) .

 4 - غريب القرآن ، لعبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي ، جمع فيه ما ورد في الكتب الثلاثة المتقدمة ( 4 ) .

 5 - غريب القرآن ، للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي ( ت 313 ه ) ( 5 ) .
وقد توالى التأليف حول غريب القرآن في القرون الماضية ، فبلغ العشرات ، وكان أخيرها - لا آخرها - ما ألفه السيد محمد مهدي الخرسان في جزأين ( 6 ) .

مجازات القرآن : إذا كان الهدف من هذه الكتب بيان معاني مفردات القرآن وألفاظه ، فإن في الجانب الآخر منه لون آخر من التفسير يهدف لبيان مقاصده ومعانيه إذا كانت الآية مشتملة على المجاز والكناية والاستعارة .
إليك أخي القارئ الكريم نماذج

 

 ( 1 ) النجاشي ، الرجال 1 : 73 / 6 .
( 2 ) المصدر نفسه : 78 / 6 .
( 3 ) ابن النديم ، الفهرست : 57 ، النجاشي ، الرجال 1 : 78 .

( 4 ) النجاشي ، الرجال 1 : 78 .
( 5 ) ابن النديم ، الفهرست : 58 .
( 6 ) الطهراني آقا بزرك ، الذريعة 16 : 50 / 208 . ( * )
 
 

- ص 264 -

قليلة مما ألف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة :
 1 - مجاز القرآن ، لشيخ النحاة الفراء يحيى بن زياد الكوفي ( المتوفى عام 207 ه‍ ) ، وقد طبع أخيرا في جزأين ( 1 ) .
 2 - مجاز القرآن ، لمحمد بن جعفر بن محمد ، أبو الفتح الهمداني . قال النجاشي : له كتاب " ذكر المجاز من القرآن " ( 2 ) .
 3 - مجازات القرآن ، للشريف الرضي المسمى بتلخيص البيان في مجازات القرآن ، وهو أحسن ما ألف في هذا الباب وهو مطبوع .

التفسير بصور متنوعة : وهناك لون آخر من التفسير ، يعمد فيه المفسر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصة كالمحكم والمتشابه ، والناسخ والمنسوخ ، وآيات الأحكام ، وقصص الأنبياء ، وأمثال القرآن ، وأقسامه ، والآيات الواردة في مغازي النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والنازلة في حق العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) إلى غير ذلك من الموضوعات التي لا تعم جميع آيات القرآن ، بل تختص بموضوع واحد .

وكان علماء الشيعة قد شاركوا غيرهم من علماء المسلمين في هذا الجانب الحيوي والمهم ، ورفدوا المكتبة الإسلامية بهذه الأنواع من التفاسير ، ومن أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم ، وأخص بالذكر : الذريعة إلى تصانيف الشيعة .

الشيعة والتفسير الموضوعي : إن نزول القرآن نجوما ، وتوزع الآيات الراجعة إلى موضوع واحد في سور

 

( 1 ) المصدر نفسه 19 : 351 / 1567 .

( 2 ) النجاشي ، الرجال 2 : 319 / 1054 . ( * )  
 

- ص 265 -

متعددة ، يطلب لنفسه نمطا آخر ، غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي ، فإن النمط الثاني يتجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة ، وآية بعد آية ، وأما النمط الأول فيحاول فيه المفسر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاص ، في مجال البحث ، وتفسير الجميع جملة واحدة وفي محل واحد .

فيستمد المفسر من المعاجم المؤلفة حول القرآن ، ومن غيرها ، في الوقوف على الآيات الواردة في جانب معين ، مثلا في خلق السماء والأرض ، أو الإنسان ، أو أفعاله وحياته الأخروية ، فيفسر المجموع مرة واحدة ، ويرفع إبهام آية بآية أخرى ، ويخرج بنتيجة واحدة ، وهذا النوع من التفسير وإن لم يهتم به القدماء واكتفوا منه بتفسير بعض الموضوعات كآيات الأحكام ، والناسخ والمنسوخ ، إلا أن المتأخرين منهم بذلوا جهدهم في طريقه ، ولعل العلامة المجلسي ( 1037 - 1110 ه‍ ) كان أول من فتح هذا الباب على مصراعيه في موسوعته الموسومة ب‍ " بحار الأنوار " ، حيث أورد في أول كل باب من أبواب كتابه المتخصصة جملة الآيات الواردة حول موضوع الباب ، ثم لجأ إلى تفسيرها إجمالا ، ثم أورد ما جمعه من الأحاديث التي لها صلة بالباب .

وقد قام كاتب هذه السطور بتفسير الآيات النازلة حول العقائد والمعارف وخرج منه حتى الآن سبعة أجزاء وانتشر باسم " مفاهيم القرآن " نسأل الله تعالى التوفيق لإتمامه .

الشيعة والتفسير الترتيبي : قد تعرفت على أن المنهج الراسخ بين القدماء وأكثر المتأخرين هو التفسير الترتيبي ، وقد قام فضلاء الشيعة من صحابة الإمام علي والتابعين له إلى العصر الحاضر بهذا النمط من التفسير ، إما بتفسير جميع سوره ، أو بعضها ، والغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الأولى ، هو التفسير بالأثر ، ولكن انقلب النمط  

- ص 266 -

إلى التفسير العلمي والتحليلي من أواخر القرن الرابع . فأول من ألف من الشيعة على هذا المنهاج هو الشريف الرضي ( 359 - 406 ه‍ ) مؤلف كتاب " حقائق التأويل " في عشرين جزءا ( 1 ) ، ثم جاء بعده أخوه الشريف المرتضى فسلك مسلكه في أماليه المعروفة ب‍ " الدرر والغرر " ، ثم توالى التأليف على هذا المنهاج من عصر الشيخ الأكبر الطوسي ( 385 - 460 ه‍ ) مؤلف " التبيان في تفسير القرآن " في عشرة أجزاء كبار ، إلى عصرنا هذا .

فقد قامت الشيعة في كل قرن بتأليف عشرات التفاسير وفق أساليب متنوعة ، ولغات متعددة . لا يحصيها إلا المتوغل في المعاجم وبطون المكتبات .
ولقد فهرسنا على وجه موجز أسماء مشاهير المفسرين من الشيعة وأعلامهم في 14 قرنا ، وفصلنا كل قرن عن القرن الآخر ، واكتفينا بالمعروفين منهم ، لأن ذكر غيرهم عسير ومحوج إلى تأليف حافل . فبلغ عددهم ( 122 ) مفسرا .

ومن أراد الإلمام بذلك فعليه الرجوع إلى المقدمة التي قدمناها لتفسير التبيان للشيخ الطوسي ، ولأجل ذلك نطوي الكلام في المقام .

 

( 1 ) وللأسف لم توجد منه نسخة كاملة في عصرنا الحاضر إلا الجزء الخامس وهو يكشف عن عظمة هذا السفر ويدل على جلالة المؤلف . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب