|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 277 : |
|
10 -
قدماء الشيعة وعلم أصول الفقه
إن السنة
النبوية بعد القرآن الكريم هي المصدر للتشريع ، وقد
سبق أن الخلافة - بعد رحلة الرسول ( صلى الله عليه
وآله ) - حالت دون تحديث ما تركه بين الأمة ، وكتابته
وتدوينه . فلم تدون السنة إلى عصر أبي جعفر المنصور ،
إلا صحائف غير منظمة ولا مرتبة ، إلى أن شرع علماء
الإسلام في التدوين سنة ( 53 هـ) ( 1 ) .
إن الحيلولة بين السنة وتدوينها
ونشرها أدت إلى نتائج سلبية عظيمة ، منها قصور ما وصل
إلى الفقهاء في ذلك العصر صحيحا من الرسول ( صلى الله
عليه وآله ) عن تلبية متطلباتهم في مجال الأحكام ، حتى
اشتهر عن إمام الحنفية أنه لم يثبت عنده من أحاديث
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في مجال التشريع إلا
سبعة عشر حديثا .
ونحن وإن كنا لا نتوافق مع ما حكي عن النعمان ، ولكن نؤكد على شئ آخر ، وهو أن ما ورد في
مجموع الصحاح والمسانيد والسنن الأعم من الصحيح
والضعيف في مجال الأحكام الشرعية لا يتجاوز 500 حديث .
قال السيد محمد رشيد رضا : إن أحاديث الأحكام الأصول
لا تتجاوز 500 حديث تمدها ( 2 ) أربعة آلاف موقوفات
ومراسيل .
| |
( 1 ) جلال الدين
السيوطي ،
تاريخ الخلفاء : 261 .
( 2 ) الوحي المحمدي : 212 ، ط
6 . نعم أنهاه ابن حجر في كتابه "
بلوغ المرام " إلى (
1596 ) حديثا لكن كثيرا منها لا يتضمن حكما شرعيا ،
وإنما هي أحاديث أخلاقية وغيرها ، فلاحظ . ( * )
|
|
|
ويقول أيضا في تفسيره : يقولون إن مصدر القوانين الأمة
، ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنة .
كما قرره الإمام الرازي والمنصوص قليل جدا ( 1 ) .
وما
ذكره من قضية الإمداد ، يوحي إلى الموقوفات عن الصحابة
، من دون أن يثبت صدورها عن النبي ( صلى الله عليه
وآله ) فهذه الموقوفات تعرب عن اجتهادات الصحابة في
المسألة .
ومن المعلوم أن قول الصحابي لا يكون حجة إلا
إذا نسبه إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .
هذا وإن
الحافظ ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه ) جمع كل ما ورد
في مجال التشريع في كتاب أسماه بلوغ المرام من أدلة
الأحكام ( 2 ) وهو كتاب صغير جدا .
إن افتقاد النص في
مجال التشريع الذي واجه فقهاء أهل السنة بعد رحلة
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، هو الذي دعاهم إلى
التفحص عن الحل لهذه الأزمة حتى تسد حاجاتهم الفقهية ،
فعكفوا على المقاييس الظنية التي ما أنزل الله بها من
سلطان ، كالقياس ، والاستقراء ، والاستحسان ، وسد
الذرائع ، وسنة الخلفاء ، أو سنة الصحابة ، أو رأي أهل
المدينة ، إلى غير ذلك من القواعد ، أسسوا عليها فقههم
عبر قرون متمادية ، وقد جاء ذلك نواة لتأسيس علم أصول
الفقه بصورة مختصرة نمت ونضجت في الأجيال .
وأما
الشيعة فحيث إنهم لم يفتقدوا سنة الرسول بعد وفاته
لوجود باب علم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، علي (
عليه السلام ) والأئمة المعصومين بين ظهرانيهم ، فلم
تكن هناك أية حاجة للعمل بتلك المقاييس ، وبالتالي لم
يكن هناك أي دافع للاتجاه نحو أصول الفقه .
نعم لما
كان الإسلام دينا عالميا ، والنبي ( صلى الله عليه
وآله ) خاتم الأنبياء ، والأصول والسنن
| |
( 1 )
تفسير المنار 5 : 189 .
|
( 2 ) بلوغ المرام من أدلة
الأحكام ، ط مصر تحقيق محمد حامد الفقي . ( * ) |
|
|
مهما كثرت لا يمكن أن تلبي بحرفيتها حاجات المسلمين
إلى يوم القيامة ، انبرى أئمة أهل البيت إلى إملاء
ضوابط وقواعد يرجع إليها الفقيه عند فقدان النص أو
إجماله أو تعارضه إلى غير ذلك من الحالات التي يواجه بها الفقيه .
وتلك الأصول هي التي تكون أساسا لعلم
أصول الفقه ، ولقد جمعها عدة من الأعلام في كتاب خاص
أفضلها " الفصول المهمة في أصول الأئمة " للشيخ المحدث
الحر العاملي المتوفى سنة ( 1104 ه ) .
ومن هنا فإنا
يمكننا القول إن وجود أئمة أهل البيت ( عليهم السلام )
بين ظهراني الشيعة أغنى هذه الطائفة عن الحاجة الملحة
لتدوين مسائل أصول الفقه إبان تلك الفترة الماضية ،
إلا أن هذا لا يعني أنه لم ينبر لفيف من صحابة الأئمة
لدراسة بعض مسائل الفقه نظير :
1 - هشام بن الحكم ( ت
199 ه ) ، صنف كتاب الألفاظ ( 1 ) .
2 - يونس بن عبد
الرحمن ، صنف كتاب اختلاف الحديث ومسائله . وهو مبحث
تعارض الحديثين ( 2 ) .
3 - إسماعيل بن علي بن إسحاق
بن أبي سهل بن نوبخت ( 237 - 311 ه ) .
قال عنه
النجاشي : كان شيخ المتكلمين من أصحابنا . وذكر
مصنفاته وعد منها كتاب الخصوص والعموم ( 3 ) . وذكره
ابن النديم في فهرسته ، وعد من مصنفاته كتاب إبطال
القياس ، وكتاب
| |
( 1 )
النجاشي : الرجال 2
: 398 / 1165 وهو مردد بين كونه كتاب لغة أو أدب ، أو
كونه باحثا عن الألفاظ التي يستخدمها الفقيه في
استنباط الأحكام لكون الأمر للوجوب والمرة والتكرار ،
أو الفورية والتأخير إلى غير ذلك .
( 2 ) الطوسي : الفهرست : 211 / 810 والنجاشي 2 : 420 .
( 3 ) النجاشي
، الرجال 1 : 121 برقم 67 . ( * ) |
|
|
نقض اجتهاد الرأي على ابن الراوندي ( 1 ) .
4 - أبو
محمد الحسن بن موسى النوبختي ، من علماء القرن الثالث
، له كتاب الخصوص والعموم والخبر الواحد والعمل به ( 2
) .
5 - أبو منصور صرام النيشابوري ، من علماء القرن
الثالث وأوائل القرن الرابع ، له إبطال القياس ( 3 ) .
6 - محمد بن أحمد بن داود بن علي ( ت 368 ه ) ، قال
النجاشي : شيخ هذه الطائفة وعالمها ، له كتاب الحديثين
المختلفين ( 4 ) .
7 - محمد بن أحمد بن الجنيد المتوفى
سنة ( 381 ه ) ، له كتاب كشف التمويه والالتباس في
إبطال القياس ( 5 ) .
والطابع السائد على هذه الكتب هو
دراسة بعض المسائل الأصولية ، كحجية خبر الواحد ، أو
حل مشكلة اختلاف الحديثين ، أو نقد بعض الأساليب
الرائجة في تلك الأجيال في استنباط الأحكام ، كالقياس
وغيره ، ولا يصح عدها كتبا أصولية بالمعنى المصطلح .
نعم ، يمكن عدها مرحلة أولى ونواة بالنسبة إلى المرحلة
الثانية .
وأما المرحلة الثانية فقد امتازت بالسعة
والشمول ، بإدخال كثير من المسائل الأدبية والكلامية
في علم أصول الفقه ، وأول من فتح هذا الباب للشيعة على
مصراعيه :
1 - معلم الأمة الشيخ المفيد ( 336 - 413 ه
) ألف رسالة في هذا المضمار
| |
( 1 )
ابن النديم ، الفهرست : 265 ط مطبعة الاستقامة القاهرة .
( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 180 - 181 / 146 .
( 3 )
الطوسي ، الفهرست ، قسم الكنى 381 / 588 . |
( 4 ) النجاشي ، الرجال 2 : 305 / 1046 .
( 5 ) المصدر نفسه
2 : 304 / 1048 . ( * )
|
|
|
وأدرجها تلميذه العلامة الكراجكي في كتابه كنز الفوائد
( 1 ) .
وألف بعده تلميذه الجليل علم الهدى المعروف
بالسيد المرتضى كتابه القيم " الذريعة إلى أصول
الشريعة " ، والذي طبع في جزأين ، وقد رأيت منه نسخة
مخطوطة في مدينة قزوين كتب فيها : إن تاريخ فراغ
المؤلف منه عام ( 400 ه ) .
2 - الشيخ الطوسي : ( 385
- 460 ه ) ألف كتاب عدة الأصول والذي يحتل مكانة
رفيعة في هذا الميدان ، حتى أنه أعيد طبعه لمرات
متكررة . وهكذا يمكن القول بأن هذه الكتب كونت اللبنة
الأساسية التي توسعت بواسطتها وانتشرت آراء الشيعة في
علم الأصول .
وأما في المرحلة الثالثة من مراحل تطور
علم الأصول لدى الشيعة فقد شهدت بزوغ جملة واسعة من
كبار العلماء توسعوا بشكل كبير في تثبيت وشرح الأبعاد
الأساسية لعلم الأصول ، فكان من نتاج تلك المرحلة :
1
- التقريب في أصول الفقه للشيخ أبي ليلى المعروف بسلار
بن عبد العزيز الديلمي صاحب المراسم ، توفي عام ( 463
ه ) ( 2 )
- غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع ، تأليف أبي
المكارم حمزة بن علي المعروف بابن زهرة ، المتوفى عام
( 585 ه ) ( 3 )
- المصادر ، تأليف الشيخ
سديد الدين الحمصي ، المتوفى حدود سنة ( 600 ه ) .
هذه هي المراحل الثلاث التي مر بها علم الأصول ، وقد
تلتها مراحل أخرى إلى أن بلغت في القرن الرابع عشر
ذروتها وقمتها ، وأعلى مراحل كمالها ، ويتضح ذلك من
ملاحظة ما ألف من عصر الأستاذ الأكبر المحقق البهبهاني
( 1118 - 1206 ه ) إلى يومنا ، فقد راج التحقيق في
المسائل الأصولية من عصره إلى عصر الشيخ
| |
( 1 )
كنز الفوائد 2 : 15 - 30 ، ط بيروت . ( * )
|
|
|
مرتضى الأنصاري ( 1212 - 1281 ه ) وعصر تلميذه الشيخ
محمد كاظم الخراساني ( 1255 - 1329 ه ) ففي هذه
الفترة ، أي القرون الثلاثة ، ألفت مئات الكتب
والرسائل في ذلك المجال ، ولا أغالي إذا قلت : إنه لم
تبلغ طائفة من الطوائف الإسلامية تلك الدرجة التي وصلت
إليها الشيعة في علمي الفقه والأصول من جانب كثرة
الإنتاج والاستيعاب ودقة النظر ، شكر الله مساعيهم .
|