- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 306 :

 14 - قدماء الشيعة والعلوم الكونية

لم يكن اتجاه الشيعة مختصا بالعلوم العقلية كالكلام والفلسفة والمنطق فحسب ، بل امتد نشاطهم وحركتهم الفكرية إلى العلوم الرياضية ، والكونية ، فتجد هذا النشاط بارزا في مؤلفاتهم طيلة القرون الماضية ، ونحن نأتي هنا بذكر موجز عن مشاهير علمائهم ومؤلفاتهم في القرون الأولى تاركين غيرهم للمعاجم :

 1 - هشام بن الحكم ( ت 199 ه‍ ) ، له آراء في الأعراض كاللون والطعم

- ص 307 -

والرائحة ، وقد أخذ منه إبراهيم بن سيار النظام ، وحاصل هذا الرأي أن الرائحة جزئيات متبخرة من الأجسام تتأثر بها الغدد الأنفية ، وأن الأطعمة جزئيات صغيرة تتأثر بها الحليمات اللسانية ( 1 ) .

 2 - إن بيت آل نوبخت بيت شيعي عريق ، فقد قاموا بترجمة الكثير من كتب العلوم والمعرفة من اللغة الفارسية إلى العربية ، كما برع منهم من له باع طويل في كثير من العلوم ، ومنها العلوم الكونية .
قال ابن النديم : آل نوبخت معروفون بولاية علي وولده . وقال الأفندي في رياض العلماء : بنو نوبخت طائفة معروفة من متكلمي الإمامية منهم :
 أ - أبو الفضل بن نوبخت ، قال ابن النديم : كان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد ، وقال ابن القفطي في تاريخ الحكماء : إنه مذكور مشهور من أئمة المتكلمين وذكر في كتب المتكلمين . وكان في زمن هارون الرشيد وولاه القيام بخزانة كتب الحكمة ، وهو من متكلمي أواخر القرن الثاني .
 ب - ولده إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت ، من متكلمي القرن الثالث .
 ج - يعقوب بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت ، متقدم في الحكمة والكلام والنجوم ( 2 ) .

 3 - أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه ، من أعيان الشيعة وأعلام فلاسفتهم ، صنف في علوم الأوائل ، وله تعليقات في المنطق ، ومقالات جليلة في أقسام الحكمة والرياضة ( 3 ) .

 

( 1 ) عبد الله نعمة ، فلاسفة الشيعة : 56 .
( 2 ) العاملي ، أعيان الشيعة 1 : 135 .

( 3 ) محمد باقر الخوانساري ، روضات الجنات 1 : 254 . ( * )  
 

- ص 308 -

 4 - جابر بن حيان ، ويعد من أشهر علماء الشيعة وأقدمهم الذين برزوا في علم الكيمياء ، وهو أول من أشار إلى طبقات العين قبل " يوحنا بن ما سويه " ( ت 243 ه‍ ) وقبل حنين بن إسحاق ( ت 264 ه‍ ) وأول من أثبت إمكان تحويل المعدن الخسيس إلى الذهب والفضة ، فلم تقف عبقريته في الكيمياء عند هذا الحد ، بل دفعته إلى ابتكار شئ جديد في الكيمياء فأدخل فيها ما سماه بعلم الميزان ، والمقصود منه معادلة ما في الأجسام والطبائع ، وجعل لكل جسم من الأجسام ، موازين خاصة ( 1 ) وقد ألفت حول جابر وعبقريته كتب كثيرة ، فمن أراد فليرجع إليها ، وقد اتفق الكل على أنه تلميذ الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

 5 - الشريف أبو القاسم علي بن القاسم القصري ، وهو من علماء القرن الرابع ، ذكره ابن طاووس في فرج المهموم في عداد منجمي الشيعة ( 2 ) .

وهذه نماذج من علماء الشيعة في الطبيعيات والفلكيات ، وأما المتأخرون ، فحدث عنهم ولا حرج ، وقد أتى بقسم كبير منهم الشيخ عبد الله نعمة في كتابه " فلاسفة الشيعة " فمن أراد فليرجع إليه ، غير أنا نذكر هنا المحقق الطوسي الذي له حق على الأمة جمعاء ، والذي تقول في حقه المستشرقة الألمانية : " وحصل نصير الدين الطوسي على مرصده ، فكان معهدا للأبحاث لا مثيل له ، وزوده بالآلات الفلكية التي زادت في شهرة المعهد ، ورفعت مكانته . . . ويحكى أن زائرا قصد ابن الفلكي نصير الدين في مرصده في مراغة ، فلما رأى الآلات الفلكية المتنوعة ذهل ، وقد ازداد دهشة حين رأى " المحلقة " ذات الخمس حلقات والدوائر من النحاس : أولاها : تمثل خط الطول الذي كان مركزا في الأسفل ، وثانيتها : خط الاستواء ، وثالثتها : الخط الإهليلجي ، ورابعتها : دائرة خط الأرض ،

 

( 1 ) فلاسفة الشيعة 1 : 57 .

( 2 ) فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم : 128 ، ط النجف 1368 ه‍ . ( * )  
 

- ص 309 -

وخامستها : دائرة الانقلاب الصيفي والشتوي ، وشاهد أيضا دائرة السمت التي يمكن للمرء بواسطتها أن يحدد سمت النجوم ، أي الزاوية الناتجة على خط أفقي ثابت وخط أفقي آخر صادر عن كوكب في السماء .
وتقول أيضا : إن نصير الدين أحضر إلى مكتبة المعهد أربعمائة ألف مجلد كانت قد سرقت من مكتبات بغداد وسورية وبلاد بابل ، وقد استدعى علماء ذوي شهرة طائرة من إسبانيا ودمشق وتفليس والموصل إلى مدينة مراغة لكي يعملوا على وضع الازياج بأسرع وقت ممكن " ( 1 ) .

ويناسب في المقام ذكر إجمالي عما قدموا من الخدمة في مجال الجغرافية وعلم البلدان فنقول : الجغرافية وتقويم البلدان نذكر في المقام رحالتين طافا البلاد الإسلامية وكتبا ما يرجع إلى جغرافية البلدان ، وقد صار كتاباهما أساسا للآخرين :
 1 - أحمد بن أبي يعقوب بن واضح ، المعروف باليعقوبي ، المتوفى في أواخر القرن الثالث ، فهو أول جغرافي بين العرب ، وصف الممالك معتمدا على ملاحظاته الخاصة ، ومتوخيا قصد ما أراد من وصف البلد وخصائصها ، وهو يقول عن نفسه : إنه عنى في عنفوان شبابه وحدة ذهنه بعلم أخبار البلدان ومسافة ما بين كل بلد وبلد ، لأنه سافر حديث السن ، واتصلت أسفاره ، ودام تغربه ، وقد طاف في بلاد المملكة الإسلامية كلها ، فنزل أرمينية ، وورد خراسان ، وأقام بمصر والمغرب ، بل سافر إلى الهند وكان متى لقي رجلا سأله عن وطنه ومصره ، وعن

 

( 1 ) السيدة زيغريد هونكه ، شمس العرب تسطع على الغرب : 133 والصحيح أن يسمى : شمس الإسلام . ( * )

 
 

- ص 310 -

زرعه ما هو ؟ وساكنيه من هم ؟ عرب أو عجم ؟ وعن شرب أهله ولباسهم ودياناتهم ومقالاتهم ، من غير أن يلحقه من ذلك ملال ولا فتور ، وقد وصف المملكة الإسلامية مبتدئا ببغداد وصفا منظما مع إصابة جديرة بالثقة والإعجاب ( 1 ) .

 2 - أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي ( ت 346 ه‍ ) فقد ألف في ذلك المضمار كتابه " مروج الذهب ومعادن الجوهر " وكتابه الآخر " التاريخ في أخبار الأمم من العرب والعجم " وكتابه الثالث " التنبيه والأشراف " فقد اشتمل وراء التاريخ على الجغرافية وتقويم البلدان ، وقد جره حبه للاستطلاع إلى السفر إلى بلاد بعيدة ، فكتب ما رآه وشاهده .

 

( 1 ) آدم متز ، الحضارة الإسلامية 2 : 34 وكتاب اليعقوبي في الجغرافية هو كتاب " البلدان " المنتشر . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب