- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 33 :

الشيعة في العصرين : الأموي والعباسي

الشيعة في العصرين : الأموي والعباسي
لا نأتي بجديد إذا ذهبنا إلى القول بأن الهجمة الشرسة التي كانت تستهدف استئصال الشيعة والقضاء عليهم قد أخذت أبعادا خطيرة ودامية أبان الحكمين الأموي والعباسي ، فما أن لبى الإمام دعوة ربه في ليلة الحادي والعشرين من رمضان على يد أشقى الأولين والآخرين ، شقيق عاقر ناقة ثمود ، وهو يصلي في محراب عبادته ، حتى شرع أعداء الإمام وخصوم التشيع إلى التعرض الصريح بالقتل والتشريد لأنصار هذا المذهب والمنتسبين إليه ، وإذا كان استشهاد الإمام علي يؤلف في حد ذاته ضربة قاصمة في هيكلية البناء الإسلامي ، إلا أن هذا لم يمنع البعض ممن وقفوا موقفا باطلا ومنحرفا من الإمام علي في حياته من التعبير عن سرورهم من هذا الأمر الجلل ، كما نقل ذلك ابن الأثير عن عائشة زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حيث قالت عندما وصلها النبأ :

فألقت عصاها واستقر بها النوى * كما قر عينا بالإياب المسافر
ثم قالت : من قتله ، فقيل : رجل من مراد ، فقالت :
فإن يك نائيا فلقد نعاه * نعي ليس في فيه التراب

- ص 34 -

فقالت زينب بنت أبي سلمة : أتقولين هذا لعلي ؟ فقالت : إني أنسى ، فإذا نسيت فذكروني . . . ! ! ( 1 ) .

الشيعة في العصر الأموي

أما معاوية فلا مناص من القول بأنه أكثر المستبشرين بهذا الأمر ، حيث إنه قال لما بلغه : إن الأسد الذي كان يفترش ذراعيه في الحرب قد قضى نحبه . ثم أنشد :

قل للأرانب ترعى أينما سرحت * وللظباء بلا خوف ولا وجل ( 2 )

في الجانب الآخر نرى أن الإمام الحسن الابن الأكبر للإمام علي ووارثه ينعى أباه بقوله في مسجد الكوفة : " ألا إنه قد مضى في هذه الليلة ، رجل لم يدركه الأولون ، ولن يري مثله الآخرون . من كان يقاتل وجبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله . والله لقد توفي في هذه الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران ، ورفع فيها عيسى بن مريم ، وأنزل القرآن . ألا وإنه ما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادما لأهله " ( 3 ) .

ثم بويع الحسن في نهاية خطبته ، وكان أول من بايعه قيس بن سعد الأنصاري ، ثم تتابع الناس على بيعته ، وكان أمير المؤمنين قد بايعه أربعون ألفا من عسكره على الموت . فبينما هو يتجهز للمسير قتل ( عليه السلام ) . فبايع هؤلاء ولده الحسن ، فلما بلغهم مسير معاوية في أهل الشام إليه ، تجهز هو والجيش الذين كانوا قد بايعوا

 

( 1 ) الكامل لابن الأثير 3 : 394 ط دار صادر .
( 2 ) ناسخ التواريخ ، القسم المختص بحياة الإمام : 692 .

( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 213 . ( * )  
 

- ص 35 -

عليا . وسار عن الكوفة إلى لقاء معاوية ( 1 ) .

بيد إن الأمور لم تستقم للإمام الحسن لجملة من الأسباب المعروفة ، أهمها تخاذل أهل العراق أولا ، وكون الشيوخ الذين بايعوا عليا والتفوا حوله كانوا من عبدة الغنائم والمناصب ، ولم يكن لهؤلاء نصيب في خلافة الحسن إلا ما كان لهم عند أبيه من قبل ثانيا .

وإن عددا غير قليل ممن بايع الحسن كانوا من المنافقين ، يراسلون معاوية بالسمع والطاعة ثالثا . كما أن قسما من جيشه كانوا من الخوارج أو أبنائهم رابعا .

إلى غير ذلك من الأسباب التي دفعت الإمام إلى قبول الصلح مع معاوية تحت شروط خاصة تضمن لشيعة علي الأمن والأمان ، إلا أن معاوية وبعد أن وقع على صلحه مع الإمام الحسن لم يتردد من الإعلان عن سريرته بكل صراحة ووضوح على منبر الكوفة : إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجوا ولا لتزكوا - وإنكم لتفعلون ذلك - ولكن قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون ، ألا وإني قد كنت منيت الحسن أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له ( 2 ) .

وكان ذلك التصريح الخطير ، والمنافي لأبسط مبادئ الشريعة الإسلامية ، يمثل الإعلان الرسمي لبدء الحملة الشرسة والمعلنة لاستئصال شيعة علي وأنصاره تحت كل حجر ومدر . وتوالت المجازر تترى بعد معاوية إلى آخر عهد الدولة الأموية ، فلم يكن للشيعة في تلك الأيام نصيب سوى القتل والنفي والحرمان .

وهذا هو الذي نستعرضه في هذا الفصل على وجه الإجمال ، حتى يقف القارئ على أن بقاء التشيع في هذه العصور المظلمة كان معجزة من معاجز الله سبحانه ، كما يتوضح له مدى الدور الخطير الذي لعبه الشيعة في الصمود والكفاح والرد على الظلمة

 

( 1 ) الكامل 3 : 404

( 2 ) الإرشاد للشيخ المفيد : 191 . ( * )  
 

- ص 36 -

وأعوانهم منذ عصر الإمام إلى يومنا هذا .

وإليك بعض الوثائق من جرائم معاوية .
 1 - رسالة الإمام الحسين إلى معاوية : " أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت إليك عني أمور لم تكن تظنني بها رغبة بي عنها ، وأن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلا الله تعالى ، وأما ما ذكرت أنه رمي إليك عني ، فإنما رقاه الملاقون المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الجمع ، وكذب الغاوون المارقون ، ما أريد لك حربا ولا خلافا ، وإني لأخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين حزب الظلمة وأعوان الشيطان الرجيم .

ألست قاتل حجر وأصحابه العابدين - إلى أن قال - أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك في زياد أنه على دين علي كرم الله وجهه ، ودين علي هو دين ابن عمه ( صلى الله عليه وآله ) الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا منة عليكم ، وقلت فيما قلت : لا تردن هذه الأمة في فتنة وإني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها ، وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد .

وإني والله ما أعرف فضلا من جهادك ، فإن أفعل فإنه قربة إلى ربي ، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني . وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى ، وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية ما بدا لك ، فلعمري لقديما يكاد الصالحون وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك ولا تمحق إلا عملك فكدني ما بدا لك ، واتق الله يا معاوية ، واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، واعلم أن الله ليس بناس لك قتلك

- ص 37 -

بالظنة ، وأخذك بالتهمة ، وإمارتك صبيا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلا قد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرعية والسلام " ( 1 ) .

ولعل المتأمل في جوانب هذه الرسالة والمتدبر لمفرداتها يدرك وبوضوح مدى الدور المنحرف الذي وقفه الأمويون وعلى رأسهم معاوية في محاربة أنصار مذهب التشيع ورواده ، كما تتوضح له الصورة عن حجم المحنة التي مر بها الشيعة إبان تلك الحقبة الزمنية .

ولكي تتوضح الصورة في ذهن القارئ الكريم ندعوه إلى قراءة رسالة الإمام محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) لأحد أصحابه ، حيث قال : " إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا .

ثم تداولتها قريش ، واحد بعد واحد ، حتى رجعت إلينا ، فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل ، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ، ونهبت عسكره ، وعولجت خلاخيل أمهات أولاده ، فوادع معاوية وحقن دمه ودماء أهل بيته ، وهم قليل حق قليل . ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفا ، ثم غدروا به ، وخرجوا عليه ، وبيعته في أعناقهم وقتلوه . ثم لم نزل - أهل البيت - نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم

 

( 1 ) الإمامة والسياسة 1 : 164 ، جمهرة الرسائل 2 : 67 ، ورواه الكشي في رجاله 48 - 51 والمجلسي في البحار 44 : 212 - 214 . ( * )

 
 

- ص 38 -

ونقتل ، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ، ورووا عنا ما لم نقله ولم نفعله ، ليبغضونا إلى الناس ، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن ( عليه السلام ) ، فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين ( عليه السلام ) ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة ، وأخذهم بكل ظنة وتهمة ، حتى أن الرجل ليقال له : زنديق أو كافر ، أحب إليه من أن يقال : شيعة علي ، وحتى صار الرجل الذي يذكر بالخير - ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة ، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ، ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع " ( 1 ) .

بل وإليك ما أورده ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة : كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب ، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها أخافه فطلبه زياد ، فأتى الحسن بن علي ، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته ، فحبسهم وأخذ ماله وهدم داره ، فكتب الحسن إلى زياد : " من الحسن بن علي إلى زياد ، أما بعد : فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، فهدمت داره وأخذت ماله وعياله

 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 11 : 43 - 44 . ( * )

 
 

- ص 39 -

فحبستهم ، فإذا أتاك كتابي هذا ، فابن له داره ، واردد عليه عياله وماله ، فإني قد أجرته فشفعني فيه " .

فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة ، أما بعد : فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة ، وأنا سلطان وأنت سوقة ، وتأمرني فيه بأمر المطاع المسلط على رعيته كتبت إلي في فاسق آويته إقامة منك على سوء الرأي ورضا منك بذلك ، وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك ، فإن أحب لحم علي أن آكله اللحم الذي أنت منه ، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك ، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق ، والسلام " ( 1 ) .

" كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي أو البراءة منه ، فملأ منهم المسجد والرحبة ، فمن أبى ذلك عرضه على السيف " ( 2 ) .

وعن المنتظم لابن الجوزي : أن زيادا لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم ، وهم أن يخرب دورهم ويحرق نخلهم ، فجمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البراءة من علي ، وعلم أنهم سيمتنعون ، فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم ( 3 ) .

بيان معاوية إلى عماله : روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في كتاب " الأحداث " قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة ! ! : " أن برأت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته " فقامت الخطباء في كل كورة ، وعلى كل

 

( 1 ) شرح بن أبي الحديد 16 : 194 .

( 2 ) مروج الذهب 3 : 26 .  ( 3 ) المنتظم 5 : 263 ط بيروت . ( * )  
 

- ص 40 -

منبر ، يلعنون عليا ويبرأون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة ، لكثرة من بها من شيعة علي ( عليه السلام ) فاستعمل عليها زياد بن سمية ، وضم إليه البصرة ، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنه كان منهم أيام علي ( عليه السلام ) ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم وشردهم عن العراق ، فلم يبق بها معروف منهم . وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة .

وكتب إليهم : أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته ، والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم ، واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم ، واسمه واسم أبيه وعشيرته .

ففعلوا ذلك ، حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية ، فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه . فلبثوا بذلك حينا .

ثم كتب إلى عماله : إن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلى وأقر لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته ، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله ! ! فقرأت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على

- ص 41 -

المنابر ، وألقي إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه .

وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكلوا به ، واهدموا داره . فلم يكن بلد أشد بلاء من العراق ، ولا سيما الكوفة ، حتى أن الرجل من شيعة علي ( عليه السلام ) ليأتيه من يثق به ، فيدخل بيته فيلقي إليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه .

فظهر حديث كثير موضوع ، وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء والمراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويتقربوا من مجالسهم ، ويصيبوا الأموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان ، فقبلوها ورووها ، وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ، ولا تدينوا بها .

وقال ابن أبي الحديد : فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي ( عليه السلام ) فازداد البلاء والفتنة ، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه ، أو طريد في الأرض . ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ( عليه السلام ) وولي عبد الملك بن مروان ، فاشتد على الشيعة ، وولي عليهم الحجاج بن يوسف ، فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه ، وموالاة من يدعي من الناس أنهم أيضا أعداؤه ، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم ، وأكثروا من الغض من

- ص 42 -

علي ( عليه السلام ) وعيبه ، والطعن فيه ، والشنآن له ، حتى أن إنسانا وقف للحجاج - ويقال إنه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به : أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا ، وإني فقير بائس ، وأنا إلى صلة الأمير محتاج . فتضاحك له الحجاج ، وقال : للطف ما توسلت به ، قد وليتك موضع كذا .

وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه - وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم - في تأريخه ما يناسب هذا الخبر ، قال : إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم ( 1 ) .

ضحايا الغدر الأموي

لعل المرء يصاب بالذهول وهو يتأمل أسماء الصحابة والتابعين ذوي المنازل الرفيعة والمكانة السامية والدور الجليل في خدمة الإسلام وأهله ، كيف سقطوا صرعى بسيف الأمويين لا لشئ إلا لأنهم شيعة علي ( عليه السلام ) ، ومن هؤلاء :
 1 - حجر بن عدي :
الذي قبض عليه زياد بعد هلاك المغيرة سنة ( 51 ه‍ ) وبعثه مع أصحابه إلى الشام بشهادة مزورة ، وفرية ظالمة ، كان يراد منها قتله وتوجيه ضربة قوية لشيعة علي وتصفيتهم .

يقول المسعودي : " في سنة ثلاث وخمسين قتل معاوية حجر بن عدي الكندي - وهو أول من قتل صبرا في الإسلام - وحمله زياد من الكوفة ومعه تسعة نفر من أصحابه من أهل الكوفة وأربعة من غيرها ، فلما صار على أميال من الكوفة يراد به دمشق

 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 11 : 46 . ( * )

 
 

- ص 43 -

أنشأت ابنته تقول - ولا عقب له من غيرها - :

ترفع أيها القمر المنير * لعلك أن ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب * ليقتله ، كذا زعم الأمير
ويصلبه على بابي دمشق * وتأكل من محاسنه النسور

ثم قتله مع أصحابه في مرج عذراء ( 1 ) بصورة بشعة يندى لها الجبين ، وهي مذكورة في جميع كتب التأريخ ، فراجع .

 2 - عمرو بن الحمق : ذلك الصحابي العظيم الذي وصفه الإمام الحسين سيد الشهداء بأنه : " أبلت وجهه العبادة " . قتله معاوية بعدما أعطاه الأمان ( 2 ) .

 3 - مالك الأشتر : ملك العرب ، وأحد أشرف رجالاتها وأبطالها ، كان شهما مطاعا وكان قائد القوات العلوية . قتله معاوية بالسم في مسيره إلى مصر بيد أحد عماله ( 3 ) .

 4 - رشيد الهجري : كان من تلاميذ الإمام وخواصه ، عرض عليه زياد البراءة واللعن فأبى ، فقطع يديه ورجليه ولسانه ، وصلبه خنقا في عنقه ( 4 ) .

 5 - جويرية بن مسهر العبدي : أخذه زياد وقطع يديه ورجليه وصلبه على جذع نخلة ( 5 ) .

 6 - قنبر مولى أمير المؤمنين : روي أن الحجاج قال لبعض جلاوزته : أحب أن أصيب رجلا من أصحاب أبي تراب فقالوا : ما نعلم أحدا كان أطول صحبة له من

 

( 1 ) مروج الذهب 3 : 3 - 4 ، سير أعلام النبلاء 3 : 462 - 466 / 95 .
( 2 ) سير أعلام النبلاء 4 : 34 - 35 / 6 .
( 3 ) شذرات الذهب 1 : 91 .

( 4 ) شرح نهج البلاغة 2 : 294 - 295 .
( 5 ) شرح نهج البلاغة 2 : 290 - 291 . ( * )
 
 

- ص 44 -

مولاه قنبر . فبعث في طلبه ، فقال له : أنت قنبر ؟ قال : نعم ، قال له : ابرأ من دين علي ، فقال له : هل تدلني على دين أفضل من دينه ؟ قال : إني قاتلك فاختر أي قتلة أحب إليك ، قال : أخبرني أمير المؤمنين : أن ميتتي تكون ذبحا بغير حق . فأمر به فذبح كما تذبح الشاة ( 1 ) .

 7 - كميل بن زياد : وهو من خيار الشيعة وخاصة أمير المؤمنين ، طلبه الحجاج فهرب منه ، فحرم قومه عطاءهم ، فلما رأى كميل ذلك قال : أنا شيخ كبير وقد نفد عمري ولا ينبغي أن أكون سببا في حرمان قومي . فاستسلم للحجاج ، فلما رآه قال له : كنت أحب أن أجد عليك سبيلا ، فقال له كميل : لا تبرق ولا ترعد ، فوالله ما بقي من عمري إلا مثل الغبار ، فاقض فإن الموعد الله عز وجل ، وبعد القتل الحساب . وقد أخبرني أمير المؤمنين أنك قاتلي ، فقال الحجاج : الحجة عليك إذن ، فقال : ذلك إن كان القضاء لك ، قال : بلى ، اضربوا عنقه ( 2 ) .

 8 - سعيد بن جبير : التابعي المعروف بالعفة والزهد والعبادة ، وكان يصلي خلف الإمام زين العابدين ، فلما رآه الحجاج قال له : أنت شقي ابن كسير ، فقال : أمي أعرف باسمي منك . ثم بعد أخذ ورد أمر الحجاج بقتله ، فقال سعيد : { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا  - مسلما - وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 3 ) . فقال الحجاج : شدوه إلى غير القبلة ، فقال : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } ( 4 ) ، فقال : كبوه على وجهه ، قال : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً

 

( 1 ) رجال الكشي : 68 - 69 / 21 ، الشيعة والحاكمون : 95 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 : 149 ، الشيعة والحاكمون : 96 .

( 3 ) الأنعام : 79 .
( 4 ) البقرة : 115 ( * )
 
 

- ص 45 -

أُخْرَى } ( 1 ) . ثم ضربت عنقه ( 2 ) .

وسيوافيك ما جرى على زيد بن علي من الصلب أيام خلافة هشام بن عبد الملك عام ( 122 ه‍ ) عند الكلام عن فرقة الزيدية إن شاء الله تعالى .

هذا غيض من فيض وقليل من كثير مما جناه الأمويون في حق الشيعة طوال فترة حكمهم وتوليهم لدفة الأمور وزمام الحكم ، وتالله إن المرء ليصاب بالغثيان وهو يتأمل هذه الصفحات السوداء التي لا تمحى من ذاكرة التاريخ وكيف لطخت بالدماء الطاهرة المقدسة والتي أريقت ظلما وعدوانا وتجنيا على الحق وأهله .

 

( 1 ) طه : 55 

( 2 ) سير أعلام النبلاء 4 : 321 - 328 ، الجرح والتعديل 4 : 9 / 29 .  
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب