- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 331 :

دول الشيعة

رغم أن الأمويين حاولوا جاهدين القضاء على التشيع ، وأراد العباسيون الوقوف في وجه انتشاره بعد اليأس عن استئصاله ، إلا أنه بلطف الله تعالى نما وازدهر عبر القرون بالرغم من تلك العوائق ، بل قامت لهم هنا وهناك دول

- ص 332 -

ودويلات نظير :
 1 - دولة الأدارسة في المغرب ( 194 - 305 ه‍ ) .
 2 - دولة العلويين في الديلم ( 205 - 304 ه‍ ) .
 3 - دولة البويهيين في العراق وما يتصل به من بلاد فارس ( 321 - 447 ه‍ ) .
 4 - دولة الحمدانيين في سورية والموصل وكركوك ( 293 - 392 ه‍ ) .
 5 - دولة الفاطميين في مصر ( 296 - 567 ه‍ ) .
 6 - دولة الصفويين في إيران ( 905 - 1133 ه‍ ) .
 7 - دولة الزنديين ( 1148 - 1193 ه‍ ) .
 8 - دولة القاجاريين ( 1200 - 1344 ه‍ ) .
أضف إلى ذلك وجود إمارات للشيعة في نقاط مختلفة من العالم . أقول : إن إفاضة القول في مؤسسي هذه الدول وترجمة أحوالهم وما آل إليه مصيرهم يحوجنا إلى تأليف كتاب مستقل في ذلك ، فمن أراد الاطلاع على ذلك فليراجع الكتب المؤلفة في هذه المواضيع ( 1 ) .

الجامعات العلمية للشيعة

الإسلام دين العلم والمعرفة ، دفع الإنسان من حضيض الجهل والأمية إلى أعلى مستويات العلم والكمال من خلال تشجيعه على القراءة والكتابة ( 2 ) ، والتدبر في آثار الكون ومظاهر الطبيعة ، ونبذ التقليد في تبني العقيدة ، فأراد للإنسان حياة نابضة بالفكر والثقافة .

 

( 1 ) راجع كتاب " الشيعة والتشيع " للكاتب القدير محمد جواد مغنية - رضوان الله عليه - .
( 2 ) قال سبحانه : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } وهي أول سورة نزلت على النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) . وأقسم الله عز وجل بالقلم فقال سبحانه : { ن وَالْقَلَمِ } وبذلك أوقف المجتمع الإنساني على العلم وعلو شأنه . ( * )

 
 

- ص 333 -

وقد كانت للشيعة خلال القرون الماضية جامعات وحوزات علمية نشير إلى بعضها إجمالا :
 1 - المدينة المنورة : إن المدينة المنورة هي المنطلق العلمي الأول لنشر العلم والثقافة فهي المدرسة الأولى للمسلمين ، نشأ فيها عدة من الأعلام من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وعلى رأسهم : ابن عباس حبر الأمة ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو رافع الذي هو من خيار شيعة الإمام علي مؤلف كتاب السنن والأحكام والقضاء ( 1 ) ، وغيرهم .
ثم جاءت بعدهم طبقة من التابعين تخرجوا من تلك المدرسة على يد الإمام علي بن الحسين زين العابدين ( عليهما السلام ) ولقد روى الكليني عن الإمام الصادق أنه قال : " كان سعيد بن المسيب ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، وأبو خالد الكابلي من ثقات علي بن الحسين ( عليهما السلام ) " ( 2 ) .

وازدهرت تلك المدرسة في عصر الإمامين الباقر والصادق ( عليهما السلام ) وزخرت بطلاب العلوم ووفود الأقطار الإسلامية ، فكان بيتهما جامعة إسلامية يزدحم فيها رجال العلم وحملة الحديث ، يأتون إليها من كل فج عميق .

 2 - الكوفة وجامعها الكبير : قد سبق أن الإمام أمير المؤمنين هاجر من المدينة إلى الكوفة واستوطن معه خيار شيعته ومن تربى على يديه من الصحابة والتابعين .
ولقد أتى ابن سعد في طبقاته الكبرى على ذكر جماعة من التابعين الذين سكنوا

 

( 1 ) النجاشي ، الرجال : 64 / 1 .

( 2 ) الكليني ، الكافي كما في تأسيس الشيعة : 299 . ( * )  
 

- ص 334 -

الكوفة ( 1 ) وكان قد أعان على ازدهار مدرسة الكوفة مغادرة الإمام الصادق ( عليه السلام ) المدينة المنورة إلى الكوفة أيام أبي العباس السفاح حيث بقي فيها مدة سنتين .
وقد اغتنم الإمام فرصة ذهبية أوجدتها الظروف السياسية آنذاك ، وهي أن الحكومة العباسية كانت جديدة العهد بعد سقوط الدولة الأموية ولم يكن للعباسيين يومذاك قدرة على الوقوف في وجه الإمام لانشغالهم بأمور الدولة ، بالإضافة إلى أنهم كانوا قد رفعوا شعار العلويين للوصول إلى السلطة ، فلم يكن من مصلحتهم في تلك الفترة الوقوف في وجه الإمام ( عليه السلام ) ، فعمد في زمن وجوده ( عليه السلام ) إلى نشر علوم جمة ، وتخرج على يديه الكثير من الطلبة النابغين . هذا الحسن بن علي بن زياد الوشاء يحكي لنا ازدهار مدرسة الكوفة في تلك الظروف كما ينقله عنه النجاشي : أدركت في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كل يقول : حدثني جعفر بن محمد .
ويضيف النجاشي : كان هذا الشيخ عينا من عيون هذه الطائفة وله كتب ، ثم ذكر أسماءها ( 2 ) .

وكان من خريجي هذه المدرسة لفيف من الفقهاء الكوفيين ، نظير أبان بن تغلب بن رباح الكوفي ، ومحمد بن مسلم الطائفي ، وزرارة بن أعين ، إلى غير ذلك ممن تكفلت كتب الرجال بذكرهم والتعريف بهم .
ولقد ألف فقهاء الشيعة ومحدثوهم في هذه الظروف في الكوفة ( 6600 ) كتاب ، ولقد امتاز من بينها ( 400 ) كتاب اشتهرت بالأصول الأربعمائة ( 3 ) فهذه

 

( 1 ) الطبقات الكبرى : 6 وقسمهم إلى تسع طبقات .
( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 137 / 79 .
( 3 ) وسائل الشيعة ج 20 الفائدة الرابعة . وقد بينا الفرق بين الكتاب والأصل في كتابنا " كليات في علم الرجال " . ( * )

 
 

- ص 335 -

الكتب هي التي أدرجها أصحاب الجوامع الحديثية في كتبهم المختلفة . ولم تقتصر الدراسة آنذاك على الحديث والتفسير والفقه ، بل شملت علوما أخرى ساعدت على تخريج جملة واسعة من المؤلفين الكبار الذين صنفوا كتبا كثيرة في علوم مختلفة ومتنوعة كهشام بن محمد بن السائب الكلبي الذي ألف أكثر من مائتي كتاب ( 1 ) ، وابن شاذان ألف 280 كتابا ( 2 ) ، وابن عمير صنف 194 كتابا ، وابن دول الذي صنف 100 كتاب ( 3 ) ، وجابر بن حيان أستاذ الكيمياء والعلوم الطبيعية ، إلى غير ذلك من المؤلفين العظام في كافة العلوم الإسلامية .

 3 - مدرسة قم والري : دخل الفرس الإسلام وكان أكثرهم على غير مذهب الشيعة ، نعم كانت قم والري وكاشان وقسم من خراسان مركزا للشيعة ، وقد عرفت أن الأشعريين هاجروا - خوفا من الحجاج - إلى قم وجعلوها موطنهم ومهجرهم ، وكانت تلك الهجرة نواة للشيعة في إيران . كانت مدرسة الكوفة مزدهرة بالعلم والثقافة ، رغم ما كانت تتعرض له من مضايقات من قبل العباسيين ، إلا أنها لم تقف عائقا أمام تطور العلوم المختلفة وازدياد طلب العلم فيها ، ولما هاجر إبراهيم بن هاشم الكوفي تلميذ يونس بن عبد الرحمن وهو من أصحاب الإمام الرضا ( عليه السلام ) إلى قم ، نشر فيها حديث الكوفيين فصارت مدرسة قم والري مزدهرة بعد ذاك بالمحدثين والرواة الكبار .
وساعد على ذلك بسط الدولة البويهية نفوذها على تلك البلدان ، ولقد تخرج من تلك المدرسة علماء ومحدثون منهم :

 

( 1 ) الطهراني ، الذريعة 1 : 17 .

( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) المصدر نفسه . ( * )  
 

- ص 336 -

 1 - علي بن إبراهيم شيخ الكليني . الذي كان حيا سنة ( 307 ه ) ( 1 ) .
 2 - محمد بن يعقوب الكليني ، ( ت 329 ه‍ ) ، مؤلف الكافي في الفروع والأصول .
 3 - علي بن الحسين بن بابويه ، والد الشيخ الصدوق صاحب الشرائع ، ( ت 329 ه‍ ) .
 4 - ابن قولويه أبو القاسم جعفر بن محمد ( 285 - 368 ه‍ ) من تلامذة الكليني وأستاذ الشيخ المفيد .

والذي يدل على وجود النشاط الفكري في أوائل القرن الثالث ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة : أنه أنفذ الشيخ حسين بن روح - رضي الله تعالى عنه - النائب الخاص للإمام المنتظر - عجل الله تعالى فرجه الشريف - كتاب التأديب إلى قم وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم : انظروا ما في هذا الكتاب ، وانظروا فيه شئ يخالفكم . فكتبوا إليه : إنه كله صحيح . . . ( 2 ) .

فهذه الرواية وغيرها تعرب عن وجود نشاط فكري وفقهي في ذينك البلدين في القرن الثالث والرابع ، وكفى في فضلها أن كتاب " الكافي " وكتاب " من لا يحضره الفقيه " وكتب محمد بن أحمد بن خالد البرقي ( ت 274 ه‍ ) من ثمار هذه المدرسة العظيمة .

 4 - مدرسة بغداد : كانت مدرسة الكوفة تزدهر بمختلف النشاطات العلمية عندما كانت بغداد عاصمة الخلافة ، ولما دب الضعف في السلطة العباسية وصارت السلطة بيد

 

( 1 ) الطهراني : الذريعة 4 : 302 / 1316 .

( 2 ) الطهراني ، الذريعة 3 : 210 / 775 . ( * )  
 

- ص 337 -

البويهيين تنفس علماء الشيعة في أكثر مناطق العراق ، فأسست مدرسة رابعة للشيعة في العاصمة أنجبت شخصيات مرموقة تفتخر بها الإنسانية نظير :
 1 - الشيخ المفيد ( 336 - 413 ه‍ ) تلك الشخصية الفذة الذي اعترف المؤالف والمخالف بعلمه ، وذكائه ، وزهده ، وتقواه ، وكان شيخ أساتذة الكلام في عصره الذي شهد قمة الجدل الفكري والعقائدي بين المدارس الفكرية المختلفة ، وكان - رحمه الله - عظيم الشأن رفيع المنزلة ، له كرسي للتدريس في مسجد براثا في بغداد ، يقصده العلماء والعوام للاستزادة من علمه ، وله أكثر من ( 200 ) مصنف في مختلف العلوم .

 2 - السيد المرتضى علم الهدى ( 355 - 436 ه‍ ) ، قال عنه الثعالبي في يتيمته ( 1 : 53 ) قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل والكرم . وفي تاريخ ابن خلكان : كان إماما في علم الكلام والأدب والشعر . السيد المرتضى الذي حاز من العلوم ما لم يدانه فيها أحد في زمانه ، أخذ العلم على يد أستاذ المتكلمين الشيخ المفيد - رحمه الله - وله مصنفات كثيرة لا يسعنا عدها هنا ، منها : الإنتصار ، تنزيه الأنبياء ، جمل العلم والعمل وغيرها .

 3 - السيد الرضي ( 359 - 406 ه‍ ) ، علم من أعلام عصره في العلم والحديث والأدب ، درس العلم هو وأخوه السيد المرتضى على يد الشيخ المفيد - رحمه الله - له مؤلفات جمة منها : خصائص الأئمة ، معاني القرآن ، حقائق التأويل .

 4 - الشيخ الطوسي ( 385 - 460 ه‍ ) وهو شيخ الطائفة ومن أعلام الأمة ، تربى على يد شيخه المفيد والسيد المرتضى .
وله مؤلفات جمة غنية عن التعريف ، منها كتابا : " التهذيب "و" الإستبصار " وهما من المصادر المهمة عند الشيعة .
وكانت مدرسة بغداد زاهرة في عهد هذه الأعلام واحد بعد الآخر ، وقام كل

- ص 338 -

منهم بدور كبير في تطوير العلوم وتقدمها ، وكان يحضر في حلقات دروسهم مئات من المجتهدين والمحدثين من الشيعة والسنة .
واستمر هذا الحال إلى أن ضعفت سلطة البويهيين ، ودخل طغرل بك الحاكم التركي بغداد ، فأشعل نار الفتنة بين الطائفتين السنة والشيعة ، وأحرق دورا في الكرخ ، ولم يكتف بذلك حتى كبس دار الشيخ الطوسي وأخذ ما وجد من دفاتره وكتبه ، وأحرق الكرسي الذي كان الشيخ يجلس عليه ( 1 ) .

 5 - مدرسة النجف الأشرف : إن هذه الحادثة المؤلمة التي أدت إلى ضياع الثروة العلمية للشيعة وقتل العديد من الأبرياء ، دفعت الشيخ الطوسي - رحمه الله - إلى مغادرة بغداد واللجوء إلى النجف الأشرف وتأسيس مدرسة علمية شيعية في جوار قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وشاء الله تبارك وتعالى أن تكون هذه المدرسة مدرسة كبرى أنجبت خلال ألف سنة من عمرها عشرات الآلاف من العلماء والفقهاء والمتكلمين والحكماء .

والمعروف أن الشيخ الطوسي هو المؤسس لتلك الجامعة العلمية المباركة ، وهو حق لا غبار عليه ، ومع ذلك يظهر من النجاشي وغيره أن الشيخ ورد عليها وكانت غير خالية من النشاط العلمي . يقول في ترجمة الحسين بن أحمد بن المغيرة : له كتاب عمل السلطان أجازنا بروايته أبو عبد الله بن الخمري الشيخ صالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين سنة ( 400 ه ) ( 2 ) .

ولقد استغل الشيخ تلك الأرضية العلمية ، وأعانته على ذلك الهجرة العلمية الواسعة التي شملت أكثر الأقطار الشيعية ، فتقاطرت الوفود إليها ، من كل فج ،

 

( 1 ) ابن الجوزي ، المنتظم 16 : 8 و 16 حوادث عام 447 - 449 ، ط بيروت .
( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 190 / 162 . ( * )

 
 

- ص 339 -

فصارت حوزة علمية ، وكلية جامعة في جوار النبأ العظيم علي أمير المؤمنين - من عصر تأسيسها ( 448 ه‍ ) - إلى يومنا هذا ، ولقد مضى على عمرها قرابة ( 1000 ) سنة ، وهي بحق شجرة طيبة أصلها في الأرض وفرعها في السماء آتت أكلها كل حين بإذن ربها .

إن لجامعة النجف الأشرف حقوقا كبرى على الإسلام والمسلمين عبر القرون ، فمن أراد الوقوف على تاريخها والبيوتات العلمية التي أنجبتها ، فعليه الرجوع إلى كتاب " ماضي النجف وحاضرها " يقع في ثلاثة أجزاء ( 1 ) .
وقد قام الشيخ هادي الأميني بتخريج أسماء طائفة من العلماء الذين تخرجوا من هذه المدرسة الكبرى ، فراجع .

 6 - مدرسة الحلة : في الوقت الذي كانت جامعة النجف تزدهر وتنجب جملة من العلماء الأفذاذ ، تأسست للشيعة في الحلة الفيحاء جامعة كبيرة أخرى كانت تحفل بكبار العلماء ، وتزدهر بالنشاط الفكري ، عقدت فيها ندوات البحث والجدل ، وأنشئت فيها المدارس والمكاتب ، وظهر في هذا الدور فقهاء كبار كان لهم الأثر الكبير في تطوير الفقه الشيعي وأصوله ، نأتي بأسماء بعضهم :
 1 - المحقق الحلي ، نجم الدين أبو القاسم جعفر بن سعيد ، من كبار فقهاء الشيعة ، يصفه تلميذه ابن داود بقوله : الإمام العلامة ، واحد عصره ، كان ألسن أهل زمانه ، وأقواهم بالحجة ، وأسرعهم استحضارا ( 2 ) توفي عام ( 676 ه‍ ) . له من الكتب : " شرائع الإسلام " في جزأين ، وهو أثر خالد شرحه العلماء وعلقوا عليه .

 

( 1 ) تأليف الشيخ جعفر آل محبوبة ، ط النجف .

( 2 ) ابن داود ، الرجال : 62 / 304 ، القسم الأول . ( * )  
 

- ص 340 -

واختصره في كتاب أسماه " المختصر النافع " وشرحه أيضا وأسماه " المعتبر في شرح المختصر " .

 2 - العلامة الحلي ، جمال الدين حسن بن يوسف ( 648 - 726 ه‍ ) تخرج على يد خاله المحقق الحلي في الفقه ، وعلى يد المحقق الطوسي في الفلسفة والرياضيات ، وعرف بالنبوغ وهو بعد لم يتجاوز سن المراهقة ، وقد بلغ الفقه الشيعي في عصره القمة ، وله موسوعات فيه أجلها " تذكرة الفقهاء " ولعله لم يؤلف مثله .

 3 - فخر المحققين ، محمد بن الحسن بن يوسف ( 682 - 771 ه‍ ) ولد العلامة الحلي ، تتلمذ على يد أبيه ، ونشأ تحت رعايته وعنايته ، وألف والده قسما من كتبه بالتماس منه ، وقد تتلمذ عليه إمام الفقه الشهيد الأول ( 734 - 786 ه‍ ) .
إلى غير ذلك من رجال الفكر كابن طاووس ، وابن ورام ، وابن نما ، وابن أبي الفوارس الحليين ، الذين حفلت بهم مدرسة الحلة ، ولهم على العلم وأهله أياد بيضاء ، لا يسعنا ذكر حياتهم .

 7 - الجامع الأزهر : امتد سلطان الدولة الفاطمية من المحيط الأطلسي غربا ، إلى البحر الأحمر شرقا ، ونافست الدولة الفاطمية الشيعية خلافة الحكام العباسيين في بغداد ، وكان المعز لدين الله - أحد الخلفاء الفاطميين بمصر - رجلا مثقفا ومولعا بالعلوم والآداب ، وقد اتخذ بفضل تدبير قائده العسكري القاهرة عاصمة للدولة الجديدة ، وبنى الجامع الأزهر ، وعقدت فيه حلقات الدرس ، وكان يركز على نشر المذهب الشيعي بين الناس ، وقد أمر أن يؤذن في جميع المساجد ب‍ " حي على خير العمل " ومنع من لبس السواد شعار العباسيين .
إن المسلمين عامة - وفي طليعتهم المصريون - مدينون في ثقافتهم وازدهار

- ص 341 -

علومهم وتقدمهم في مجال العلم والصنعة للفاطميين وهممهم العالية ، فإن الجامع الأزهر لا يزال مزدهرا من يوم بني إلى يومنا هذا باعتباره أعظم الجامعات العلمية ( 1 ) ، وهي كانت جامعة شيعية من بدء تأسيسها إلى قرنين .

وإن شئت أن تقف على صورة صغيرة من خدماتهم الجليلة فاقرأ ما كتبه السيد مير علي حيث ذكر : " كان الفاطميون يشجعون على العلم ، ويكرمون العلماء ، فشيدوا الكليات ، والمكاتب العامة ، ودار الحكمة ، وحملوا إليها مجموعات عظيمة من الكتب في سائر العلوم والفنون ، والآلات الرياضية ، لتكون رهن البحث والمراجعة ، وعينوا لها أشهر الأساتذة ، وكان التعليم فيها حرا على نفقة الدولة ، كما كان الطلاب يمنحون جميع الأدوات الكتابية مجانا ، وكان الخلفاء يعقدون المناظرات في شتى فروع العلم ، كالمنطق والرياضيات والفقه والطب ، وكان الأساتذة يرتدون لباسا خاصا عرف بالخلعة ، أو العباءة الجامعية - كما هي الحال اليوم - وأرصدت للإنفاق على تلك المؤسسات ، وعلى أساتذتها ، وطلابها ، وموظفيها ، أملاك بلغ إيرادها السنوي ( 43 ) مليون درهم ، ودعي الأساتذة من آسيا والأندلس لإلقاء المحاضرات في دار الحكمة ، فازدادت بهم روعة وبهاء ( 2 ) .
وقد ألف غير واحد من المؤرخين كتبا ورسائل حول الأزهر الشريف ومن أراد التفصيل فليرجع إليها .

 8 - مدارس الشيعة في الشامات : كانت الشيعة تعيش تحت الضغط والإرهاب السياسي من قبل الأمويين والعباسيين ، فلما دب الضعف في جهاز الخلافة العباسية ، وظهرت دول شيعية في العراق - خصوصا دولة الحمدانيين في الموصل وحلب - استطاعت الشيعة أن

 

( 1 ) بروكلمان ، تاريخ الشعوب الإسلامية 2 : 108 .    ( 2 ) السيد مير علي ، مختصر تاريخ العرب : 510 ط 1938 م . ( * )

 
 

- ص 342 -

تجاهر بنشاطها الثقافي ، وفي ظل هذه الحرية أسست مدارس شيعية في جبل عامل ، وحلب ، تخرج منها العديد من العلماء الأفذاذ والفضلاء .
فأما حلب فقد ازدانت بالعديد من الأسماء اللامعة كأبناء زهرة وغيرهم ، من رجال العلم والأدب .
وأما مدرسة جبل عامل فقد كانت تتراوح بين القوة والضعف ، إلى أن رجع الشهيد الأول من العراق إلى مسقط رأسه " جزين " ، فأخذت تلك المدرسة في نفسها نشاطا واسعا ، وقد تخرج من تلك المدرسة منذ تلك العهود إلى يومنا هذا مئات من الفقهاء والعلماء لا يحصيها إلا الله سبحانه ، ومن الشخصيات البارزة في هذه المدرسة : المحقق الشيخ علي الكركي مؤلف " جامع المقاصد " ( المتوفى عام 940 ه‍ ) وبعده الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني ( 911 - 966 ه‍ ) .

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ، ممن أنجبتهم هذه التربة الخصبة بالعلم والأدب .
ولنكتف بهذا المقدار من الإشارة إلى الجامعات الشيعية ، فإن الإحصاء يحوجنا إلى بسط في المقال ، ويطيب لنا الإشارة إلى أسماء المعاهد الأخرى مجردة .

جامعات أخر للشيعة في أقطار العالم :

كانت للشيعة جامعات متعددة في أقطار العالم المختلفة لم تزل بعضها زاهرة إلى اليوم .
فالشرق الإسلامي كأفغانستان والباكستان والهند تزخر بالشيعة ، ولهم هناك جامعات وكليات في هراة ولكنهو وبومبي ، كما أن للشيعة نشاطات ثقافية في آسيا الجنوبية الشرقية كماليزيا وتايلند ، ومن أراد الوقوف على الخريجين من هذه المدارس فعليه أن يقرأ تاريخ هذه البلاد ، خصوصا بلاد الهند .
ومنذ تسنم الصفوية منصة الحكم أسست في إيران حوزات فقهية وكلامية

- ص 343 -

وفلسفية زاهرة ، وقد تخرج منها آلاف من العلماء ، ومن هذه الجامعات : جامعة أصفهان ، وطهران ، وخراسان ، وتبريز ، وقزوين ، وزنجان ، وشيراز ، وأخيرا الجامعة الكبرى للشيعة في قم المحمية بجوار فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) .

وقد أسست هذه الجامعة سنة ( 1340 ه‍ ) على يد رجل العلم والزهد الشيخ عبد الكريم اليزدي ( 1274 - 1355 ه‍ ) ، ولم تزل هذه الجامعة مشعة زاهرة ، وقد تقاطر إليها الأساتذة ووفود الطلاب من نقاط شتى ، ومن جنسيات مختلفة منذ أول يومها ، ويتجاوز عدد الطلاب فيها في هذه السنين ( 25000 طالب ) ، وفيها مكتبات زاخرة ، ومؤسسات علمية ، ومراكز تحقيقية ، ومطابع حديثة ، وعمالقة الفكر وأساتذة القلم ، ومنها تفجرت الثورة الإسلامية على يد أحد خريجيها ألا وهو الإمام الخميني - قدس الله سره - فانبثقت أنوارها على ربوع العالم ، وأيقظت الأمة من سباتها العميق .

عدد الشيعة إن مراكز الإحصاء في العالم تخضع لنفوذ أعداء الإسلام خصوصا الصهاينة ، وقد صار ذلك سببا لعدم وجود إحصاء دقيق بأيدينا عن عدد المسلمين وعامة طوائفهم ومنهم الشيعة .

ولكن القرائن تشهد على أن الشيعة بطوائفها الثلاث : الإمامية والزيدية والإسماعيلية يؤلفون خمس أو ربع المسلمين ، فلو كان عدد المسلمين - على ما يقولون - مليار نسمة فالشيعة تبلغ ( 200 ) مليون ، وأكثرهم عددا هم الإمامية المعروفون بالاثني عشرية أو الجعفرية .

نسأله سبحانه أن يرفع كلمة التوحيد في ربوع العالم ، ويوفق المسلمين لتوحيد الكلمة ورص الصفوف ، إنه على ذلك لقدير .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب