|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 345 :
|
|
الفصل الرابع : مع الشيعة الإمامية في عقائدهم
------------------------------- ص 347
-------------------------------
رسائل موجزة حول عقائد الشيعة
إن المناهج الكلامية
التي فرقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن
الأول الهجري ، واستمرت في القرون التالية ، فنجمت
عنها فرق إسلامية مختلفة كالمرجئة ، والجهمية ،
والمعتزلة ، والحشوية ، والأشعرية ، والكرامية بفرقهم
المتشعبة .
وهذه الفرق بمجموعها تكون نتاجا حقيقيا
لمخاض البحث والمذاكرة ، وكنتيجة منطقية للتوسع الأفقي
في الرقعة الإسلامية التي شملت العديد من الأمم
والقوميات المختلفة ، وما يؤلفه ذلك من احتكاك وجدل
فكري وتأثر وتأثير في تلك التيارات الفكرية وتداخل غير
محسوس في أحيان كثيرة أوجد ودون وعي من الكثيرين ،
ركائز وجود هذه التصورات التي تبلورت فيما بعد فيما
يسمى بالفرق الإسلامية .
ومن هنا فإن المرء لا يجد لها
تاريخا متصلا بزمن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله
) ، ويقف على صدق ما ذكرنا من سبر أجزاء كتابنا هذا .
فالخوارج مثلا كانوا فرقة سياسية نشأت في عام ( 37 ه
) أثناء حرب صفين ، ثم تبدلت إلى فرقة دينية في أواخر
القرن الأول وأوائل القرن الثاني .
والمرجئة ظهرت في الأوساط الإسلامية عند اختلاف الناس
في الخليفة عثمان والإمام علي ، ثم تطورت إلى معنى آخر
، وكان من حصيلة التطور هو تقديم الإيمان وتأخير العمل
.
والجهمية نتيجة أفكار " جهم بن صفوان " المتوفى سنة
( 128 ه ) .
والمعتزلة تستمد أصولها من واصل بن عطاء
تلميذ الحسن البصري المتوفى عام ( 130 ه ) ، وهكذا
القدرية والكرامية والظاهرية والأشعرية فجميعها فرق
نتجت عن البحث الكلامي وصقلها الجدل عبر القرون ، فلا
تجد لهذه الفرق سندا متصلا بالنبي الأكرم ( صلى الله
عليه وآله ) .
وأما عقائد الشيعة الإمامية فعلى النقيض
من ذلك ، ولا صلة في نشأتها بينها وبين تلك الفرق ،
لأنها أخذت أساسا من مصادر التشريع الحقيقية للإسلام ،
وهي : الذكر الحكيم أولا ، والسنة النبوية ثانيا ،
وخطب الإمام علي وكلمات العترة الطاهرة الصادرة من
النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ثالثا .
فلأجل
ذلك يحدد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمتهم
الطاهرين .
وهذا لا يعني أن الشيعة تتعبد بالنصوص في
أصولها المذكورة من دون تحليل وتفكير ، بل إن أصول
العقائد الواردة في المصادر المذكورة أخذها علماؤهم
منها وحرروها بأوضح الوجوه ، ودعموها بالبراهين
الواضحة ، كما أنهم لا يعتدون في بناء معتقداتهم
ومتبنياتهم برواية الآحاد بل يشترطون فيها أن تكون
متواترة ، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين ،
إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرد العمل ، بل
المطلوب هو الإذعان والإيمان ، وهذا لا يحصل برواية
الآحاد .
إلا أن الأمر الجدير بالذكر هو أن المرتكز
الأساسي لبناء العقيدة الخاصة بالشيعة الإمامية هو
الاعتقاد بأن الإمام عليا منصوص عليه بالوصاية على
لسان النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنه وعترته الطاهرة هم المرجع الأعلى بعد الذكر الحكيم .
وهذا
هو العنصر المقوم للتشيع ، وأما سائر الأصول فإنها
عقائد إسلامية لا تختص بالشيعة الإمامية وحدها .
وسنحاول أن نستعرض في الصفحات اللاحقة بعضا من جوانب
عقائد الشيعة الإمامية ، الواردة في أحاديث أئمتهم
تارة ، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانيا ، حتى يقف
القارئ على جذور تلك العقائد وتتوضح له الصورة
الحقيقية عن ركائز هذه المعتقدات ، والتي تستمد كيانها
من الأخبار والروايات الواردة من أئمتهم الطاهرين
والتي تكون كلمات الإمام علي ( عليه السلام ) وخطبه
البعد الأكبر فيها ، أو من الآراء الكلامية لعلمائهم ،
والتي تتفق كثيرا مع جمهور المسلمين في أبعادها
المختلفة .
|