|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 377 :
|
|
الفرق بين
الشيعة الإمامية والمعتزلة
إن المتأمل في مجمل عقائد
هاتين الفرقتين يمكنه أن يتبين بوضوح جوانب الاتفاق
والاختلاف فيما بينهما ، وهو ما سنحاول أن نشير إليه
اختصارا في نقاط محددة واضحة ، وإذا كان البعض قد
اعتقد جهلا بأن الشيعة قد أخذت عقائدها عن المعتزلة
فإنه يرد بأكثر من دليل ، نحن في غنى عن إيرادها الآن
، إلا أنه لا ينفى أن بين هاتين الطائفتين أصول مشتركة
نذكرها في حينها ، وهو ما قد يتفق مع غير
ذلك من فرق المسلمين المختلفة :
1 - الشفاعة : أجمع
المسلمون كافة على ثبوت أصل الشفاعة وأنها تقبل من
الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، إلا أنهم
اختلفوا في تعيين المشفع ، فقالت الإمامية والأشاعرة :
إن النبي يشفع لأهل الكبائر بإسقاط العقاب عنهم أو
بإخراجهم من النار ، وقالت المعتزلة : لا يشفع إلا
للمطيعين ، المستحقين للثواب ، وتكون نتيجة الشفاعة
ترفيع الدرجة .
2 - مرتكب الكبيرة : هو عند الإمامية والأشاعرة مؤمن فاسق ، وقالت المعتزلة : بل منزلته بين
المنزلتين ، أي بين الكفر والإيمان .
3 - الجنة والنار
: قالت الإمامية والأشاعرة : إنهما مخلوقتان الآن
بدلالة الشرع على ذلك ، وأكثر المعتزلة يذهب إلى أنهما
غير موجودتين .
4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
اتفق المسلمون على وجوبهما ، فقالت الإمامية والأشاعرة
: يجبان سمعا ، ولولا النص لم يكن دليل على الوجوب ،
خلافا للمعتزلة الذين قالوا : بوجوبهما عقلا .
5 -
الإحباط : اتفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الإحباط
، وقالوا : لكل عمل حسابه الخاص ، ولا ترتبط الطاعات
بالمعاصي ولا المعاصي بالطاعات ، والإحباط يختص بذنوب
خاصة كالشرك وما يتلوه ، بخلاف المعتزلة حيث قالوا :
إن المعصية المتأخرة تسقط الثواب المتقدم ، فمن عبد
الله طول عمره ثم كذب فهو كمن لم يعبد الله أبدا .
6 - الشرع والعقل : تشددت المعتزلة في تمسكهم بالعقل ،
وتشدد أهل الظاهر في تمسكهم بظاهر النص ، وخالفهما
الإمامية والأشاعرة ، فأعطوا للعقل سهما فيما له مجال
القضاء ، نعم أعطت الإمامية للعقل مجالا أوسع مما
أعطته الأشاعرة . وسيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف
الإمامية مع الأشاعرة .
7
- اتفقت الإمامية والأشاعرة على أن قبول التوبة بفضل
من الله ولا يجب عقلا إسقاطها للعقاب ، وقالت المعتزلة
: إن التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب .
8 - اتفقت
الإمامية على أن الأنبياء أفضل من الملائكة ، وأجمعت
المعتزلة على خلاف ذلك .
9 - اتفقت الإمامية على أن
الإنسان غير مسير ولا مفوض إليه ، بل هو في ذلك المجال
بين أمرين ، بين الجبر والتفويض ، وأجمعت المعتزلة على
التفويض .
10 - اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنه لا
بد في أول التكليف وابتدائه من رسول ، وخالفت المعتزلة
وزعموا أن العقول تعمل بمجردها عن السمع .
هذه هي
الأصول التي خالفت الإمامية فيها المعتزلة ووافقت فيها
الأشاعرة ، وهناك أصول أخرى تجد فيها موافقة الإمامية
للمعتزلة ومخالفتها للأشاعرة ، وإليك بعضها :
الفرق
بين الشيعة الإمامية والأشاعرة هناك أصول خالفت
الإمامية فيها الأشاعرة ، مخالفة بالدليل والبرهان
وتبعا لأئمتهم ، ونذكر المهم منها :
1 - اتحاد الصفات
الذاتية مع الذات : إن لله سبحانه صفات ذاتية كالعلم
والقدرة ، فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات
زائدة عليها ، وهي عند الإمامية والمعتزلة متحدة مع
الذات .
2 - الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنة
، كالوجه والأيدي والاستواء وأمثالها ، فالشيعة
الإمامية يؤولونها تأويلا مقبولا لا تأويلا مرفوضا ،
أي أنها
تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة لا بالمفهوم التصوري
للمفردات ، فيقولون : إن معنى : {
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } ( 1 ) معناه : أنه برئ من البخل ، بل
هو باذل وسخي ، وقادر على البذل . وأما الأشاعرة فهم
يفسرونها بالمفهوم التصوري ويقولون : إن لله سبحانه
يدين ، إلا أنهم يتهربون عن التجسيم والتشبيه بقولهم :
بلا كيف .
3 - أفعال العباد عند الإمامية صادرة من نفس
العباد ، صدورا حقيقيا بلا مجاز أو توسع ، فالإنسان هو
الضارب ، هو الآكل ، هو القاتل ، هو المصلي ، هو
القارئ وهكذا ، وقد قلنا : إن استعمال كلمة " الخلق "
في أفعال الإنسان استعمال غير صحيح ، فلا يقال : خلقت
الأكل والضرب والصوم والصلاة ، وإنما يقال : فعلتها ،
فالصحيح أن يقال : إن الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة
مكتسبة من الله ، وإن قدرته المكتسبة هي المؤثرة بإذن
من الله سبحانه .
وأما الأشاعرة فذهبوا إلى أن أفعال
العباد مخلوقة لله سبحانه ، فليس للإنسان فيها صنع ولا
دور ، وليس لقدرته أي تأثير في تحقق الفعل ، وأقصى ما
عندهم أن إرادة الإنسان للعقل تقارن إيجاد الله سبحانه
فعله في عالم التكوين والوجود .
إلا أنهم وتحاشيا من
الذهاب إلى الجبر في تلك الأفعال وبالتالي إقصاء
الإنسان عن أفعاله ، ومن ثم براءته من مسؤوليتها عمدوا
إلى ابتداع نظرية الكسب المعقدة فقالوا : إن الله هو
الخالق والإنسان هو الكاسب ، إلا أنها نظرية غريبة غير
مفهومة ، ومليئة بالألغاز التي عجز عن فهمها وإيضاحها
حتى مبتدعوها أنفسهم .
4 - إن الاستطاعة في الإنسان
على فعل من الأفعال تقارنه تارة ، وتتقدم عليه أخرى ،
فلو أريد من القدرة العلة التامة فهي مقارنة ، ولو
أريد العلة الناقصة فهي
| |
( 1 )
المائدة :
64 . ( * ) |
|
|
متقدمة ، خلافا للأشاعرة فقد قالوا بالتقارن مطلقا .
5
- رؤية الله بالأبصار في الآخرة : فهي مستحيلة عند
الإمامية والمعتزلة ، ممكنة عند الأشاعرة .
6 - كلامه
سبحانه عند الإمامية هو فعله ، فهو حادث لا قديم ،
وهذا خلافا للأشاعرة : فكلامه عبارة عن الكلام النفسي
القائم بذاته ، فهو قديم كقدم الذات .
7 - التحسين
والتقبيح العقليان : ذهبت الإمامية إلى أن العقل يدرك
حسن بعض الأفعال أو قبحها ، بمعنى أن نفس الفعل من أي
فاعل صدر ، سواء أكان الفاعل قديما أو حادثا ، واجبا
أو ممكنا ، يتصف بأحدهما ، فيرى مقابلة الإحسان
بالإحسان أمرا حسنا ، ومقابلته بالإساءة أمرا قبيحا ،
ويتلقاه حكما مطلقا سائدا على مر الحقب ، والأزمان ،
لا يغيره شئ ، وهذا خلافا للأشاعرة ، فقد عزلوا العقل
عن إدراك الحسن والقبيح ، وبذلك خالفوا الإمامية
والمعتزلة في الفروع المترتبة عليه . هذه هي الأصول
التي تخالف فيها الإمامية الأشاعرة ، وربما توافقهم
المعتزلة في جميعها أو أكثرها ، كل ذلك يثبت أن للشيعة
الإمامية منهجا كلاميا خاصا نابعا من الكتاب والسنة ،
وكلمات العترة الطاهرة والعقل فيما له مجال القضاء ،
وليست الشيعة متطفلة في منهجها الكلامي على أية من
الطائفتين .
وأنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلفة
في العصور المتقدمة من عصر فضل بن شاذان ( ت 260 ه )
إلى عصر شيخنا الطوسي ( 385 - 460 ه ) ومن بعده بقليل
، تجد منهجا كلاميا مبرهنا متزنا واضحا لا تعقيد فيه
ولا غموض ، وعلى تلك الأصول وذلك المنهج درج علماؤهم
المتأخرون في الأجيال التالية ، فألف الشيخ الحلبي (
374 - 447 ه ) " تقريب المعارف " والشيخ سديد الدين الحمصي ( ت 600 ه ) كتابه " المنقذ من
التقليد " ، وتوالى بعدهم التأليف على يد الفيلسوف
الكبير نصير الدين الطوسي ( 597 - 672 ه ) وابن ميثم
البحراني ( ت 589 ه ) في " تقريب المعارف " ، وتلميذه
العلامة الحلي ( 648 - 726 ه ) في جملة من المؤلفات
القيمة .
وهكذا . . . فإن كل ذلك يكشف عن أن الأئمة
طرحوا أصول العقائد ، وغذوا أصحابهم وتلاميذهم بمعارف
سامية ، اعتبر الحجر الأساس للمنهج الكلامي الشيعي ،
وتكامل المنهج من خلال الجدل الكلامي والنقاش العلمي
في الظروف المتأخرة فوصل إلى الذروة والقمة .
فالناظر
في الكتب الكلامية للسيد الشريف المرتضى ك " الشافي "
( 1 ) و " الذخيرة " ( 2 ) يجد منبعا غنيا بالبحوث
الكلامية ، كما أن الناظر في كتب العلامة الحلي
المختلفة ك " كشف المراد " ( 3 ) و " نهاية المرام "
( 4 ) وغيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث
والنقاش عبر القرون ، فبلغت غايتها القصوى .
وقد توالى
التأليف في عقائد الشيعة وأصولهم من العصور الأولى إلى
يومنا هذا ، بشكل واسع لا يحصيه إلا محصي قطرات المطر
وحبات الرمال .
هذا وإن الشيعة وإن خالفوا في هذه
الأصول طائفة من الطوائف الإسلامية ووافقوا طوائف أخرى
، ولكن هناك أصول اتفق الجميع فيها دون استثناء ، وهو
ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل والكتيبات . أفما
آن للمسلمين أن يتحدوا في ظل هذه الأصول المؤلفة
لقلوبهم ، ويستظلوا بظلالها ، ويتمسكوا بالعروة الوثقى
، ويكون شعارهم : { إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
| |
( 1 ) المطبوع في
بيروت في أربعة أجزاء .
( 2 ) المطبوع في إيران في جزأين .
( 3 ) الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية .
( 4 ) حققته مؤخرا مؤسسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) ونشر في ثلاثة
مجلدات . ( * ) |
|
|
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
} ولا يصغوا إلى النعرات المفرقة ،
المفترية على الشيعة وأئمتهم ، وليكن شعارنا في
التأليف : التحقيق والتأكد من عقائد الآخرين ، ثم
التدوين .
|