- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 45 :

 الشيعة في العصر العباسي

دار الزمان على بني أمية ، وقامت ثورات عنيفة ضدهم أثناء خلافتهم ، إلى أن قضت على آخر ملوكهم ( مروان الحمار ) : { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ( 3 ) وامتطى ناصية الخلافة بعدهم العباسيون ، والذين تسربلوا بشعار مظلومية أهل البيت للوصول إلى سدة الخلافة وإزاحة خصومهم الأمويين عنها ، بيد أنهم ما أن استقر بهم المقام وثبتت لهم أركانه حتى انقلبوا كالوحوش الكاسرة في محاربتهم للشيعة وتشريدهم وتقتيلهم ، فكانوا أسوأ من أسلافهم الأمويين وأشد إجراما ، ولله در الشاعر حين قال :

والله ما فعلت أمية فيهم * معشار ما فعلت بنو العباس

 1 - كان أول من تولى منهم أبو العباس السفاح ، بويع سنة ( 132 ه‍ ) ومات

  ( 3 ) الأنعام : 45 . ( * )  
 

- ص 46 -

سنة ( 136 ه‍ ) ، قضى وقته في تتبع الأمويين والقضاء عليهم ، وهو وإن لم يتعرض للعلويين ، لكنه تنكر لهم ولشيعتهم ، بل وأوعز إلى الشعراء أن يتعرضوا لأولاد علي وأهل بيته في محاولة مدروسة للنيل من منزلتهم وتسفيه الدعوة المطالبة بإيكال أمر الخلافة الإسلامية إليهم .

هذا محمد أحمد براق يقول في كتابه " أبو العباس السفاح " : " إن أصل الدعوة كان لآل علي ، لأن أهل خراسان كان هواهم في آل علي لا آل العباس ، لذلك كان السفاح ومن جاء بعده مفتحة عينوهم لأهل خراسان حتى لا يتفشى فيهم التشيع لآل علي . . . وكانوا يستجلبون الشعراء ليمدحوهم ، فيقدمون لهم الجوائز ، وكان الشعراء يعرضون بأبناء علي وينفون عنهم حق الخلافة ، لأنهم ينتسبون إلى النبي عن طريق ابنته فاطمة ، أما بنو العباس فإنهم أبناء عمومة " ( 1 ) .

 2 - ثم جاء بعده أبو جعفر المنصور ، وبالرغم مما أثير حوله من منزلة ومكانة وذكاء ، إلا أن في ذلك مجافاة عظيمة للحق وابتعادا كبيرا عن جادة الصواب ، نعم حقا إن هذا الرجل قد ثبت أركان دولته وأقام لها أسسا قوية صلبة ، إلا أنه أسرف كثيرا في الظلم والقسوة والإجرام بشكل ملفت للأنظار ، ويكفي للإلمام بجرائمه وقسوته ما كتبه ابن عبد ربه في العقد الفريد عن ذلك حيث قال : إن المنصور كان يجلس ويجلس إلى جانبه واعظا ، ثم تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس ، فإذا جرت الدماء حتى تصل إلى ثيابه ، يلتفت إلى الواعظ ويقول : عظني فإذا ذكره الواعظ بالله ، أطرق المنصور كالمنكسر ثم يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق ، فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانيا قال لواعظه : عظني ! ! ( 2 ) .

 

( 1 ) أبو العباس السفاح : 48 ، كما في الشيعة والحاكمون : 139 .

( 2 ) العقد الفريد 1 : 41 . ( * )  
 

- ص 47 -

فماذا يا ترى يريد المنصور من قوله للواعظ : عظني ، وماذا يعني بإطراقه بعد ذلك وسكوته ، هل يريد الاستهزاء بالدين الذي نهى عن قتل النفس وسفك الدماء ، أو يريد شيئا آخر ؟ ! وليت شعري أين كان المؤرخون وأصحاب الكلمات الصادقة المنصفة من هذه المواقف المخزية التي تقشعر لها الأبدان ، وهم يتحدثون عن هذا الرجل الذي ما آلوا يشيدون بذكره ويمجدون بأعماله ، وهلا تأمل القراء في سيرة هذا الرجل ليدركوا ذلك الخطأ الكبير . بلى إن هذا الرجل أسرف في القتل كثيرا ، وكان للعلويين النصيب الأكبر ، وحصة الأسد من هذا الظلم الكبير .

يقول المسعودي : جمع المنصور أبناء الحسن ، وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم ، وحملهم في محامل مكشوفة وبغير وطاء ، تماما كما فعل يزيد بن معاوية بعيال الحسين . ثم أودعهم مكانا تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار ، وأشكلت أوقات الصلاة عليهم ، فجزأوا القرآن خمسة أجزاء ، فكانوا يصلون على فراغ كل واحد من حزبه ، وكانوا يقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم ، فاشتدت عليهم الرائحة ، وتورمت أجسادهم ، ولا يزال الورم يصعد من القدم حتى يبلغ الفؤاد ، فيموت صاحبه مرضا وعطشا وجوعا ( 1 ) .

وقال ابن الأثير : دعا المنصور محمد بن عبد الله العثماني ، وكان أخا لأبناء الحسن من أمهم ، فأمر بشق ثيابه حتى بانت عورته ، ثم ضرب مائة وخمسون سوطا ، فأصاب سوط منها وجهه فقال : ويحك أكفف عن وجهي ، فقال المنصور للجلاد : الرأس الرأس ، فضربه على رأسه ثلاثين سوطا ، وأصاب إحدى عينيه فسالت على وجهه ، ثم قتله - ثم ذكر - : وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن ، وكان أحس الناس صورة ، فقال له : أنت الديباج الأصفر ، لأقتلنك قتلة

 

( 1 ) مروج الذهب 3 : 310 ط سنة 1948 م . ( * )

 
 

- ص 48 -

لم أقتلها أحدا ، ثم أمر به ، فبني عليه أسطوانة وهو حي ، فمات فيها ( 1 ) .

 3 - ثم ولي بعده المهدي ولد المنصور ، وبقي في الحكم من سنة ( 158 ه‍ ) إلى سنة ( 169 ه‍ ) وكفى في الإشارة إلى ظلمه للعلويين ، أنه أخذ علي بن العباس بن الحسن ابن علي بن أبي طالب ، فسجنه فدس إليه السم فتفسخ لحمه وتباينت أعضاؤه .

 4 - ولما هلك المهدي بويع ولده الهادي ، وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر ، سار فيها على سيرة من سبقه في ظلم العلويين والتضييق عليهم ، وكفى في الإشارة إلى ذلك ما ذكره أبو الفرج الإصبهاني في مقاتل الطالبيين حيث قال : إن أم الحسين صاحب فخ هي زينب بنت عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، قتل المنصور أباها وأخوتها وعمومتها وزوجها علي بن الحسن ، ثم قتل الهادي حفيد المنصور ابنها الحسين ، وكانت تلبس المسوح على جسدها ، لا تجعل بينها وبينه شيئا حتى لحقت بالله عز وجل ( 2 ) .

 5 - ثم تولى بعده الرشيد سنة ( 170 ه‍ ) ومات ( 193 ه‍ ) وكان له سجل أسود في تعامله مع الشيعة تبلورت أوضح صوره فيما لاقاه منه الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليه السلام ) ، وهو ما سنذكره لاحقا إن شاء الله تعالى ، وإليك واحدة من تلك الأفعال الدامية التي سجلها له التأريخ ورواها الإصبهاني عن إبراهيم بن رباح ، قال : إن الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبد الله بن الحسن ، بنى عليه أسطوانة وهو حي ، وكان هذا العمل الإجرامي موروثا من جده المنصور ( 3 ) .

 6 - ثم جاء بعده ابنه الأمين ، فتولى الحكم أربع سنين وأشهرا ، يقول أبو الفرج : كانت سيرة الأمين في أمر آل أبي طالب خلاف من تقدم لتشاغله بما كان

 

( 1 ) الكامل 4 : 375 .
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 285 ط النجف .

( 3 ) مقاتل الطالبيين : 320 ، وروي في مقتله أمر آخر . ( * )  
 

- ص 49 -

فيه من اللهو ثم الحرب بينه وبين المأمون ، حتى قتل فلم يحدث على أحد منهم في أيامه حدث .

 7 - وتولى الحكم بعده المأمون ، وكان من أقوى الحكام العباسيين بعد أبيه الرشيد . فلما رأى المأمون إقبال الناس على العلويين وعلى رأسهم الإمام الرضا ، ألقى عليه القبض بحيلة الدعوة إلى بلاطه ، ثم دس إليه السم فقتله .

 8 - مات المأمون سنة ( 210 ه‍ ) وجاء إلى الحكم ابنه المعتصم فسجن محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب إلا أنه استطاع الفرار من سجنه .

 9 - ثم تولى الحكم بعده الواثق الذي قام بسجن الإمام محمد بن علي الجواد ( عليه السلام ) ودس له السم بيد زوجته الأثيمة أم الفضل بنت المأمون .

 10 - وولي الحكم بعد الواثق المتوكل ، وإليك نموذجا من حقده على آل البيت وهو ما ذكره أبو الفرج قال : كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب ، غليظا في جماعتهم ، شديد الغيظ والحقد عليهم ، وسوء الظن والتهمة لهم .

واتفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسئ الرأي فيهم ، فحسن له القبيح في معاملتهم ، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس قبله ، وكان من ذلك أن كرب ( 1 ) قبر الحسين وعفى آثاره ، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحدا زاره إلا أتوه به وقتله أو أنهكه عقوبة .

وقال : بعث برجل من أصحابه ( يقال له الديزج وكان يهوديا فأسلم ) إلى قبر الحسين وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب ما حوله ، فمضى ذلك فخرب ما حوله ، وهدم البناء وكرب ما حوله مائتي جريب ، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد ، فأحضر قوما من اليهود فكربوه ، وأجرى الماء حوله ، ووكل به مسالح ، بين كل

 

( 1 ) الكرب : إثارة الأرض للزرع . ( * )

 
 

- ص 50 -

مسلحتين ميل ، لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه . وقال أيضا : حدثني محمد بن الحسين الأشناني : بعد عهدي بالزيارة في تلك الأيام ، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها ، وساعدني رجل من العطارين على ذلك ، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل ، حتى أتينا نواحي الغاضرية ، وخرجنا نصف الليل ، فصرنا بين مسلحتين ، وقد ناموا ، حتى أتينا القبر فخفي علينا ، فجعلنا نشمه ( نتسمه خ ل ) ونتحرى جهته حتى أتيناه ، وقد قلع الصندوق الذي كان حواليه ، وأحرق وأجري الماء عليه ، فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق ، فزرناه وأكببنا عليه - إلى أن قال : - فودعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع ، فلما قتل المتوكل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه .

وقال أيضا : واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج ، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البر بهم ، وكان لا يبلغه أن أحدا أبر أحدا منهم بشئ وإن قل إلا أنهكه عقوبة ، وأثقله غرما ، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ، ثم يرقعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر ، إلى أن قتل المتوكل فعطف المنتصر عليهم وأحسن إليهم بمال فرقه بينهم ، وكان يؤثر مخالفة أبيه في جميع أحواله ومضادة مذهبه ( 1 ) .

 11 - وولي بعده المنتصر ابنه ، وظهر منه الميل إلى أهل البيت وخالف أباه - كما عرفت - فلم يجر منه على أحد منهم قتل أو حبس أو مكروه فيما بلغنا .
وأول ما أحدثه انه لما ولي الخلافة عزل صالح بن علي عن المدينة ، وبعث علي بن الحسين مكانه فقال له - عند الموادعة - : يا علي إني أوجهك إلى لحمي ودمي فانظر كيف تكون للقوم ، وكيف تعاملهم - يعني آل أبي طالب - فقلت :

 

( 1 ) مقاتل الطالبيين : 597 - 599 . ( * )

 
 

- ص 51 -

أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين - أيده الله - فيهم ، إن شاء الله . قال : إذا تسعد بذلك عندي ( 1 ) .

 12 - وقام بعده المستعين بالأمر ، فنقض كلما غزله المنتصر من البر والإحسان ، ومن جرائمه أنه قتل يحيى بن عمر بن الحسين ، قال أبو الفرج : وكان - رضي الله عنه - رجلا فارسا شجاعا ، شديد البدن ، مجتمع القلب ، بعيدا من رهق الشباب وما يعاب به مثله ، ولما أدخل رأسه إلى بغداد جعل أهلها يصيحون من ذلك إنكارا له ، ودخل أبو هاشم على محمد بن عبد الله بن طاهر ، فقال : أيها الأمير ، قد جئتك مهنئا بما لو كان رسول الله حيا يعزى به . وأدخل الأسارى من أصحاب يحيى إلى بغداد ولم يكن فيما رؤي قبل ذلك من الأسارى أحد لحقه ما لحقهم من العسف وسوء الحال ، وكانوا يساقون وهم حفاة سوقا عنيفا ، فمن تأخر ضربت عنقه .

قال أبو الفرج : وما بلغني أن أحدا ممن قتل في الدولة العباسية من آل أبي طالب رثي بأكثر مما رثي به يحيى ، ولا قيل فيه الشعر بأكثر مما قيل فيه .

أقول : إن العباسيين قد أتوا من الجرائم التي يندى لها الجبين وتقشعر منها الجلود في حق الشيعة بحيث تغص بذكرها المجلدات الكبيرة الواسعة ، بل وفاقوا بأفعالهم المنكرة ما فعله الأمويون من قبل ، ولله در الشاعر حيث قال :

تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثلها * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما

ومن أراد أن يقف على سجل جرائم الدولتين ( الأموية والعباسية ) وملف

 

 ( 1 ) مقاتل الطالبيين : 639 . ( * )

 
 

- ص 52 -

مظالمهم فعليه قراءة القصائد الثلاث التي نظمها رجال مؤمنون مخلصون ، عرضوا أنفسهم للمخاوف والأخطار طلبا لرضى الحق :
 1 - تائية دعبل الخزاعي الشهيد عام ( 246 ه‍ ) ، فإنها وثيقة تأريخية خالدة تعرب عن سياسة الدولتين تجاه أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد أنشدها الشاعر للإمام الرضا ، فبكى وبكت معه النسوة . أخرج الحموي عن أحمد بن زياد عن دعبل الخزاعي قال : أنشدت قصيدة لمولاي علي الرضا -رضي الله عنه- :

مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات

قال دعبل : ثم قرأت باقي القصيدة ، فلما انتهيت إلى قولي :

خروج إمام لا محالة واقع * يقوم على اسم الله والبركات

فبكى الرضا بكاء شديدا . ومن هذه القصيدة قوله :

هم نقضوا عهد الكتاب وفرضه * ومحكمه بالزور والشبهات
تراث بلا قربى ، وملك بلا هدى * وحكم بلا شورى ، بغير هداة
وفيها أيضا قوله :
لآل رسول الله بالخيف من منى * وبالبيت والتعريف والجمرات
ديار علي والحسين وجعفر * وحمزة والسجاد ذي الثفنات
ديار عفاها كل جون مبادر * ولم تعف للأيام والسنوات
منازل كانت للصلاة وللتقى * وللصوم والتطهير والحسنات

- ص 53 -

منازل وحي الله معدن علمه * سبيل رشاد واضح الطرقات
منازل وحي الله ينزل حولها * على أحمد الروحات والغدوات
إلى أن قال :
ديار رسول الله أصبحن بلقعا * ودار زياد أصبحت عمرات
وآل رسول الله غلت رقابهم * وآل زياد غلظ القصرات
وآل رسول الله تدمى نحورهم * وآل زياد زينوا الحجلات
وفيها أيضا :
أفاطم لو خلت الحسين مجدلا * وقد مات عطشانا بشط فرات
إذا للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي * نجوم سماوات بأرض فلات
( 1 )

 2 - ميمية الأمير أبي فراس الحمداني ( 320 - 357 ه‍ ) ، وهذه القصيدة تعرف بالشافية ، وهي من القصائد الخالدة ، وعليها مسحة البلاغة ، ورونق الجزالة ، وجودة السرد ، وقوة الحجة ، وفخامة المعنى ، أنشدها ناظمها لما وقف على قصيدة ابن سكرة العباسي التي مستهلها :

بني علي دعوا مقالتكم * لا ينقص الدر وضع من وضعه
قال الأمير في جوابه ميميته المعروفة وهي :
الحق مهتضم والدين مخترم * وفئ آل رسول الله مقتسم

 

( 1 ) لاحظ للوقوف على هذه القصيدة : المناقب لابن شهرآشوب 2 : 394 ، وروضة الواعظين للفتال النيسابوري : 194 ، وكشف الغمة للإربلي 3 : 112 - 117 ، وقد ذكرها أكثر المؤرخين . ( * )

 
 

- ص 54 -

إلى أن قال :
يا للرجال أما لله منتصر * من الطغاة ؟ أما لله منتقم ؟
بنو علي رعايا في ديارهم * والأمر تملكه النسوان والخدم !
( 1 )

 3 - جيمية ابن الرومي التي رثى بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد ، ومنها :

أمامك فانظر أي نهجيك تنهج * طريقان شتى مستقيم وأعوج
ألا أي هذا الناس طال ضريركم * بآل رسول الله فاخشوا أو ارتجوا
أكل أوان للنبي محمد * قتيل زكي بالدماء مضرج
( 2 )

وكم من الإنصاف فيما كتبه الأصبهاني عن مدى العب ء الذي تحمله أهل البيت وشيعتهم من أجل كلمة الحق ، وموقف الصدق ، وما ترتب على ذلك من تكالب لا يعرف الرحمة من قبل الحكومات الجائرة المتلاحقة للقضاء على هذا الوجود المقدس واجتثاثه من أصله ، حيث ذكر : " ولا يعرف التأريخ أسرة كأسرة أبي طالب بلغت الغاية من شرف الأرومة ، وطيب النجار ، ضل عنها حقها ، وجاهدت في سبيل الله حق الجهاد من الأعصار ، ثم لم تظفر من جهادها المرير إلا بالحسرات ، ولم تعقب من جهادها إلا العبرات ، على ما فقدت من أبطال أسالوا نفوسهم في ساحة الوغى ، راضية قلوبهم مطمئنة ضمائرهم ، وصافحوا الموت في بسالة فائقة ، وتلقوه في صبر جميل يثير في النفس الإعجاب والإكبار ، ويشيع فيها ألوان التقدير والإعظام .
وقد أسرف خصوم هذه الأسرة الطاهرة في محاربتها ، وأذاقوها ضروب

 

 ( 1 ) نقلها في الغدير برمتها وأخرج مصادرها ، لاحظ 3 : 399 - 402 .

( 2 ) مقاتل الطالبيين : 639 - 646 . ( * )  
 

- ص 55 -

النكال ، وصبوا عليها صنوف العذاب ، ولم يرقبوا فيها إلا ولا ذمة ، ولم يرعوا لها حقا ولا حرمة ، وأفرغوا بأسهم الشديد على النساء والأطفال ، والرجال جميعا ، في عنف لا يشوبه لين ، وقسوة لا تمازجها رحمة ، حتى غدت مصائب أهل البيت مضرب الأمثال ، في فظاعة النكال ، وقد فجرت هذه القسوة البالغة ينابيع الرحمة والمودة في قلوب الناس ، وأشاعت الأسف الممض في ضمائرهم ، وملأت عليهم أقطار نفوسهم شجنا ، وصارت مصارع هؤلاء الشهداء حديثا يروى ، وخبرا يتناقل ، وقصصا تقص ، يجد فيها الناس إرضاء عواطفهم وإرواء مشاعرهم ، فتطلبوه وحرصوا عليه " ( 1 ) .

نعم ، لقد اقترن تأريخ الشيعة بأنواع الظلم والنكال ، والقتل والتشريد ، بحيث لم تشهده أي طائفة أخرى من طوائف المسلمين .
بلى ، لم ير الأمويون ولا العباسيون ولا الملوك الغزانوة ولا السلاجقة ولا من أتى بعدهم أي حرمة لنفوسهم وأعراضهم وعلومهم ومكتباتهم ، فحين كان اليهود والنصارى يسرحون ويمرحون في أرض الإسلام والمسلمين ، وقد كفل لهم الحكام حرياتهم باسم الرحمة الإسلامية ، كان الشيعة يأخذون تحت كل حجر ومدر ، ويقتلون بالشبهة والظنة ، وتشرد أسرهم ، وتصادر أموالهم ، ولا يجدون بدا من أن يخفوا كثيرا من عقائدهم خوف النكال والقتل ، وبأيدي وقلوب نزعت منها الرحمة .

فلا تثريب إذن على الشيعي أمام هذه الوحشية المسرفة من أن يتعامل مع أخيه المسلم بالتقية ، وأن يظهر خلاف ما يعتقده ، بل اللوم أجمعه يقع على من حمله على ذلك ، بعد أن أباح دمه وعرضه وماله . هذا هو طغرل بيك أول ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447 ه‍ ،

 

( 1 ) مقدمة مقاتل الطالبيين ، بقلم السيد أحمد صقر : الصفحة ي - ك ، طبع دار المعرفة . ( * )

 
 

- ص 56 -

وشن على الشيعة حملة شعواء ، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير ، وزير بهاء الدولة البويهي ، وكانت من دور العلم المهمة في بغداد بناها هذا الوزير الجليل في محلة بين السورين في الكرخ سنة 381 ه‍ على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد ، وكانت من الأهمية العلمية بمكان ، حيث جمع فيها هذا الوزير ما تفرق من كتب فارس والعراق ، واستكتب تآليف أهل الهند والصين والروم ، كما قاله محمد كرد علي ، ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الأسفار ، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين ( 1 ) .

قال ياقوت الحموي : وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ، ولم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها ، كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة ( 2 ) .
وكان من جملتها مصاحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير ( 3 ) .
ولما كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب ، فقد أخذ العلماء يهدون إليه مصنفاتهم المختلفة ، فأصبحت مكتبته من أغني دور الكتب ببغداد ، وقد أحرقت هذه المكتبة العظيمة في جملة ما أحرق من محال الكرخ عند مجئ طغرل بيك ، وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى شيخ الطائفة وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام .

قال ابن الجوزي في حوادث سنة ( 448 ه‍ ) : وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ، ثم قال في حوادث سنة ( 449 ه‍ ) : وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة في الكرخ ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي يجلس عليه

 

( 1 ) خطط الشام 3 : 185 .

( 2 ) معجم البلدان 2 : 342 . ( 3 ) الكامل في التاريخ 10 : 3 . ( * )  
 

- ص 57 -

للكلام ، وأخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث مجانيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إن قصدوا زيارة الكوفة ، فأحرق الجميع ( 1 ) .

وأخيرا فلعل القارئ الكريم إذا تأمل بتدبر وتأن إلى جملة ما كتب وألف من المراجع التاريخية - وحتى تلك التي كتبت في تلك العصور التي شهدت هذه المجازر المتلاحقة ، والتي بلا أدنى شك كان أغلبها يجاري أهواء الأسر الحاكمة آنذاك - فإنه سيجد بوضوح أن بقاء الشيعة حتى هذه الأزمنة من المعاجز والكرامات وخوارق العادات ، كيف وإن تاريخهم كان سلسلة من عمليات الذبح ، والقتل ، والقمع ، والاستئصال ، والسحق ، والإبادة ، قد تظافرت قوى الكفر والفسق على إهلاكهم وقطع جذورهم ، ومع ذلك فقد كانت لهم دول ودويلات ، ومعاهد وكليات ، وبلدان وحضارات ، وأعلام ومفاخر ، وعباقرة وفلاسفة ، وفقهاء ، ومحدثون ، ووزراء وسياسيون ، ويؤلفون اليوم خمس المسلمين أو ربعهم .

نعم إن ذلك من فضله سبحانه لتعلق مشيئته على إبقاء الحق وإزهاق الباطل في ظل قيام الشيعة طيلة القرون بواجبها وهو الصمود أمام الظلم ، والتضحية والتفدية للمبدأ والمذهب وقد قال سبحانه : { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } ( 2 ) .

ولا يفوتنك أخي القارئ الكريم أن ثوراتهم المتعاقبة على الحكومات الظالمة الفاسدة الخارجة عن حدود الشريعة الإسلامية العظيمة هي التي أدت إلى تشريدهم وقتلهم والفتك بهم ، ولو أنهم ساوموا السلطة الأموية والعباسية ،

 

( 1 ) المنتظم 8 : 173 - 179 ، نقلنا ما يتعلق بمكتبة أبي نصر سابور والشيخ الطوسي عن مقدمة شيخنا الطهراني على التبيان وذكرنا المصادر التي أومأ هو إليها في الهامش ، لاحظ الصفحة ( ه‍ - و ) من المقدمة .
( 2 ) الأنفال : 65 . ( * )

 
 

- ص 58 -

لكانوا في أعلى المناصب والمدارج ، لكن ثوراتهم لم تكن عنصرية أو قومية أو طلبا للرئاسة ، بل كانت لإزهاق الباطل ورفع الظلم عن المجتمع ، والدعوة إلى إعلاء كلمة الله وغير ذلك مما هو من وظائف العلماء العارفين .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب