- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 59 :

فرضيات وهمية لمبدأ التشيع

فرضيات وهمية لمبدأ التشيع
لقد تقدم الحديث منا في الصفحات السابقة حول ما يمكن تسميته بنشأة التشيع ، والتي تبين لنا بوضوح أنه لا فصل هنا بين النشأتين ، نشأة الإسلام ، ونشأة التشيع ، وأنهما وجهان لعملة واحدة ، إلا أن هناك جماعة من المؤرخين وكتاب المقالات ممن قادهم الوهم وسوء الفهم إلى اعتبار التشيع أمرا حادثا وطارئ على المجتمع الإسلامي ، فأخذوا يفتشون عن مبدئه ومصدره ، وأشد تلك الظنون عدوانية فيه ما تلوكه أشداق بعض المتقدمين والمتأخرين ، هو كونه وليد عبد الله ابن سبأ ذلك الرجل اليهودي ، الذي - بزعمهم - طاف الشرق والغرب ، وأفسد الأمور على الخلفاء والمسلمين ، وألب الصحابة والتابعين على عثمان فقتل في عقر داره ، ثم دعا إلى علي بالإمامة والوصاية ، وإلى النبي بالرجعة ، وكون مذهبا باسم الشيعة ، فهو كما يتصور هؤلاء وصوروه لغيرهم صنيع ذلك الرجل اليهودي المتظاهر بالإسلام .

وبما أن لهذا الموضوع أهمية خاصة لما احتله من المساحة الواسعة في أذهان العديد من السذج والسطحيين ، فإنا لا نكتفي ببيان توهم واحد بل نأتي على ذكر كل تلك الادعاءات واحدة بعد الأخرى ، مع رعاية التسلسل الزمني .

- ص 60 -

الفرضية الأولى : الشيعة ويوم السقيفة

ليس بخاف على أحد مدى الانعطافة الخطيرة التي حدثت في تأريخ الإسلام عقب انتهاء مؤتمر سقيفة بني ساعدة ، وما ترتب عليه من نتائج وقرارات خطيرة . والحق يقال إن هذا المؤتمر الذي ضم بين صفوفه ثلة كبيرة من وجوه الصحابة - من المهاجرين والأنصار - قد أغفل عند انعقاده الواجب الأعظم في إكرام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صاحب الفضل الأكبر فيما وصل إليه الجميع - عندما ترك مسجى بين يدي أهل بيته وانشغلوا بما كان من غير الإنصاف أن ينسب إليه ( صلى الله عليه وآله ) من قصور لا عذر فيه في ترك الأمة حائرة به بعد موته .

أقول : ونتيجة لانشغالهم ذاك فقد حرموا من واجب إكرام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) جله ، ففاتهم أعظمه ، وقصروا في تأديته ، وكان لأهل بيته وحدهم ذلك الدور كله ، فأوفوه ، ولم يألوا في ذلك جهدا .

وإذا كان المؤتمرون في السقيفة قد خرجوا إلى الملأ بقرار كان ثمرة مخاض عسير واعتراك صعب ، فإنه أوضح وبلا أدنى ريب تبعثر الآراء واختلافها ، بل وظروف خطرة كان من الممكن أن تودي بالجهد العظيم الذي بذله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن معه من المؤمنين في إرساء دعائم هذا الدين وتثبيت أركانه ، وأوضحت - وذاك لا خفاء عليه - أن من غير المنطقي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يرحل - مع أنه لم يفاجئه الموت - دون أن يدرك هذه الحقيقة التي ليس هو ببعيد عنها ، ولا يمكن أن يتغاضى عنها ، وهو الذي ما خرج في أمر جسيم إلا وخلف عنه من ينوبه في إدارة شؤون الأمة في فترة غيابه التي لا يلبث أن يعود منها بعد أيام معدودات ، فكيف بالرحيل الأبدي ؟ ! نعم إن هذا الأمر لا بد وإن يستوقف كل ذي لب وعقل مستنير .

- ص 61 -

كما أن الاستقراء المتأني لأحداث السقيفة قد أوضح وبقوة في أثناء المؤتمر وبعده وجود تيار قوي ومتماسك تبنته جملة من وجوه الصحابة ومتقدميها ، وعمدت إلى التذكير بوجوده والإجهار به ، ولو قادهم هذا الأمر إلى الاقتتال دون تنفيذه ، وذاك الأمر هو الإصرار على إيكال أمر الخلافة إلى علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) دون غيره ، رغم ابتعاده ( عليه السلام ) عن ساحة الاعتراك وميدان التنازع في تلك السقيفة .

ولعل تمسك هذه الثلة من الصحابة بموقفها من بيعة الإمام دون غيره هو ما دفع بعض المؤرخين إلى الذهاب بأن التشيع كان وليد هذا المؤتمر ونتاج مخاضه ، وأن يليهم آخرون يتعبدون بهذا الرأي ويرتبون من خلاله تصوراتهم وأفكارهم ، فيتشعب ذلك إلى جملة واسعة من المتبنيات غير الواقعية والقائمة على أرض واسعة من الأوهام والاسترسال غير المنطقي .

ولعل هذا التصورات تعتمد في فهمها أساسا لمبدأ نشأة التشيع على ما رواه الطبري وغيره عن مجريات هذا المؤتمر وما ترتب عليه من نتائج ، دون أن تمد بصرها إلى أبعد من هذه النقطة اللامعة التي أعمتهم عن التأمل في أبعادها .

قال الطبري : اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منا الأمراء ومنكم الوزراء - إلى أن قال : - فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار - أو بعض الأنصار - : لا نبايع إلا عليا .

ثم قال ( أي الطبري ) : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة : فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر ، فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه . وقال أيضا : وتخلف علي والزبير ، واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى

- ص 62 -

يبايع علي . فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقالا : خذوا سيف الزبير ( 1 ) .

وقال اليعقوبي في تأريخه : ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم : العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والبراء ابن عازب ، وأبي بن كعب ( 2 ) .

وروى الزبير بن بكار في الموفقيات : إن عامة المهاجرين وجل الأنصار كانوا لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر .

وروى الجوهري في كتاب السقيفة : أن سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا عليا . وروى أيضا : أنه لما بويع أبو بكر واستقر أمره ، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ، ولام بعضهم بعضا ، وهتفوا باسم الإمام علي ، ولكنه لم يوافقهم ( 3 ) .

وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : كان أبو ذر وقت أخذ البيعة غائبا عن هذه الأحداث ، فلما جاء قال : أصبتم قناعة ، وتركتم قرابة ، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم الاثنان .
وقال سلمان : أصبتم ذا السن ، وأخطأتم المعدن ، أما لو جعلتموه فيهم ما اختلف منكم اثنان ، ولأكلتموها رغدا .
وهكذا فمن خلال هذه النصوص المتقدمة وغيرها اعتقد ذاك البعض - الذي أشرنا إليه سابقا - أن مبتدأ التشيع ونشأته كان في تلك اللحظات الحرجة في تأريخ الإسلام ، متناسين أن ما اعتمدوه في بناء تصوراتهم هو ما ينقضها ويثبت بطلانها ،

 

( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 443 - 444 .
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 103 ط النجف .

( 3 ) أنظر ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 6 : 43 - 44 . ( * )  
 

- ص 63 -

فإن المتأمل في هذه النصوص يظهر له وبوضوح أن فكرة التشيع لعلي ليست وليدة هذا الظرف المعقد ، وثمرة اعتلاجه ، ونقيض تصوره ، بقدر ما تؤكد على أن هذه الفكرة كانت مختمرة في أذهانهم ومركوزة في عقولهم ولسنين طوال ، فلما رأت هذه الجماعة انصراف الأمر إلى جهة لم تكن في حساباتهم ولا في حدود تصوراتهم ، وانحساره عما كان معهودا به إليهم ، عمدوا إلى التمسك به بالاجتماع في بيت علي والإعلان صراحة عن موقفهم ومعتقدهم .

نعم إن من غير المتوقع والمعهود أن يجتمع رأي هذه الجماعة - التي تؤلف خلاصة غنية من متقدمي الصحابة - على هذا الأمر في تلك اللحظات المضطربة والمليئة بالمفاجئات ، وأن يترتب عليه موقف موحد ثابت ، فهذا الأمر يدل بوضوح على أنه ما كان وليد يومه ونتاج مخاضه .

ومما يؤكد ذلك ويقوي أركانه ما نقلته جميع مصادر الحديث المختلفة من نداءات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتوصياته بحق علي وعترته وشيعته في أكثر من مناسبة ومكان ، وما كان يشير إليه ( صلى الله عليه وآله ) من فضل شيعة علي ومكانتهم ، والتأكيد على وجوب ملازمتهم ، وفي هذا دلالة لا تقبل النقض على أن التشيع ما كان وليد السقيفة أو ردة رافضة آنية لمجريات أحداثها ، بل إن هذا الوجود يمتد عمقا مع نشأة الإسلام واشتداد عوده في زمن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) وحياته المباركة المقدسة .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب