- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 388 :

المسألة الثانية : عصمة الإمام

تفردت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بإيجابها عصمة الإمام من الذنب والخطأ ، مع اتفاق غيرهم على عدمها . قال الشيخ المفيد : إن الأئمة معصومون كعصمة الأنبياء ، ولا تجوز عليهم صغيرة إلا ما قدم ذكر جوازه على الأنبياء ، ولا ينسون شيئا من الأحكام ، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي ، ولا كون المعصوم مضطرا إلى فعل الطاعات ، فإن ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب .
هذه هي عقيدة الإمامية في الإمامة ، وقد استدلوا عليها بوجوه من العقل والسمع .

أما العقل فقالوا : إن الإمام منفذ لما جاء به الرسول ، وحافظ للشرع ، وقائم بمهام الرسول كلها ، فلو جاز عليه الخطأ والكذب ، لا يحصل الغرض من إمامته .

حقيقة العصمة

العصمة قوة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ ، حيث لا يترك واجبا ، ولا يفعل محرما ، مع قدرته على الترك والفعل ، وإلا لم يستحق مدحا ولا

- ص 389 -

ثوابا ، وإن شئت قلت : إن المعصوم قد بلغ من التقوى حدا لا تتغلب عليه الشهوات والأهواء ، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبدا .

وليست العصمة فكرة ابتدعتها الشيعة ، وإنما دلهم عليها في حق العترة الطاهرة كتاب الله وسنة رسوله ، قال سبحانه : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا " ( 1 ) وليس المراد من الرجس إلا الرجس المعنوي ، وأظهره هو الفسق .

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار " ( 2 ) ومن دار معه الحق كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطأ ، وقوله ( صلى الله عليه وآله ) في حق العترة : " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا " ( 3 ) فإذا كانت العترة عدل القرآن والقرآن هو كلام الله تعالى ، فمن المنطقي أن تكون معصومة كالكتاب ، لا يخالف أحدهما الآخر .

وإذا توضحت الصورة الحقيقية لتبلور عقيدة العصمة عند الشيعة ، وإن منشأها هو الكتاب والسنة ، فإن هذا الوضوح لم يتحسسه البعض ، بل ولم يكلف نفسه عناء التثبت من حقيقة مدعياته وتصوراته ، حيث يقول : " إن عقيدة العصمة تسربت إلى الشيعة من الفرس الذين نشأوا على تقديس الحاكم ، لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية ، ولا أعرف أحدا من العرب قال ذلك في حدود اطلاعي ، ولعل غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه علي من الخطأ حتى يتضح للملأ عدوان بني أمية في اغتصاب الخلافة .

 

( 1 ) الأحزاب : 33 .
( 2 ) حديث مستفيض ، رواه الخطيب في تاريخه 14 : 321 والهيثمي في مجمعه 7 : 236 وغيرهما .
( 3 ) حديث متواتر ، أخرجه مسلم في صحيحه ، والدارمي في فضائل القرآن ، وأحمد في مسنده 2 : 114 وغيرهم . ( * )

 
 

- ص 390 -

هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب التي تسربت إلى الشيعة " ( 1 ) .

هكذا ودون أي دليل وبينة متناسيا أن جميع المسلمين يذهبون إلى عصمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا يختلف في ذلك أحد ، فهل إن هذه الفكرة تسربت إلى أهل السنة من اليهود ؟ ! أو أن المسلمين أرادوا بذلك إيضاح عداوة قريش للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ؟ أو غير ذلك من التخرصات الباطلة ؟ ! ! لا والله إنها عقيدة إسلامية واقتبسها القوم من الكتاب والسنة من دون أخذ من اليهود والفرس ، فما ذكره الكاتب تخرص بالغيب ، بل فرية واضحة .

إن الاختلاف في لزوم توصيف الإمام وعدمه ، ينشأ من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول وماهيتها وحقيقتها كما أشرنا إلى ذلك سابقا ، فمن تلقى الإمامة - بعد الرسول - بأنها مقام عرفي لتأمين السبل ، وتعمير البلاد ، وإجراء الحدود ، فشأنه شأن سائر الحكام العرفيين .

وأما من رأى الإمامة بأنها استمرار لتحقيق وظيفة الرسالة ، وأن الإمام ليس نبيا ولا يوحى إليه ، لكنه مكلف بمل ء الفراغات الحاصلة برحلة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فلا محيص له عن الالتزام بها ، لأن الغاية المنشودة لا تحصل بلا تسديد إلهي كما سيوافيك ، نعم إن أهل السنة يتحرجون من توصيف الإمام بالعصمة ، ويتصورون أن ذلك يلازم النبوة ، وما هذا إلا أنهم لا يفرقون بين الإمامتين ، وأن لكل معطياته . والتفصيل موكول إلى محله .

الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمكن الاستدلال على لزوم العصمة في الإمام بوجوه متعددة نورد أهمها :
 الأول : إن الإمامة إذا كانت استمرارا لوظيفة النبوة والرسالة ، وكان الإمام

 

( 1 ) الدكتور نبيه حجاب : مظاهر الشعوبية في الأدب العربي : 492 ، كما في هوية التشيع : 166 . ( * )

 
 

- ص 391 -

يملأ جميع الفراغات الحاصلة جراء رحلة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، فلا مناص من لزوم عصمته ، وذلك لأن تجويز المعصية يتنافى مع الغاية التي لأجلها نصبه الله سبحانه إماما للأمة ، فإن الغاية هي هداية الأمة إلى الطريق المهيع ، ولا يحصل ذلك إلا بالوثوق بقوله ، والاطمئنان بصحة كلامه ، فإذا جاز على الإمام الخطأ والنسيان ، والمعصية والخلاف ، لم يحصل الوثوق بأفعاله وأقواله ، وضعفت ثقة الناس به ، فتنتفي الغاية من نصبه ، وهذا نفس الدليل الذي استدل به المتكلمون على عصمة الأنبياء ، والإمام وإن لم يكن رسولا ولا نبيا ولكنه قائم بوظائفهما .

نعم لو كانت وظيفة الإمام مقتصرة على تأمين السبل وغزو العدو والانتصاف للمظلوم وما أشبه ذلك ، لكفى فيه كونه رجلا عادلا قائما بالوظائف الدينية ، وأما إذا كانت وظيفته أوسع من ذلك - كما هو الحال في مورد النبي ( صلى الله عليه وآله ) - فكون الإمام عادلا قائما بالوظائف الدينية ، غير كاف في تحقيق الهدف المنشود من نصب الإمام .

فقد كان النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) يفسر القرآن الكريم ويشرح مقاصده وأهدافه ويبين أسراره ، كما كان يجيب على الأسئلة في مجال الموضوعات المستحدثة ، وكان يرد على الشبهات والتشكيكات التي كان يلقيها أعداء الإسلام ، وكان يصون الدين من محاولات التحريف والتغيير ، وكان يربي المسلمين ويهذبهم ويدفعهم نحو التكامل . فالفراغات الحاصلة من رحلة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) لا تسد إلا بوجود إنسان مثالي يقوم بتلك الواجبات ، وهو فرع كونه معصوما عن الخطأ والعصيان ( 1 ) .

 الثاني : قوله سبحانه : { أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ "} ( 2 ) . والاستدلال مبني على دعامتين :

 

( 1 ) هذا إجمال ما أوضحناه في بحوثنا الكلامية ، فلاحظ الإلهيات 2 : 528 - 539 .    ( 2 ) النساء : 59 . ( * )

 
 

- ص 392 -

 1 - إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر على وجه الإطلاق ، أي في جميع الأزمنة والأمكنة ، وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم يقيد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشئ كما هو مقتضى الآية .

 2 - إن من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان : { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } ( 1 ) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداء من دون تدخل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أولي الأمر .

فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين ( وجوب إطاعة أولي الأمر على وجه الإطلاق ، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان ) أن يتصف أولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربانية ، تصدهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة .

وليس هذا إلا عبارة أخرى عن كونهم معصومين ، وإلا فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية ، لما صح الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط .
فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلق على خصوصية تصده عن الأمر بغير الطاعة .

وممن صرح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن أذكر نصه حتى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته ، قال : إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهي عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنه محال ، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل

 

( 1 ) الزمر : 7 . ( * )

 
 

- ص 393 -

الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ ، فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوما ( 1 ) .

بيد أن الرازي ، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة المؤكدة لوجوب العصمة بدأ يتهرب من تبعة هذا الأمر ، ولم يستثمر نتائج أفكاره ، لا لسبب إلا لأنها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة ، فأخذ يؤول الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته ، حيث استدرك قائلا بأنا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليه ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضا من أبعاض الأمة ، بل المراد هو أهل الحل والعقد من الأمة .

إلا أن ادعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القوية التي لا خفاء عليها ، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه ، فإنه إذا دلت الآية على عصمة أولي الأمر فيجب علينا التعرف عليهم ، وادعاء العجز هروب من الحقيقة ، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية ؟ لا أظن أن يقول الرازي بالثاني .

فعليه أن يتعرف على المعصوم في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعصر نزول الآية ، وبالتعرف عليه يعرف معصوم زمانه ، حلقة بعد أخرى ، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثم لا يقوم بتعريفه حين النزول ، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أولي الأمر فإنه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، إذ لا معنى أن يأمر الله سبحانه بإطاعة المعصوم ، ولا يقوم بتعريفه .
ثم إن تفسير { َأُوْلِي الأَمْرِ } بأهل الحل والعقد ، تفسير للغامض - حسب نظر

 

( 1 ) مفاتيح الغيب 10 : 144 . ( * )

 
 

- ص 394 -

الرازي - بما هو أشد غموضا ، إذ هو ليس بأوضح من الأول ، فهل المراد منهم : العساكر والضباط ، أو العلماء والمحدثون ، أو الحكام والسياسيون ، أو الكل ؟ وهل اتفق إجماعهم على شئ ، ولم يخالفهم لفيف من المسلمين ؟ إذا كانت العصمة ثابتة للأمة عند الرازي كما علمت ، فهناك من يرى العصمة لجماعة من الأمة كالقراء والفقهاء والمحدثين ، هذا هو ابن تيمية يقول في رده على الشيعة عند قولهم : إن وجود الإمام المعصوم لا بد منه بعد موت النبي يكون حافظا للشريعة ومبينا أحكامها خصوصا أحكام الموضوعات المتجددة ، حيث يقول : إن أهل السنة لا يسلمون أن يكون الإمام حافظا للشرع بعد انقطاع الوحي ، وذلك لأنه حاصل للمجموع ، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيرا من نقل الواحد ، فالقراء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه ، والمحدثون معصومون في حفظ الأحاديث وتبليغها ، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال ( 1 ) .

وهذا الرأي أغرب من سابقه وأضعف حجة ! فكيف يدعي العصمة لهذه الطوائف مع أنهم غارقون في الاختلاف في القراءة والتفسير ، والحديث والأثر ، والحكم والفتوى ، والعقيدة والنظر ؟ ولو أغمضنا عن ذلك ، فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف ، خصوصا على قول البعض بأن القول بالعصمة تسرب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية ؟ الثالث : قوله سبحانه : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ " ( 2 ) .
والاستدلال بالآية على عصمة الإمام يتوقف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية وأن المقصود منها غير النبوة وغير الرسالة ، فأما الأول فهو عبارة

 

( 1 ) ابن تيمية : منهاج السنة كما في نظرية الإمامة : 120 .

( 2 ) البقرة : 124 . ( * )  
 

- ص 395 -

عن منصب تحمل الوحي ، وأما الثاني فهو عبارة عن منصب إبلاغه إلى الناس . والإمامة المعطاة للخليل في أخريات عمره غير هذه وتلك ، لأنه كان نبيا ورسولا وقائما بوظائفهما طيلة سنين حتى خوطب بهذه الآية ، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة ، وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوة وقدرة ، ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث قوله سبحانه : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا } ( 1 ) .

فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذريته هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية . وعلينا الفحص عن المراد بالملك العظيم ، إذ عند ذلك يتضح أن مقام الإمامة يلي النبوة والرسالة ، وإنما هو قيادة حكيمة ، وحكومة إلهية ، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة ، والله سبحانه يوضح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية :
 1 - يقول سبحانه - حاكيا قول يوسف ( عليه السلام ) - : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } ( 2 ) ومن المعلوم أن الملك الذي من به سبحانه على عبده يوسف ليس هو النبوة ، بل الحاكمية ، حيث صار أمينا مكينا في الأرض ، لقوله : " وعلمتني من تأويل الأحاديث " إشارة إلى نبوته ، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته .

 2 - ويقول سبحانه في داود ( عليه السلام ) : { وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } ( 3 ) ويقول سبحانه : { وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ } ( 4 ) .

 3 - ويحكي الله تعالى عن سليمان ( عليه السلام ) أنه قال : { وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ  } ( 5 ) .

 

( 1 ) النساء : 54 . ( 2 ) يوسف : 101 . ( 3 ) البقرة : 251 . ( 4 ) ص : 20 . ( 5 ) ص : 35 . ( * )

 
 

- ص 396 -

والتأمل في هذه الآيات الكريمة يفسر لنا حقيقة الإمامة باعتبار الملاحظات التالية :
 أ - إن إبراهيم طلب الإمامة لذريته وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم .
 ب - إن مجموعة من ذريته ، كيوسف وداود وسليمان ، نالوا - وراء النبوة والرسالة - منصب الحكومة والقيادة .
 ج - إنه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب ، والحكمة ، والملك العظيم .
فمن ضم هذه الأمور بعضها إلى بعض ، يخرج بهذه النتيجة : أن ملاك الإمامة في ذرية إبراهيم هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع ، وهذه هي حقيقة الإمامة ، غير أنها ربما تجتمع مع المقامين الآخرين ، كما في الخليل ، ويوسف ، وداود ، وسليمان ، وغيرهم ، وربما تنفصل عنهما كما في قوله سبحانه : { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } ( 1 ) .

والإمامة التي يتبناها المسلمون بعد رحلة النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) تتحد واقعيتها مع هذه الإمامة .

ما هو المراد من الظالم ؟ قد تعرفت على المقصود من جعل إبراهيم ( عليه السلام ) إماما للناس ، وأن المراد هو القيادة الإلهية وسوق الناس إلى السعادة بقوة وقدرة ومنعة .
بقي الكلام في تفسير الظالم الذي ليس له من الإمامة سهم ، فنقول :

 

( 1 ) البقرة : 247 . ( * )

 
 

- ص 397 -

لما خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله ، ونصبه إماما للناس ، ودعا إبراهيم أن يجعل من ذريته إماما ، أجيب بأن الإمامة منصب إلهي لا يناله الظالمون ، لأن الإمام هو المطاع بين الناس ، المتصرف في الأموال والنفوس ، فيجب أن يكون على الصراط السوي والظالم المتجاوز عن الحد لا يصلح لهذا المنصب .

كما أن الظالم الناكث لعهد الله ، والناقض لقوانينه وحدوده ، على شفا جرف هار ، لا يؤتمن عليه ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة ، لأنه على مقربة من الخيانة والتعدي ، وعلى استعداد لأن يقع أداة للجائرين ، فكيف يصح في منطق العقل أن يكون إماما مطاعا ، نافذ القول ، مشروع التصرف ، وعلى ذلك ، فكل من ارتكب ظلما ، وتجاوز حدا في يوم من أيام عمره ، أو عبد صنما ، أو لاذ إلى وثن - وبالجملة ارتكب ما هو حرام فضلا عما هو شرك وكفر - ينادى من فوق العرش في حقه : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } من غير فرق بين صلاح حالهم بعد تلك الفترة ، أو البقاء على ما كانوا عليه . نعم اعترض " الجصاص " على هذا الاستدلال وقال : " إن الآية إنما تشمل من كان مقيما على الظلم وأما التائب منه فلا يتعلق به الحكم ، لأن الحكم إذا كان معلقا على صفة ، وزالت تلك الصفة ، زال الحكم .

ألا ترى أن قوله : { وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ } ( 1 ) إنما ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم ، فقوله تعالى : { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } لم ينف به العهد عمن تاب عن ظلمه ، لأنه في هذه الحالة لا يسمى ظالما ، كما لا يسمى من تاب من الكفر كافرا " ( 2 ) .
إلا أنه يلاحظ عليه : أن قوله : " الحكم يدور مدار وجود الموضوع " ليس

 

( 1 ) هود : 113 .

( 2 ) تفسير آيات الأحكام 1 : 72 . ( * )  
 

- ص 398 -

ضابطا كليا ، بل الأحكام على قسمين : قسم كذلك ، وآخر يكفي فيه اتصاف الموضوع بالوصف والعنوان آنا ما ، ولحظة خاصة ، وإن انتفى بعد الاتصاف ، فقوله : " الخمر حرام " ، أو " في سائمة الغنم زكاة " من قبيل القسم الأول ، وأما قوله : " الزاني يحد " ، و " السارق يقطع " فالمراد منه أن الإنسان المتلبس بالزنا أو السرقة يكون محكوما بهما وإن زال العنوان وتاب السارق والزاني ، ومثله : " المستطيع يجب عليه الحج " فالحكم ثابت ، وإن زالت عنه الاستطاعة عن تقصير لا عن قصور .

وعلى ذلك فالمدعى أن : " الظالمين " في الآية المباركة كالسارق والسارقة والزاني والزانية وغيرها من الموارد المشابهة لها .
نعم المهم في المقام إثبات أن الموضوع في الآية من قبيل الثاني ، وأن التلبس بالظلم - ولو آنا ما - يسلب عن الإنسان صلاحية الإمامة ، وإن تاب من ذنبه ، فإن الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة :
 1 - من كان طيلة عمره ظالما .
 2 - من كان طاهرا ونقيا في جميع فترات عمره .
 3 - من كان ظالما في بداية عمره ، وتائبا في آخره .
 4 - من كان طاهرا في بداية عمره ، وظالما في آخره .
عند ذلك يجب أن نقف على أن إبراهيم ( عليه السلام ) ، الذي سأل الإمامة لبعض ذريته ، أي قسم منها أراد ؟ إن من غير المعقول والبديهي أن يسأل خليل الله تعالى الإمامة لأصحاب القسمين الأول والرابع من ذريته ، لوضوح أن الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره ، أو المتصف به أيام تصديه للإمامة ، لا يصلح لأن يؤتمن عليها . ولما كان الله تعالى قد نفى امتلاك الإمامة من قبل الظالم وهو ما سبق أن وقع

- ص 399 -

في تسميته أصحاب القسم الثالث ، في حين يقابله في القسم الثاني من هو برئ عن الظلم مطلقا طيلة عمره ، وتتمثل فيه جميع الصفات المطلوبة والمحددة في الآية الكريمة ، فلا مناص من الجزم بتعلقها بالقسم الثاني وحده دون باقي الأقسام .

العصمة في القول والرأي : إن الأئمة معصومون عن العصيان والمخالفة أولا ، وعن الخطأ والزلة في القول ثانيا ، وما ذلك إلا لأن كل إمام من الأول إلى الثاني عشر ، قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكل ما في هذين الأصلين ، بحيث لا يشذ عن علمهم معنى آية من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا ، ولا شئ من سنة رسول الله قولا وفعلا وتقريرا ، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنة فضلا وعلما ، ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعا بعد جدهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) باتفاق الجميع المطلق دليلا واضحا على أنهم هم الأئمة المعصومون وقادة المسلمين بعد غياب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحتى قيام يوم الدين .

وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنة وفهموها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تماما ( 1 ) كما أخذها ووعاها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل ، وكما وعاها جبرئيل عن الله ، ولا فرق أبدا في شئ إلا بالواسطة .
نعم أخذ علي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأخذ الحسن عن أبيه ، وهكذا كل إمام يأخذ عن أبيه ، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة ، لم يأخذ أحد منهم ( عليهم السلام )

 

( 1 ) أو إلهاما غيبيا لأنهم محدثون ، كما أن مريم كانت محدثة ، وفي صحيح البخاري : عن أبي هريرة قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أمتي منهم أحد فعمر " . صحيح البخاري 2 : 194 باب مناقب عمر بن الخطاب . ( * )

 
 

- ص 400 -

عن صحابي ولا تابعي أبدا ، بل أخذ الجميع عنهم ، ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقاها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من لدن حكيم خبير .
قال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : " لو كنا نحدث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ، ولكن نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم " ( 1 ) .

 

( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة والتشيع 44 . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب