- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 434 :

البداء في الروايات

وأما الأحاديث التي تدل على هذا المطلب فكثيرة جدا مبعثرة في كتب الحديث تحت مواضيع مختلفة مثل الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم ، وما أشبه ذلك ، وسنذكر فيما يلي نماذج مختلفة من الأحاديث الدالة على هذه المطالب :

ألف - الصدقة وأثرها في دفع البلاء : روى الصدوق في الخصال عن أنس قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " أكثر من صدقة السر ، فإنها تطفئ غضب الرب جل جلاله " .

وروى في عيون الأخبار عن الرضا عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " باكروا بالصدقة ، فمن باكر بها لم يتخطاها البلاء " .

وروى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر ( عليه السلام ) قال : " قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : أفضل ما توسل به المتوسلون الإيمان بالله ، وصدقة السر ، فإنها تذهب الخطيئة ، وتطفئ غضب الرب ، وصنائع المعروف ، فإنها تدفع ميتة السوء ، وتقي مصارع الهوان " .

وروى الصدوق في ثواب الأعمال عن الصادق ( عليه السلام ) : قال : " الصدقة باليد تدفع ميتة السوء ، وتدفع سبعين نوعا من أنواع البلاء " . إلى غير ذلك من الروايات المتعددة والتي يضيق المجال بذكرها ، وللمستزيد

- ص 435 -

الرجوع إلى كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي ضمن أبواب الزكاة والصدقة وغيرها ( 1 ) .

 ب - أثر الاستغفار في الرزق : روى الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : " الاستغفار يزيد في الرزق " .
وروى أيضا عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " أكثروا الاستغفار ، تجلبوا الرزق " ( 2 ) .

 ج - الدعاء وآثاره : روى الحميري في قرب الإسناد عن الصادق ( عليه السلام ) : " إن الدعاء يرد القضاء ، وإن المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق " ( 3 ) .
وروى أيضا عنه ( عليه السلام ) : قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " داووا مرضاكم بالصدقة ، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء " .
وروى الصدوق عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء " ( 4 ) .
قد عقد الكليني في الكافي بابا أسماه " إن الدعاء يرد البلاء والقضاء " ومن جملة أحاديث هذا الباب : روي عن حماد بن عثمان قال : سمعته يقول : " إن الدعاء يرد القضاء ، ينقضه كما ينقض السلك وقد أبرم إبراما " ( 5 ) .

 

( 1 ) بحار الأنوار : الجزء 93 الباب 21 ، الأحاديث 4 ، 7 ، 9 ، 26 وروى هناك أحاديث أخرى .
( 2 ) المصدر نفسه كتاب الذكر والدعاء باب الاستغفار وفضله وأنواعه ، الحديث 4 - 17 ( وروى أحاديث من الفريقين ) .
( 3 ) قرب الإسناد : 32 / 104 ط مؤسسة آل البيت - قم .
( 4 ) البحار ج 93 كتاب الذكر والدعاء ، أبواب الدعاء . الباب 16 / ح 2 ، 3 ، 5 ( وروى أحاديث من الفريقين ) .
( 5 ) الكافي ج 2 باب إن الدعاء يرد القضاء : 469 / 1 . ( * )

 
 

- ص 436 -

وروى عن أبي الحسن موسى ( عليه السلام ) : " عليكم بالدعاء ، فإن الدعاء لله والطلب إلى الله يرد البلاء وقد قدر وقضى ولم يبق إلا إمضاؤه ، فإذا دعي الله عز وجل وسئل ، صرف البلاء صرفة " ( 1 ) .

وأما من طرق العامة فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال : " لا ينفع الحذر عن القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر " .
قال : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ، وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : ما دعا عبد بهذه الدعوات إلا وسع الله له في معيشته : " يا ذا المن ولا يمن عليه ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا ذا الطول ، لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ، ومأمن الخائفين ، إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا فامح عني اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيدا ، وإن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروما ، مقترا على رزقي ، فامح حرماني ، ويسر رزقي ، وأثبتني عندك سعيدا موفقا للخير ، فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } ( 2 ) .
وروى أيضا في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : { يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ } ما يقرب من هذا ، فلاحظ ( 3 ) .

 د - أثر صلة الرحم : روى الكليني عن أبي الحسن الرضا قال : " يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيرها الله ثلاثين سنة ، ويفعل الله ما يشاء " ( 4 ) .

 

( 1 ) الكافي ج 2 باب إن الدعاء يرد القضاء : 470 / 8 .
( 2 ) السيوطي ، الدر المنثور 4 : 66 .

( 3 ) المصدر نفسه 6 : 143 .
( 4 ) الكافي 2 ، باب صلة الرحم ، الحديث 3 . ( * )
 
 

- ص 437 -

وروى أيضا عن أبي جعفر قال : " صلة الأرحام تزكي الأعمال ، وتنمي الأموال وتدفع البلوى ، وتيسر الحساب ، وتنسئ في الآجال " ( 1 ) .

ومن طرق العامة وردت روايات متعددة في هذا المنحى ، نكتفي منها بما رواه السيوطي في الدر المنثور عن علي ( رضي الله عنه ) : أنه سأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن هذه الآية : { يَمْحُو اللّهُ } فقال له : " لأقرن عينيك بتفسيرها ، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبر الوالدين ، واصطناع المعروف يحول الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء " .

وكما أن للأعمال الصالحة أثرا في المصير وحسن العاقبة ، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق ، كذلك الأعمال الطالحة والسيئات لها من التأثير المعاكس الذي لا يخفى على أحد في مسيرة حياة الإنسان . ويدل على ذلك من الآيات قوله سبحانه : { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } ( 2 ) .
وقال سبحانه : { ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } ( 3 ) .
وقال سبحانه : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } ( 4 ) .

أما الروايات في ذلك فحدث عنها ولا حرج منها ما روي عن أمير المؤمنين

 

( 1 ) الكافي 2 ، باب صلة الرحم ، الحديث 4 ولاحظ البحار ج 4 باب البداء 121 ، الحديث 66 .
( 2 ) النحل : 112 .

( 3 ) الأنفال : 53 .
( 4 ) الأعراف : 130 . ( * )
 
 

- ص 438 -

علي ( عليه السلام ) عندما قال في خطبة له : " أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء " فقام إليه عبد الله بن الكواء اليشكري ، فقال : يا أمير المؤمنين أو تكون ذنوب تعجل الفناء ؟ فقال : " نعم ويلك ! قطيعة الرحم " . وقال أيضا : " إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار " ( 1 ) .

وقد وردت في الآثار الوضعية للأعمال روايات يطول الكلام بنقلها . فلاحظ ما ورد في الزنا من أن فيه ست خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة ، أما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء ويعجل الفناء ويقطع الرزق ( 2 ) .

وأيضا ما ورد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) من أنه قال : " لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ، أو لتستعملن عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم " ( 3 ) .

وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : " إنهم لما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار نزلت بهم العقوبات " ( 4 ) .

ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " لا تزال أمتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء " ( 5 ) إلى غير ذلك من درر الكلمات التي نقلت عن معادنها .

فقد تحصل مما ذكرنا :
 أولا : أن علمه سبحانه يعم كل الأشياء ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها .

 

( 1 ) الكافي ج 2 كتاب الإيمان والكفر ، باب قطيعة الرحم ، الحديث 7 - 8 .
( 2 ) سفينة البحار 1 : 560 مادة ( زنا ) .
( 3 ) الوسائل ج 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الباب 1 الحديث 4 .

( 4 ) المصدر نفسه ، الحديث 7 .
( 5 ) المصدر نفسه ، الحديث 18 . ( * )
 
 

- ص 439 -

 وثانيا : أنه سبحانه كل يوم هو في شأن .
 وثالثا : أن لأفعال العباد تأثيرا في حسن العاقبة وسوئها ، ونزول الرحمة والبركة ، أو العقاب والنقمة . إذا وقفت على هذه المقدمات الثلاث فاعلم : أنه يقع الكلام في البداء في مقامين :
 1 - البداء في مقام الثبوت : أي تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة .
 2 - البداء في مقام الإثبات : أي الإخبار عن تحقق الشئ علما بالمقتضي مع خفاء المانع .

البداء في مقام الثبوت إن حقيقة البداء أنه سبحانه - على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير ، والإحياء والإماتة ، والتوسيع والتقدير في الرزق ، والتعمير والتنقيص ، إلى غير ذلك مما يرجع إلى الكون والإنسان - هو القائم دائما بالأمر والتدبير ، وهو القيوم على كل شئ ، وكل يوم في شأن ، وليست يداه مغلولتين ، بل يداه مبسوطتان ( في كل شئ ) يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وإرادته النافذة ، فهو المتجلي في كل زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، كالخالقية والرازقية ، والإحياء والإماتة ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى .
ومن شعب هذا الأمر ، هو أنه سبحانه : يزيد في الرزق والعمر وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الأمور جزافا واعتباطا ، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من

- ص 440 -

حسن الأفعال وقبحها ، وصالح الأعمال وطالحها .
فربما يكون الإنسان مكتوبا في الأشقياء ، ثم يمحى فيكتب من السعداء ، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال .

وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود والنصارى المشار إليه في قوله سبحانه : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا } ( 1 ) ، وقد رد سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح .

ولأجل أن يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء - وفي العمر - وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه : { الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . . يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ( 2 ) .

 قال سبحانه : { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } ( 3 ) .

وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى مما يشترك فيه كل المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة ، من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنه سبحانه كل يوم هو في شأن ، وأنه جل وعلا يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ، كما أنه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص ، إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله .

 

( 1 ) المائدة : 64 .

( 2 ) فاطر : 1 . ( 3 ) فاطر : 11 . ( * )  
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب