- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 441 :

بحث في قوله تعالى : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }

هذا الأصل - الذي يعد من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود ، من سيادة القدر على كل شئ حتى إرادته سبحانه - يستفاد بوضوح من قوله سبحانه : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب } ( 1 ) وهذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت ويكفي في إيضاح دلالتها ، نقل كلمات المحققين من المفسرين ، حتى يقف القارئ على أن القول بالبداء بالمعنى الصحيح ، مما أصفقت عليه الأمة .

 1 - روى الطبري ( ت 310 ه‍ ) في تفسير الآية عن جمع من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يدعون الله سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء - إن كتب عليهم - إلى السعادة ، مثلا كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول وهو يطوف بالكعبة : اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني على الذنب [ الشقاوة ] فامحني وأثبتني في أهل السعادة ، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب .
وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وشقيق وأبي وائل ( 2 ) .
روي عن ابن زيد أنه قال في قوله سبحانه : {
يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء } بما ينزل على الأنبياء ، { وَيُثْبِتُ } ما يشاء مما ينزله إلى الأنبياء وقال : { وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب } لا يغير ولا يبدل " ( 3 ) .

 2 - قال الزمخشري ( ت 528 ه‍ ) : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء } ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ ( 4 ) .

 3 - ذكر الطبرسي ( 471 - 548 ه‍ ) : لتفسير الآية وجوها متقاربة وقال :

 

( 1 ) الرعد : 39 .
( 2 ) الطبري : التفسير ( جامع البيان ) 13 : 112 - 114 .

( 3 ) الطبري : التفسير ( جامع البيان ) 13 : 112 - 114 .
( 4 ) الزمخشري ، الكشاف 2 : 169 . ( * )
 
 

- ص 442 -

" الرابع أنه عام في كل شئ ، فيمحو من الرزق ويزيد فيه ، ومن الأجل ، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما . ( روى ذلك ) عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وأبي وائل ، وقتادة . وأم الكتاب أصل الكتاب الذي أثبتت فيه الحادثات والكائنات . وروى أبو قلابة عن ابن مسعود أنه كان يقول : اللهم إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء . . . " ( 1 ) .

 4 - قال الرازي ( ت 608 ه‍ ) : إن في هذه الآية قولين : القول الأول : إنها عامة في كل شئ كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا : إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر وابن مسعود ، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء . وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
والقول الثاني : إن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض . ثم قال : فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى ، المحو والإثبات ؟ قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا مما جف به القلم ، فلأنه لا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه ( 2 ) .

 5 - قال القرطبي ( ت 671 ه‍ ) - بعد نقل القولين وأن المحو والإثبات هل يعمان جميع الأشياء أو يختصان ببعضها - : مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنما يؤخذ توقيفا ، فإن صح فالقول به يجب أن يوقف عنده ، وإلا فتكون الآية عامة في

 

( 1 ) الطبرسي ، مجمع البيان 6 : 398 .

( 2 ) تفسير الرازي 10 : 64 - 65 . ( * )  
 

- ص 443 -

جميع الأشياء ، وهو الأظهر - ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبد الله بن مسعود ثم قال : روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ( أجله ) فليصل رحمه " ( 1 ) .

 6 - قال ابن كثير ( ت 774 ه‍ ) بعد نقل قسم من الروايات : ومعنى هذه الروايات أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا بالدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر " ثم نقل عن ابن عباس : " الكتاب كتابان ، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء ، وعنده أم الكتاب " ( 2 ) .

 7 - روى السيوطي ( ت 911 ه‍ ) عن ابن عباس في تفسير الآية : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى . ثم نقل ما نقلناه من الدعاء عن جماعة من الصحابة والتابعين ( 3 ) .

 8 - ذكر الآلوسي ( ت 1270 ه‍ ) عند تفسير الآية قسما من الآثار الواردة حولها وقال : أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي - كرم الله وجهه - أنه سأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن قوله تعالى : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء . . . } الآية فقال له عليه الصلاة والسلام : " لأقرن عينك بتفسيرها ، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها : الصدقة

 

( 1 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن 5 : 329 .
( 2 ) ابن كثير ، التفسير 2 : 520 .

( 3 ) السيوطي ، الدر المنثور 4 : 660 لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات  
 

- ص 444 -

على وجهها ، وبر الوالدين واصطناع المعروف ، محول الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء " ثم قال : دفع الإشكال عن استلزام ذلك ، بتغير علم الله سبحانه ، ومن شاء فليراجع ( 1 ) .

 9 - قال صديق حسن خان ( ت 1307 ه‍ ) في تفسير الآية : وظاهر النظم القرآني العموم في كل شئ مما في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شر ويبدل هذا بهذا ، ويجعل هذا مكان هذا .
لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم . . . ( 2 ) .

 10 - قال القاسمي ( ت 1332 ه‍ ) : تمسك جماعة بظاهر قوله تعالى : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ } فقالوا : إنها عامة في كل شئ كما - يقتضيه ظاهر اللفظ - قالوا يمحو الله من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر ( 3 ) .

 11 - قال المراغي ( ت 1371 ه‍ ) في تفسير الآية : وقد أثر عن أئمة السلف أقوال لا تناقض بل هي داخلة فيما سلف ثم نقل الأقوال بإجمال ( 4 ) .

وهذه الجمل والكلم الدرية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان والمفسرين ، تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ، ومنها الدعاء والسؤال ، وأنه ليس كل تقدير حتميا لا يغير ولا يبدل ، وأن لله سبحانه لوحين : لوح المحو والإثبات ولوح " أم الكتاب "

 

( 1 ) الآلوسي ، روح المعاني 13 : 111 .
( 2 ) صديق حسن خان ، فتح البيان 5 : 171 .

( 3 ) القاسمي ، المحاسن والتأويل 9 : 372 .
( 4 ) المراغي ، التفسير 5 : 155 - 156 . ( * )
 
 

- ص 445 -

والذي لا يتطرق التغيير إليه هو الثاني دون الأول ، وأن القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية ، قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة ومحكمات الكتاب . ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } ( 1 ) .
وكما أنه سبحانه يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسير ، وحر في تصرفاته ( 2 ) لا مجبور ، له أن يغير مصيره ومقدره بحسن فعله وجودة عمله ، ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أن له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله .

فالله سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير العبد ويغيره حسب ما يغير العبد بنفسه ( فعله وعمله ) لقوله سبحانه : { إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ " ( 3 ) ، كل ذلك لأجل أن يديه مبسوطتان ، وأن العبد حر مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن فعله أو سوئه ، كما دلت عليه الآيات والروايات .

وليس في ذلك أي محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنة ، بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضا من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فالله سبحانه إذا قدر لعبده شيئا وقضى له بأمر ، فلم يقدره ولم يقض به على وجه القطع والبت ، بحيث لا يتغير ولا يتبدل ، بل قضى به على وجه خاص ، وهو أن القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغير العبد حاله ، فإذا غير

 

( 1 ) ص : 27 .
( 2 ) لا يخفى أن المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلا .
( 3 ) الرعد : 11 . ( * )

 
 

- ص 446 -

حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغير القضاء ويتبدل القدر ، ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأول ، وكل هذه أيضا قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى .

وهذا ( البداء في الثبوت ) أولى من التسمية بالمحو والإثبات ، والتغيير والتبديل في الكون وفي مصير الإنسان ، غير أن المحو والإثبات في الكون بيد الله سبحانه ، يتصرف فيه حسب مشيئته ، ولا دخل لإرادة الإنسان وفي صلاح فعله وفساده ، وأما التغيير في مصير الإنسان فيتوقف تعلق المشيئة عليه ، على كيفية حال العبد وكيفية عمله من حسن أو قبح .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب