- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 452 :

تلميحات للبداء في الروايات الشريفة

وأما ما ورد في الروايات ، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل :
 1 - إن المسيح ( عليه السلام ) مر بقوم مجلبين ( 1 ) ، فقال : " ما لهؤلاء " ؟ قيل يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه ، فقال : " يجلبون اليوم ويبكون غدا " ، فقال قائل منهم : ولم يا رسول الله ؟ قال : " لأن صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه " . . . فلما أصبحوا وجدوها على حالها ، ليس بها شئ ، فقالوا : يا روح الله إن التي أخبرتنا أمس أنها ميتة لم تمت .
فدخل المسيح دارها فقال : " ما صنعت ليلتك هذه " ؟ قالت : لم أصنع شيئا إلا وكنت أصنعه فيما مضى ، إنه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته إلى مثلها . فقال المسيح : " تنح عن مجلسك " فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة ، عاض على ذنبه ، فقال ( عليه السلام ) : " بما صنعت ، صرف عنك هذا " ( 2 ) .

 2 - روي الكليني عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : " مر يهودي بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : السام عليك ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : عليك . فقال أصحابه : إنما سلم عليك بالموت فقال : الموت عليك . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : وكذلك رددت . ثم قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : إن هذا اليهودي يعضه أسود في قفاه فيقتله . قال : فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله ، ثم لم يلبث أن انصرف ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ضعه ، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود ، فقال : يا يهودي ما عملت اليوم ؟ قال : ما عملت عملا إلا حطبي هذا حملته فجئت به وكان معي كعكتان ، فأكلت واحدة وتصدقت

 

( 1 ) أي تعلو منهم أصوات الفرح .

( 2 ) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 94 . ( * )  
 

- ص 453 -

بواحدة على مسكين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بها دفع الله عنه ، قال : إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان " ( 1 ) . ولا يمكن لأحد تفسير مضامين الآيات الماضية وهذين الحديثين إلا عن طريق البداء بالمعنى الذي تعرفت عليه ، وهو اتصال النبي بلوح المحو والإثبات ، والوقوف على المقتضي ، والإخبار بمقتضاه دون الوقوف على العلة التامة .

 3 - روى الصدوق عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : " إن الله تعالى عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، فمر بآدم اسم داود النبي ( عليه السلام ) فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم : يا رب ما أقل عمر داود وما أكثر عمري ، يا رب إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة ، أتثبت ذلك له ؟ قال الله : نعم يا آدم ، فقال آدم : فإني قد زدته من عمري ثلاثين سنة " قال أبو جعفر الباقر ( عليه السلام ) : " فأثبت الله عز وجل لداود في عمره ثلاثين سنة " ( 2 ) .
ترى أنه سبحانه أثبت شيئا ، ثم محاه بدعاء نبيه ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه : { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } فلو أخبر نبي الله عن عمر داود بأربعين سنة لم يكن كاذبا في إخباره ، لأنه وقف على الإثبات الأول ، ولم يقف على محوه .

 4 - أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبيائه أن يخبر أحد ملوك عصره بأنه تعالى متوفيه يوم كذا ، فما كان من ذلك الملك إلا أن رفع يديه بالدعاء إلى الله تعالى قائلا : رب أخرني حتى يشب طفلي وأقضي أمري ، فأوحى الله عز وجل إلى ذلك النبي : أن ائت فلانا الملك وأخبره أني قد زدت في عمره خمس عشرة سنة ( 3 ) .

 

( 1 ) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 121 .

( 2 ) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 102 .  

( 3 ) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 121 ( وفي رواية أخرى أن ذلك النبي هو حزقيل ، البحار 4 : 112 وذكر مثله في قضية شعيا ص 113 ) . ( * )

 

- ص 454 -

 5 - روى عمرو بن الحمق ، قال : دخلت على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حين ضرب على قرنه ، فقال لي : " يا عمرو إني مفارقكم ، ثم قال : سنة سبعين فيها بلاء " - قالها ثلاثا - فقلت : فهل بعد البلاء رخاء ؟ فلم يجبني وأغمي عليه ، فبكت أم كلثوم فأفاق . . . فقلت : بأبي أنت وأمي قلت : إلى السبعين بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء ؟ قال : " نعم يا عمرو إن بعد البلاء رخاء و { يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } " ( 1 ) .

هذه جملة ما ورد في البداء في مقام الإثبات ، وإن شئت قلت في ثمرات البداء في الثبوت ، ولا تجد في الأحاديث الشيعية بداء غير ما ذكرنا ، ولو عثر المتتبع على مورد ، فهو نظير ما سبق من الموارد ، والتحليل في الجميع واحد . إذا وقفت على ذلك تدرك بوضوح ضعف مقالة الرازي التي يقول فيها : إن أئمة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم ، لا يظهر معهما أحد عليهم :
 الأول : القول بالبداء ، فإذا قال : إنهم سيكون لهم قوة وشوكة ، ثم لا يكون الأمر على ما أخبروا ، قالوا : بدا لله فيه ( 2 ) .
إن الذي نقله أئمة الشيعة هو ما تعرفت عليه من الروايات ، وليس فيها شئ مما نسبه الرازي إليهم ، فقد نقلوا قصة رسول الله مع اليهودي ، وقصة المسيح مع العروس ، كما نقلوا قصة عمر داود وعمر الملك ، فهل يجد القارئ المنصف شيئا مما ذكره الرازي ؟ ! وأما ما رواه عمرو بن الحمق فإنما هو خبر واحد ذيل كلامه بالآية قائلا : بأن هذا ليس خبرا قطعيا وأنه في مظان المحو والإثبات .
أفيصح لأجل مثله رمي أئمة الشيعة " بأنهم وضعوا قاعدتين ، وأنهم كلما

 

( 1 ) المجلسي ، بحار الأنوار 4 : 119 / ح 60 .
( 2 ) الرازي ، نقد المحصل : 421 ، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي ، والأمر الثاني هو التقية كما عرفت . ( * )

 
 

- ص 455 -

يقولون سيكون لهم قوة ثم لا يكون ، قالوا بدا لله تعالى فيه " ؟ ! وقد سبق الرازي في هذا الزعم أبو القاسم البلخي المعتزلي على ما حكاه شيخنا الطوسي في تبيانه ( 1 ) .

تتمة البحث

ثم إن إكمال البحث يتوقف على ذكر أمور :
الأمر الأول : إن البداء بالمعنى المذكور يجب أن يكون على وجه لا يستلزم تكذيب الأنبياء ووحيهم ، وذلك بأن تدل قرائن على صحة الإخبار الأول كما صح الخبر الثاني ، وهو ما نراه واضحا في قصة يونس وإبراهيم الخليل ، فإن القوم قد شاهدوا طلائع العذاب فأذعنوا بصحة خبر يونس ، كما أن التفدية بذبح عظيم دلت على صحة إخبار الخليل ، وهكذا وجود الأفعى تحت الثياب أو في جوف حطب اليهودي يدلان على صحة إخبار النبي الأعظم .
كل ذلك يشهد على أن الخبر الأول كان صحيحا ومقدرا ، غير أن الإنسان يمكن له أن يغير مصيره بعمله الصالح أو الطالح كما في غير تلك المقامات .

وبالجملة : يجب أن يكون وقوع البداء مقرونا بما يدل على صحة إخبار النبي ( عليه السلام ) ولا يكون البداء على وجه يعد دليلا على كذبه ، ففي هذه الموارد دلت القرائن على أن المخبر كان صادقا في خبره .

 

( 1 ) الطوسي ، التبيان 1 : 13 - 14 ، ط النجف ، وقد عرفت بعض المتشدقين بهذه الكلمة المكذوبة . ( * )

 
 

- ص 456 -

الأمر الثاني : إن البداء لا يتحقق فيما يتعلق بنظام النبوة والولاية والخاتمية والملاحم الغيبية التي تعد شعارا للشريعة ، فإذا أخبر المسيح بمجئ نبي اسمه أحمد ، أو أخبر النبي بكونه خاتما للرسل ، أو أن الخلافة بعده لوصيه ، أو أنه يخرج من ولده من يملأ الأرض قسطا وعدلا ، ونظير ذلك ، فلا يتحقق فيه البداء قطعا ، لأن احتمال البداء فيه ناقض للحكمة ، وموجب لضلال العباد ، ولو كان احتمال هذا الباب مفتوحا في تلك المسائل الأصولية لما وجب لأحد أن يقتفي النبي المبشر به ، ولا يوالي الوصي المنصوص عليه ، ولا يتلقى دين الإسلام خاتما ، ولا ظهور المهدي أمرا مقضيا ، بحجة أنه يمكن أن يقع فيه البداء . ففتح هذا الباب في المعارف والعقائد والأصول والسنن الإسلامية مخالف للحكمة وموجب لضلالة الناس ، وهذا ما يستحيل على الله سبحانه ، وإنما مصب البداء هو القضايا الجزئية أو الشخصية ، كما هو الحال في الأخبار الماضية .

الأمر الثالث : أن إطلاق البداء في هذه الموارد ، إنما هو بالمعنى الذي عرفت ، وأن حقيقته بداء من الله للناس وإظهار منه ، ولو قيل بدا لله ، فإنما هو من باب المشاكلة والمجاز ، والقرآن ملئ به ، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه المكر وقال : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } ( 1 ) وليست المناقشة في التعبير من دأب المحققين ، فلو كان أهل السنة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء لله ، فليغيروا التعبير ويعبروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم . ولكن الشيعة تبعت النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) في هذا المصطلح ، وهو أول من استعمل

 

( 1 ) آل عمران : 54 ، وهنا آيات أخر يستدل بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلوية . ( * )

 
 

- ص 457 -

تلك اللفظة في حقه سبحانه ، وما يؤكد ذلك هو ما رواه البخاري في كتاب النبوة " قصة بدء الخليقة " وفيها هذه اللفظة التي يستهجنها البعض ويتهم الشيعة بابتداعها واختلاقها ، فقد روى أبو هريرة : أنه سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " أن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال : أي شئ أحب إليك ؟ قال : لون حسن ، وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا ، فقال : أي المال أحب إليك ؟ قال : الإبل أو قال : البقر - هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل وقال الآخر : البقر - فأعطي ناقة عشراء ، فقال : يبارك الله لك فيها .
وأتى الأقرع فقال : أي شئ أحب إليك ؟ قال : شعر حسن ويذهب عني هذا ، قد قذرني الناس . قال : فمسحه ، فذهب ، وأعطي شعرا حسنا ، قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : البقر . قال : فأعطاه بقرة حاملا ، وقال : يبارك لك فيها .
وأتى الأعمى فقال : أي شئ أحب إليك ؟ قال : يرد الله إلي بصري ، فأبصر به الناس ، قال : فمسحه فرد الله إليه بصره . قال : فأي المال أحب إليك ؟ قال : الغنم ، فأعطاه شاة والدا ، فأنتج هذان وولد هذا ، فكان لهذا واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من الغنم .
ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك . أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ عليه في سفري ، فقال له : إن الحقوق كثيرة . فقال له : كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيرا فأعطاك الله ؟ فأجابه : لقد ورثت لكابر عن كابر ! فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت . وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فرد عليه مثلما رد

- ص 458 -

عليه هذا ، فقال : إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت . وأتى الأعمى في صورته فقال : رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلا بالله ، ثم بك . أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفرى ، فقال : قد كنت أعمى فرد الله بصري ، وفقيرا فقد أغناني ، فخذ ما شئت ، فو الله لا أجحدك اليوم بشئ أخذته لله ، فقال : أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك " ( 1 ) .

 

( 1 ) البخاري ، الصحيح 4 : 208 ، كتاب الأنبياء ، باب 51 حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب