- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 532 :

المسألة الثانية عشرة : في عالمية رسالة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وخاتميتها
تمهيد :

ملامح الشريعة الإسلامية تمتاز الشريعة الإسلامية بنقطتين رئيستين : الأولى : عالميتها وشموليتها . الثانية : كونها خاتمة الشرائع . أما الأولى : فمعناها أن دعوتها عالمية لا تنحصر بإقليم معين ، وهي من أبرز الملامح التي يستهدفها القرآن في دعوته ورسالته . يقول سبحانه : { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } ( 1 ) .
ويقول أيضا : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } ( 2 ) .
وقال سبحانه : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا . . . } ( 3 ) .

 

( 1 ) الفرقان : 1 .

( 2 ) سبأ : 28 . ( 3 ) الأعراف : 158 . ( * )  
 

- ص 533 -

لقد بعث الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) سفراءه إلى أنحاء المعمورة لنشر دعوته فيها وبيد كل واحد منهم كتاب يعبر عن عالمية دعوته ، فقد بعث إلى قيصر الروم ، وكسرى فارس ، وعظيم القبط ، وملك الحبشة ، والحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام ، وحوزة بن علي الحنفي ملك اليمامة ، وغيرهم من ملوك العرب وشيوخ القبائل والأساقفة ، والمرازبة ، والعمال ، وهذه المواثيق أوضح دليل على أن رسالته عالمية لا تحد بحد ، بل تجعل الأرض كلها ساحة لإشاعة دينه وتطبيق شريعته .
هذا والبراهين على عالمية دعوته كثيرة لا مجال لذكرها .

نعم ربما قد تظهر بعض المغالطات من النصارى القدامى في هذه النقطة ، حيث حاولوا تحجيم أمر الرسالة وتخصيصها بمكان وعنصر خاصين ، وليست شبهاتهم قابلة للذكر .

كيف وبيانات القرآن وخطاباته للبشر كافة ومواثيق الرسول ودعواته المتجاوزة حدود الجزيرة العربية ، واجتياح جيوش المسلمين ورجالهم أرض غير العرب ، واستقرار الأمة الإسلامية في أكثر مناطق المعمورة بل معظمها يومذاك ، أبطلت هذه المغالطات وجعلتها في مدحرة البطلان ، ولذلك نعود إلى الملمح الثاني من ملامح الشريعة الإسلامية ، في بحثنا وهو خاتميتها ، وهي تعني : أنها آخر الشرائع ، وأن المبعوث بها هو خاتم الأنبياء ، فشريعته خاتمة الشرائع ، وهذا ما نحاول دراسته في هذه الرسالة ، ونستدل عليه عن طريق الكتاب والسنة ونحلل الإشكالات المثارة حوله كل ذلك في ضمن فصول .

- ص 534 -

الخاتمية في الذكر الحكيم : اتفقت الأمة الإسلامية - عن بكرة أبيها - على أن نبيهم محمدا ( صلى الله عليه وآله ) خاتم النبيين ، وأن دينه خاتم الأديان ، وكتابه خاتم الكتب والصحف ، فهو ( صلى الله عليه وآله ) آخر السفراء الإلهيين ، أوصد به باب الرسالة والنبوة ، وختمت به رسالة السماء إلى الأرض .

لقد اتفق المسلمون كافة على أن دين نبيهم دين الله الأبدي ، وكتابه كتاب الله الخالد ودستوره الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وقد أنهى الله إليه كل تشريع وأودع فيه أصول كل رقي ، وأناط به كل سعادة ورخاء ، فاكتملت بدينه وكتابه الشرائع السماوية التي هي رسالة السماء إلى الأرض .

توضيحه : أن الشريعة الإلهية الحقة التي أنزلها الله تعالى إلى أول سفرائه لا تفترق جوهرا عما أنزله على آخرهم ، بل كانت الشريعة السماوية في بدء أمرها نواة قابلة للنمو والنشوء ، فأخذت تنمو وتستكمل عبر القرون والأجيال ، حسب تطور الزمان وتكامل الأمم ، وتسرب الحصافة إلى عقولهم ، وتسلل الحضارة إلى حياتهم .

ويفصح عما ذكرنا قوله سبحانه : { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا . . . } ( 1 ) فقد وصى نبينا محمدا بما وصى به نوحا ، من توحيده سبحانه وتنزيهه عن الشرك ، والدعوة إلى مكارم الأخلاق والتنديد بالجرائم الخلقية ، والقضاء على أسبابها ، إلى غير ذلك مما تجده في صحف الأولين والآخرين .

وتتجلى تلك الحقيقة الناصعة ، أي وحدة الشرائع السماوية من مختلف الآيات

 

( 1 ) الشورى : 13 . ( * )

 
 

- ص 535 -

في شتى المواضع ، قال سبحانه : { إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } ( 1 ) وظاهر الآية يعطي أن الدين عند الله - لم يزل ولن يزال - هو الإسلام في طول القرون والأجيال ، ويعاضدها قوله تعالى : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } ( 2 ) .

وقال سبحانه في مورد آخر مخطئا مزعمة اليهود والنصارى في رمي بطل التوحيد إبراهيم باليهودية والنصرانية قال : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 3 ) .
فحقيقة الشرائع السماوية في جميع الأدوار والأجيال كانت أمرا واحدا وهو التسليم لفرائضه وعزائمه وحده جل وعلا .

ولأجل ذلك كتب الرسول إلى قيصر عندما دعاه إلى الإسلام ، قوله سبحانه : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } ( 4 ) .

وقد أمر سبحانه في آية أخرى رسوله بدعوة معشر اليهود أو الناس جميعا إلى اتباع ملة إبراهيم قال سبحانه : { فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ( 5 ) .

وصرح سبحانه بأن كل نبي جاء عقب نبي آخر ، كان يصرح بأنه مصدق بوجود النبي المتقدم عليه وكتابه ودينه ، فالمسيح مصدق لما بين يديه من التوراة

 

( 1 ) آل عمران : 19 .

( 2 ) آل عمران : 85 . ( 3 ) آل عمران : 67 .  
( 4 ) السيرة الحلبية 2 : 275 ، مسند أحمد 1 : 262 . والآية هي الرابعة والستون من سورة آل عمران .
( 5 ) آل عمران : 95 . ( * )
 

- ص 536 -

ومحمد ( صلى الله عليه وآله ) مصدق لما بين يديه من الكتب وكتابه مهيمن عليه ، كما قال سبحانه : { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ } ( 1 ) ، { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } ( 2 ) .
وهذه النصوص كلها تعبر عن وحدة أصول الشرائع وجذورها ولبابها .

وعلى هذا فرسالة السماء إلى الأرض ، رسالة واحدة في الحقيقة مقولة بالتشكيك ، متكاملة عبر القرون جاء بها الرسل طوال الأجيال وكلهم يحملون إلى المجتمع البشري رسالة واحدة ، لتصعد بهم إلى مدارج الكمال ، وتهديهم إلى معالم الهداية ومكارم الأخلاق .

نعم كان البشر في بدايات حياتهم يعيشون في غاية البساطة والسذاجة ، فما كانت لهم دولة تسوسهم ، ولا مجتمع يخدمهم ، ولا ذرائع تربطهم ، وكانت أواصر الوحدة ووشائج الارتباط بينهم ضعيفة جدا ، فلأجل ذاك القصور في العقل ، وقلة التقدم ، وضعف الرقي ، كانت تعاليم أنبيائهم ، والأحكام المشروعة لهم طفيفة في غاية البساطة ، فلما أخذت الإنسانية بالتقدم والرقي ، وكثرت المسائل يوما فيوما ، اتسع نطاق الشريعة واكتملت الأحكام تلو هذه الأحوال والتطورات . فهذه الشرائع ( مع اختلافها في بعض الفروع والأحكام نظرا إلى الأحوال الأممية والشؤون الجغرافية ) لا تختلف في أصولها ولبابها ، بل كلها تهدف إلى أمر واحد ، وتسوق المجتمع إلى هدف مفرد ، والاختلاف إنما هو في الشريعة والمنهاج لا في المقاصد والغايات كما قال سبحانه : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ

 

( 1 ) المائدة : 46 .

( 2 ) المائدة : 48 . ( * )  
 

- ص 537 -

شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } ( 1 ) .

وقال سبحانه : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ( 2 ) .

وخلاصة القول : إن السنن مختلفة ، فللتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة ، ولكن الدين هو الأصول والعقائد والأحكام التي تساير الفطرة الإنسانية ولا تخالفها واحدة منها . وهاتان الآيتان لا تهدفان إلى اختلاف الشرائع في جميع موادها ، ومواردها اختلافا كليا بحيث تكون النسبة بينها نسبة التباين ، كيف وهو سبحانه يأمر نبيه بالاقتداء بهدى أنبيائه السالفين ويقول : { أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ } ( 3 ) .

نعم جاءت الرسل تترى ، وتواصلت حلقات النبوة في الأدوار الماضية إلى أن بعث الله آخر سفرائه فأتم نعمته وأكمل به دينه ، فأصبح المجتمع البشري في ظل دينه الكامل ، وكتابه الجامع ، غنيا عن تواصل الرسالة وتعاقب النبوة ، وأصبح البشر غير محتاجين إلى إرسال أي رسول بعده ، إذ جاء الرسول بأكمل الشرائع وأتقنها وأجمعها للحقوق وبكل ما يحتاج إليه البشر في أدوار حياتهم وأنواع تطوراتهم ، وفي الوقت نفسه فيها مرونة تتمشى مع جميع الأزمنة والأجيال ، من دون أن تمس جوهر الرسالة الأصلي بتحوير وتحريف .

وإليك أدلة خاتميته من الكتاب أولا ، والسنة ثانيا ، أما الكتاب ففيه نصوص :

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

( 1 ) المائدة : 48 أي جعلنا لكل من موسى وعيسى ومحمد ( عليهم السلام ) أو لكل من أمم التوراة والإنجيل والقرآن شريعة وطريقا خاصا إلى ما هو الهدف الأقصى من بعث الرسل ومنهاجا واضحا ، والاختلاف بين الكتب والشرائع جزئي لا كلي ، والنسخ في بعض الأحكام لا في جميعها . ( 2 ) الجاثية : 18 . ( 3 ) الأنعام : 90 . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب