- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 564 :

السؤال الخامس : القوانين الثابتة والحياة المتطورة .

إن مقتضى كون الإسلام دينا خاتما ، ثبات قوانينه وتشريعاته ، ومن المعلوم أن المجتمع الإنساني لم يزل في تطور وتغير ، فعند ذلك يطرح السؤال التالي : كيف يمكن للقانون الثابت معالجة متطلبات المجتمع المتغير ؟ فإن من لوازم

- ص 565 -

التغير والتطور ، تغيير ما تسود عليه من قوانين وتشريعات ؟ هذا هو السؤال الذي يطرح بين آن وآخر ، والإجابة عنه تتوقف على بيان ما هو الثابت من حياة الإنسان عن متغيرها ، وأن للثابت من جانب حياته تشريعا ثابتا ، وللجانب المتغير منها تشريعا متغيرا فالتشريع الثابت لما هو الثابت والمتغير لما هو المتغير ، وإليك البيان : الجانب الثابت من حياة الإنسان :
 1 - إن للحياة الإنسانية جانبين : متغير وثابت ، فالثابت منها عبارة عن الغرائز الثابتة والروحيات الخالدة التي لا تتغير ولا تتبدل ما دام الإنسان إنسانا ولا يتسرب التغير إليها . فالإنسان الاجتماعي بما هو موجود ذو غرائز يحتاج لحفظ حياته وبقاء نفسه إلى العيش الاجتماعي والحياة العائلية ، وهذان الأمران من أسس حياة الإنسان لا تفتأ تقوم عليهما حياته منذ وجوده إلى يومنا هذا . فإذا كان التشريع الموضوع منسجما ومتطلبات الغرائز ، ومعدلا إياها عن الإفراط والتفريط ومرتكزا على العدل والاعتدال ، فذلك التشريع يكون خالدا في ظل خلود الغرائز .

 2 - إن التفاوت بين الرجل والمرأة أمر لا ينكر ، فهما موجودان مختلفان اختلافا عضويا وروحيا رغم كل الدعايات السخيفة المنكرة لذلك الاختلاف ، ولكل من الرجل والمرأة متطلب وفق تركيبه ، فإذا كان التشريع متجاوبا مع التركيب والفطرة ، يكون خالدا حسب خلود الفطرة والتركيب .

 3 - الروابط العائلية كعلاقة الأب بولده وبالعكس ، علاقات طبيعية مبنية على الفطرة ، فالأحكام الموضوعية وفق هذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان .

- ص 566 -

إن السؤال مبني على أن الإنسان بفطرته وتركيبه يقع في مهب التغير والتطور ، فلا يبقى منه شئ عبر القرون ، فكأن الإنسان الحالي غير الإنسان الغابر ، مع أنها فكرة باطلة ، فلو كان هناك تغير فإنما يعود هذا إلى غير الجانب الثابت من حياته .

 4 - إن في حياة الإنسان قضايا أخلاقية ثابتة عبر الزمان لا يتسرب إليها التغيير ككون الظلم قبيحا والعدل حسنا ، وجزاء الإحسان بالإحسان حسنا وبالسيئ قبيحا ، والعمل بالميثاق حسنا ونقضه قبيحا ، إلى غيرها من القضايا الأخلاقية الثابتة في حياة الإنسان .

سواء قلنا بأنها أحكام فطرية نابعة من الخلقة أو قلنا إن هناك عوامل عبر التاريخ رسخت هذه المفاهيم في ذهن الإنسان ، فإن الاختلاف في جذور تلك المثل لا يضر بما نحن بصدده ، لأنها على كل تقدير ثابتة في حياة الإنسان ، والتشريع الموضوع وفقها يتمتع بالثبات . إن هناك موضوعات في الحياة الإنسانية لم تزل ذات مصالح ومفاسد أبدية ، فما دام الإنسان إنسانا فالخمر يزيل عقله والميسر ينبت العداوة في المجتمع ، والإباحة الجنسية تفسد النسل والحرث مدى الدهور والأجيال ، فبما أن هذه القضايا قضايا ثابتة في حياته ، فالتشريع على وفقها يكون ثابتا وفق ثباتها .

فهذه نماذج من الجانب الثابت من حياة الإنسان تناولناها لإيقاف القارئ على أن التغير في حياة الإنسان ليس أمرا كليا ولا يتسرب إلى أعماق حياته ، وإنما التغير يرجع إلى صور من حياته فالتغير - كما سيوافيك بيانه - إنما يكون مثلا في المواصلات ، وفي التكتيك الحربي ، وفي طراز البناء وأشكاله ، وفي معالجة الأمراض وغيرها ، فأين مثل هذا التغير من حرمة الظلم ، ووجوب العدل ، ولزوم أداء الأمانات ، ودفع الغرامات ، ولزوم الوفاء بالعهد والأيمان ، وتكريم ذوي الحقوق إلى غير ذلك من القوانين الثابتة الموضوعة على غرار الفطرة مبنيا على الجانب الثابت من حياته فهو يحتل مكان التشريع الدائم .

- ص 567 -

الجانب المتغير في الحياة الإنسانية : إن للإنسان جانبا آخر في حياته لا يزال يتغير من حال إلى حال ، فمثل هذا يتطلب تشريعات متغيرة حسب تغيره وتبدله ، ومن حسن الحظ أنه ليس في الإسلام الخاتم تشريع ثابت لهذا الجانب من الحياة مظاهر حياته وقشورها لا جوهرها ، ولذلك لم يتدخل فيه الإسلام تدخلا مباشرا ، بل ترك أمرها للمجتمع الإسلامي في ظل إطار خاص .

وسوغ للمجتمع البشري إدارة شؤون حياته في مجال العمران والبناء وتطور وسائل الحياة المختلفة في مجال الثقافة والدفاع والاقتصاد في ظل إطار عام الذي يتجاوب مع التغير والتطور .

فترك للإنسان مجالا متحركا يختار به أي نوع من الألبسة والبناء والمعدات والوسائل المختلفة ضمن شروط معلومة في الفقه الإسلامي ، ولأجل هذه المرونة في الإنسان نرى أنه يتجاوب مع جميع الحضارات الإنسانية ، وما هذا إلا لأنه لم يتدخل في الجزئيات المتغيرة إلا بوضع إطار خاص لا يمنع حريته ولا يزاحم التغير ، وهنا كلمة قيمة للشيخ الرئيس ابن سينا نذكرها ، قال : " يجب أن يفوض كثير من الأحوال خصوصا في المعاملات إلى الاجتهاد ، فإن للأوقات أحكاما لا يمكن أن تنضبط ، وأما ضبط المدينة بعد ذلك بمعرفة ترتيب الحفظة ومعرفة الدخل والخرج وإعداد أهب الأسلحة والحقوق والثغور وغير ذلك فينبغي أن يكون ذلك إلى السائس من حيث هو خليفة ، ولا تفرض فيها أحكام جزئية ، فإن في فرضها فسادا ، لأنها تتغير مع تغير الأوقات ، وفرض الكليات فيها مع تمام الاحتراز غير ممكن ، فيجب أن يجعل ذلك إلى أهل المشورة " ( 1 ) .

نعم إن عنوان مقتضى الزمان صار رمزا لكل من أراد أن يتحرر من القيم

 

( 1 ) الشفاء ، قسم الإلهيات : ص 566 . ( * )

 
 

- ص 568 -

الأخلاقية ، ويعيش متحللا من كل قيد وحد ، خالعا كل عذار . وهؤلاء حيثما رأوا الإباحة الجنسية ، واختلاط الرجال والنساء ، واتخاذ الملاهي بأنواعها وشرب المسكر ، واللعب بالميسر ، واقتراف المعاصي وأخذ الربا وغير ذلك مما حرمته الشريعة الإسلامية ، لم يجدوا مبررا لاقترافها إلا بالتمسك بمقتضيات الزمان وجبر التاريخ .

وهذا أبرز دليل على أن التمسك به غطاء للتحرر من القيود الشرعية والأخلاقية ، وإلا فلو كان المقصود من تطبيق الحياة على مقتضيات الزمان ، هو ترفيع الثقافة الإنسانية ، والاستفادة من أحدث الأجهزة في المجالات كافة ، فهذا مما لا يرفضه الإسلام ، وليس له فيه قانون يعرقل خطى الترقي وحدوده بإطار عام ، وهو عبارة أن لا يزاحم سعادة الإنسان ، وأن لا يكون فيه ضرر على روحه وجسمه ، والقيم التي بها يمتاز عن الحيوان .

نماذج من الأحكام المتغيرة حسب تغير الظروف : وها نحن نأتي في المقام بنماذج من الأحكام المتغيرة بتغير الظروف وراء ما ذكرناه في مجال الصناعة والمسكن والملبس بشرط أن لا يزاحم المثل والقيم . في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية : يجب على الدولة الإسلامية أن تراعي مصالح الإسلام والمسلمين ، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامة ، وأما كيفية تلك الرعاية ، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية ، فتارة تقتضي المصلحة السلام والمهادنة والصلح مع العدو ، وأخرى تقتضي ضد ذلك .
وهكذا تختلف المقررات والأحكام الخاصة في هذا المجال ، باختلاف الظروف ،

- ص 569 -

ولكنها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي هو رعاية مصالح المسلمين ، كقوله سبحانه : { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } ( 1 ) ، وقوله سبحانه : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } ( 2 ) .

في العلاقات الدولية التجارية : قد تقتضي المصلحة عقد اتفاقيات اقتصادية وإنشاء شركات تجارية ، أو مؤسسات صناعية ، مشتركة بين المسلمين وغيرهم ، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك .
ومن هذا الباب حكم الإمام المغفور له المجدد السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وإنجلترا ، إذ كانت مجحفة بحقوق الشعب الإيراني المسلم ، لأنها خولت لإنجلترا حق احتكار التنباك الإيراني .

في مجال الدفاع عن حريم الإسلام : الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء ، قانون ثابت لا يتغير ، فالمقصد الأسنى لمشرع الإسلام ، إنما هو صيانة سيادته عن خطر أعدائه وأضرارهم ، ولأجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوة ضاربة ضد

 

( 1 ) النساء : 141 . 

( 2 ) الممتحنة : 8 - 9 . ( * )  
 

- ص 570 -

الأعداء ، وإعداد جيش عارم جرار تجاه الأعداء كما يقول سبحانه : { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } ( 1 ) فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيده العقل والفطرة أما كيفية الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح ، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه ، فكلها موكولة إلى مقتضيات الزمان ، تتغير بتغيره ، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت ، حتى مسألة لزوم التجنيد العمومي ، الذي أصبح من الأمور الأصلية في غالب البلاد .

وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب ، أو وضع كتاب خاص ، لأحكام السبق والرماية ، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة ونقل أحاديث في ذلك الباب عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأئمة الإسلام ، فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام ، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة ، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم ، والغرض منه تحصيل القوة الكافية ، تجاه العدو في تلكم العصور ، وأما الأحكام التي ينبغي أن تطبق في العصر الحاضر فإنه تفرضها مقتضيات العصر نفسه .

فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام ومعتنقيه عن الخطر ، ويصد كل مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب إمكانيات الوقت .

والمقنن الذي يتوخى ثبات قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به ، لا يجب عليه التعرض إلى تفاصيل الأمور وجزئياتها ، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والأصول ليساير قانونه جميع الأزمنة بأشكالها وصورها المختلفة ، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظه من البقاء قليلا جدا .

 

( 1 ) الأنفال : 60 . ( * )

 
 

- ص 571 -

في نشر العلم والمعارف والثقافة : نشر العلم والثقافة ، واستكمال المعارف التي تضمن سيادة المجتمع ماديا ومعنويا ، يعتبر من الفرائض الإسلامية ، أما تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدد بحد خاص ، بل يوكل إلى نظر الحاكم الإسلامي واللجان المقررة لذلك من جانبه حسب الإمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة .

وبالجملة : فقد ألزم الإسلام رعاة المسلمين وولاة الأمر نشر العلم بين أبناء الإنسان ، واجتثاث مادة الجهل من بينهم ، ومكافحة أي لون من الأمية ، وأما نوع العلم وخصوصياته ، فكل ذلك موكول إلى نظر الحاكم الإسلامي وهو أعلم بحوائج عصره . فرب علم لم يكن لازما ، لعدم الحاجة إليه في العصور السابقة ، ولكنه أصبح اليوم في الرعيل الأول من العلوم اللازمة التي فيها صلاح المجتمع كالاقتصاد والسياسة .

في مجال إقامة النظام : حفظ النظام وتأمين السبل والطرق ، وتنظيم الأمور الداخلية ورفع مستوى الاقتصاد و . . . من الضرورات ، فيتبع فيه وأمثاله مقتضيات الظروف ، وليس فيه للإسلام حكم خاص يتبع ، بل الذي يتوخاه الإسلام هو الوصول إلى هذه الغايات ، وتحقيقها بالوسائل الممكنة ، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل ، وإنما ذلك متروك إلى إمكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر ، وكلها في ضوء القوانين العامة .

في مجال المبادلات المالية : قد جاء الإسلام بأصل ثابت في مجال الأموال وهو قوله سبحانه : { وَلاَ تَأْكُلُواْ

- ص 572 -

أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ } ( 1 ) وقد فرع الفقهاء على هذا الأصل شرطا في صحة عقد البيع أو المعاملة فقالوا : يشترط في صحة المعاملة وجود فائدة مشروعة ، وإلا فلا تصح المعاملة ومن هنا حرموا بيع " الدم " وشراءه .

إلا أن تحريم بيع الدم أو شراءه ليس حكما ثابتا في الإسلام بل الحكم الثابت هو حرمة أكل المال بالباطل ، وكانت حرمة الدم في الزمان السابق صورة إجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل ومصداقا لها في ذلك الزمان ، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة ( التي تخرج المعاملة عن أن تكون أكلا للمال بالباطل ) وعدم تحقق الفائدة ، فلو ترتبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدل حكم الحرمة إلى الحلية ، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى : { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ } .

وفي هذا المضمار ورد أن عليا ( عليه السلام ) سئل عن قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : " غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ؟ " فقال : ( عليه السلام ) : " إنما قال ( صلى الله عليه وآله ) ذلك والدين قل ، فأما الآن فقد اتسع نطاقه ، وضرب بجرانه ( 2 ) فالمرء وما اختار " ( 3 ) .

 

( 1 ) البقرة : 188 .
( 2 ) الجران : باطن العنق ، وقيل : مقدم العنق من مذبح البعير إلى منحره ، فإذا برك البعير ومد عنقه على الأرض قيل : ألقى جرانه بالأرض ( لسان العرب : مادة جرن ) .
( 3 ) نهج البلاغة ، الحكمة رقم : 16 . ( * )

 
 
 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب