- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 573 :

الشيعة والخاتمية

اتفقت الشيعة - قاطبة - تبعا للكتاب والسنة على أن نبي الإسلام ، هو النبي الخاتم ، وكتابه خاتم الكتب ، ورسالته خاتمة الرسالات ، وقد أوصد برحيله باب الوحي ، وأقفل بموته باب التشريع ، فلا وحي ولا تشريع بعد ذهابه ، وقد وقفت على كلام الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) عند تغسيل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتجهيزه فلا نعيد ( 1 ) .

غير أن هناك شبهات ضئيلة في المقام تطرح من جانب أناس لا عرفان لهم بمذهب الشيعة ولا تعرف لهم عليه من كثب ، وقد تلقوها من المستشرقين أو من البعداء عن البيئات الشيعية . وهذه الأسئلة تجمعها الأمور التالية .
 1 - كيف تقولون بالخاتمية وإيصاد باب الوحي والتشريع وأنتم تعملون بكتاب علي ( عليه السلام ) ؟
 2 - كيف تقولون بذلك ، وعندكم مصحف باسم مصحف فاطمة ؟ وهل كان عند بنت المصطفى ( صلى الله عليه وآله ) قرآن غير القرآن الموجود عند المسلمين ؟
 3 - كيف تقولون ذلك وأنتم تعتمدون على روايات مروية عن الأئمة الاثني عشر بصورة موقوفة غير متصلة إلى النبي الأكرم ؟ وهل الأئمة الاثنا عشر ممن يوحى إليهم ؟

إن هذه الأسئلة ربما تنطلي على الجاهل غير العارف بمعتقدات الشيعة فيرميهم بما هم براء منه ، ولأجل رفع الغطاء نأخذ كل واحد بالدراسة بوجه موجز .

 

( 1 ) لاحظ الحديث 4 في فصل ( الخاتمية في أحاديث العترة الطاهرة ) . ( * )

 
 

- ص 574 -

كتاب علي وإملاء رسول الله : إن السؤال الأول يرجع إلى كتاب علي وماهيته ؟ وهل هو أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) التي دونها الإمام دون غيره ؟

وإليك التفصيل : كانت لمدرسة أئمة أهل البيت عناية خاصة بضبط وتدوين كل ما أثر عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) من قول وفعل ، لأنه ( صلى الله عليه وآله ) لا يصدر في مجال التشريع والتعليم إلا عن الوحي قال سبحانه : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } ( 1 ) وكان ( صلى الله عليه وآله ) على علم قاطع بأنه سوف ينتقل إلى بارئه ، وأن الأمة الإسلامية سوف تحتاج إلى كلماته وأقواله ، وأفعاله وأعماله ولا تبقى خالدة إلا بالضبط والتدوين .

إن الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) كان وليد البيت النبوي وكان مع الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) منذ نعومة أظفاره إلى رحيل رسول الله عن الدنيا ، وهو ( عليه السلام ) يصف حياته في صباه وما بعده ويقول : " ولقد كنت أتبعه ( يعني : رسول الله ) اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري . ولم يجتمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة " ( 2 ) .

كان ربيبه علي ( عليه السلام ) يلازمه ليلا ونهارا ، سفرا وحضرا ، في موطنه ومهجره ، لم يفارقه في غزوة إلا غزوة تبوك ، وقد أقامه رسول الله مقامه في المدينة ليكون عينا للمسلمين على المنافقين ، وصاعقة على المتمردين إذا حاولوا المؤامرة ، أو إيذاء من بقي من المسلمين من الشيوخ والأطفال ، إلى أن دخل العام الحادي عشر للهجرة وقد قرب أجله وارتحاله ( صلى الله عليه وآله ) ومرض وكان علي هو الممرض له ، وقبض ورأسه

 

( 1 ) النجم : 3 - 4 .

( 2 ) الشريف الرضي ، نهج البلاغة ، الخطبة : 192 . ( * )  
 

- ص 575 -

لعلى صدره ( عليه السلام ) .

إن عليا ( عليه السلام ) يشرح ذلك الموقف ويقول : " ولقد قبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وإن رأسه لعلى صدري - إلى أن يقول - ولقد وليت غسله ( صلى الله عليه وآله ) والملائكة أعواني ، فضجت الدار والأفنية ، ملأ يهبط ، وملأ يعرج وما فارقت سمعي هينمة ( 1 ) منهم ، يصلون عليه . حتى واريناه في ضريحه . فمن ذا أحق به مني حيا وميتا ؟ " ( 2 ) .
كل ذلك يعرف عن لواذ الإمام واختصاصه بالنبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) والتجائه إليه .

وقد اختص الإمام بهذا المقام من بين الصحابة ولم يشاركه غيره ، وبذلك صار باب علم النبي ( 3 ) والحاكم الروحي على الإطلاق حتى عصر الخلفاء ولا يشك في ذلك من فتح عينيه على سيرة الخلفاء وتاريخ المسلمين .

ولمثل هذا النوع من التلاحم يصف علي ( عليه السلام ) حاله مع النبي ويقول : " إني إذا كنت سألته أنبأني ، وإذا سكت ابتدأني " ( 4 ) .

كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يأمر عليا ( عليه السلام ) أن يكتب كل ما يملي عليه ، فقال ( عليه السلام ) مرة لرسول الله : " يا نبي الله أتخاف علي النسيان ؟ " قال : " لست أخاف عليك النسيان ، وقد دعوت الله أن يحفظك ولا ينسيك ، ولكن اكتب لشركائك " قال " قلت : ومن شركائي يا نبي الله ؟ " قال : " الأئمة من ولدك " ( 5 ) .

وكان من جملة ما أملاه عليه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكتب علي ( عليه السلام ) بخطه ، كتاب طوله

 

( 1 ) الصوت الخفي .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة : 197 .

( 3 ) المتقي الهندي ، كنز العمال 6 : 156 و 401 .
( 4 ) السيوطي ، تاريخ الخلفاء : ص 115 .
 
( 5 ) الصدوق ، إكمال الدين 1 : 206 ، وأماليه : 227 ، وغيرهما . ( * )
 

- ص 576 -

سبعون ذراعا في عرض الأديم ، وهذا هو المعروف بكتاب علي أو صحيفته ، اشتهر أمره بين الشيعة وأئمتهم ، وفيها ما يحتاج إليه الناس في مجال الأحكام إلى يوم القيامة ، وكانت الأئمة بعد الإمام يصدرون عنه ويروون عنه ، ويستشهدون في مواقع خاصة به ، وليس كتابه سوى أحاديث أملاها النبي ، وكتبها الوصي وورثها أبناؤه كابر عن كابر ، ونقلوا عنه شيئا كثيرا ، وبذلك صار الإمام هو المدون الرسمي للحديث النبوي ، وإن كان بعض الصحابة ( 1 ) شاركه في ضبط الحديث النبوي ، لكن صحائفهم وكتبهم أحرقت - ويا للأسف - في عصر الخلفاء لمصالح هم أعرف بها ، وبذلك خسر المسلمون والسنة النبوية خسارة كبرى لا تستقال ، وبالتالي صار الحديث النبوي مرتعا لوضع الوضاعين والكذابين يلصقون به ما شاءوا من الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات ، لكن بقي كتاب الإمام غضا طريا مصونا من الشر ، يرثه إمام بعد إمام .

ولأجل إيقاف القارئ على واقع الأمر ، نذكر مواصفات الكتاب وميزاته ، وشيئا من نصوصه ، حتى يتبين أن كتاب علي ( عليه السلام ) لم يكن إلا جامعا حديثيا ، وكان تدوينا مبكرا للسنة النبوية المطهرة :
 أ - روى : بكر بن كرب الصيرفي قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : " إن عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس ، وإن الناس ليحتاجون إلينا ، وإن عندنا كتابا إملاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخط علي ( عليه السلام ) ، صحيفة فيها كل حلال وحرام " ( 2 ) .

 ب - روى فضيل بن يسار قال : قال لي أبو جعفر ( عليه السلام ) : " يا فضيل ! عندنا كتاب علي سبعون ذراعا ، ما على الأرض شئ يحتاج إليه إلا وهو فيه حتى

 

( 1 ) الترمذي ، السنن 5 : 39 كتاب العلم ، الدارمي ، السنن 1 : 125 ، باب من رخص في كتابة العلم ، الإمام أحمد ، المسند 2 : 215 ، وغيره .
( 2 ) الكليني ، الكافي 1 : 241 ، الصفار ، بصائر الدرجات : ص 142 . ( * )

 
 

- ص 577 -

أرش الخدش " ( 1 ) .

 ج - روى أبو بصير - في حديث - عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " يا أبا محمد ! وإن عندنا الجامعة ، وما يدريهم ما الجامعة ؟ " قال قلت : جعلت فداك ، وما الجامعة ؟ قال : " صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وإملائه من فلق فيه ، وخط علي ( عليه السلام ) بيمينه ، فيها كل حلال وحرام ، وكل شئ يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش " ( 2 ) .

 د - روى أيضا عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : سمعته يقول - وذكر ابن شبرمة - " أين هو من الجامعة ، إملاء رسول الله وخطه علي بيده ، فيها جميع الحلال والحرام حتى أرش الخدش " ( 3 ) .

إلى غير ذلك من الروايات الحاكية لخصوصيات الكتاب وميزاته الذي رواه أصحاب المعاجم من محدثي الشيعة ، فتسمية أئمة أهل البيت تارة بكتاب علي ، وأخرى بالجامعة ، وثالثة بصحيفة علي ، والكتاب ، يعرب عن عناية الإمام بضبط أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، كما يعرب عن عناية سيد الثقلين ، بكتابة حديثه ، ليبقى على مر العصور والقرون ، لا يعتريه الوضع والدس .

وفي العصر الذي كان الناس يروون عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : لا تكتبوا عني ! ! ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ( 4 ) وإن فريقا من الصحابة استأذنوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يكتبوا عنه فلم يأذنهم ( 5 ) ! وفي العصر الذي كانت مدرسة الخلفاء تروج تقليل الرواية عن الرسول ،

 

( 1 ) بصائر الدرجات : ص 147 .
( 2 ) الكافي 1 : 239 ، بصائر الدرجات : ص 143 .
( 3 ) بصائر الدرجات : 146 .

( 4 ) الدارمي ، السنن 1 : 119 ، والإمام أحمد 3 : 12 .
( 5 ) المصدر نفسه . ( * )
 
 

- ص 578 -

وكلما يبعث الخليفة عمر بن الخطاب واليا إلى قطر أو بلد يوصيه في جملة ما يوصيه بقوله : " جردوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن محمد وأنا شريككم ! ! " ( 1 ) وربما يعيب إفشاء الحديث عنه ( صلى الله عليه وآله ) ويقول مخاطبا لأبي ذر ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي الدرداء " وما هذا الحديث الذي تفشون عن محمد ؟ " ( 2 ) .

ففي تلك العصور الحرجة ، نرى أئمة أهل البيت يحتفظون بكتاب علي ، ويعتمدون عليه في نقل الحلال والحرام ، وبه يردون ما كان يصدر من الفتيا الشاذة عن الكتاب والسنة ولا يقيمون للمنع عن الكتابة والرواية وزنا ولا قيمة ، ولنذكر نماذج من روايات كتاب علي ليعلم موقفه من صيانة السنة من الضياع :
 1 - روى أبو بصير عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : كنت عنده فدعا بالجامعة فنظر فيها أبو جعفر ( عليه السلام ) فإذا فيها : " المرأة تموت وتترك زوجها ليس لها وارث غيره قال : فله المال كله " ( 3 ) .

 2 - روى أبو بصير المرادي قال : سألت أبا عبد الله عن شئ من الفرائض ، فقال : " ألا أخرج لك كتاب علي ( عليه السلام ) " - إلى أن قال : - فأخرجه فإذا كتاب جليل وإذا فيه : " رجل مات وترك عمه وخاله فقال : للعم الثلثان ، وللخال الثلث " ( 4 ) .

 3 - روى عبد الملك بن أعين قال : دعا أبو جعفر بكتاب علي فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطويا ، فإذا فيه : " إن النساء ليس لهن من عقار الرجل - إذا هو توفي عنها - شئ فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : هذا والله خط علي بيده ، وإملاء رسول الله " ( 5 ) .

 

( 1 ) الطبري ، التاريخ 3 : 273 طبعه الأعلمي بالأوفست .
( 2 ) كنز العمال 10 : 293 / 294 .

( 3 ) بصائر الدرجات : 145 .
( 4 ) الكليني ، الكافي 7 : 119 .
 
( 5 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة 17 : 522 ، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج ، الحديث 17 . ( * )
 

- ص 579 -

 4 - روى محمد بن مسلم الثقفي : قال : أقرأني أبو جعفر كتاب الفرائض التي هي إملاء رسول الله وخط علي فإذا فيها : " إن السهام لا تعول " ( 1 ) .

 5 - روى عذافر الصيرفي قال : كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر ( عليه السلام ) فجعل يسأله وكان أبو جعفر ( عليه السلام ) له مكرما ، فاختلفا في شئ ، فقال أبو جعفر : " يا بني قم فأخرج كتاب علي " فأخرج كتابا مدرجا عظيما وفتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : " هذا خط علي ( عليه السلام ) ، وإملاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) " ( 2 ) .
وهذه الروايات تكشف عن أن كتاب الفرائض الذي ذكر لعلي ( عليه السلام ) كان جزءا من كتابه الكبير .

 6 - روى ابن بكير قال : سأل زرارة أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن الصلاة في الثعالب والسنجاب وغيره من الوبر فأخرج كتابا زعم أنه إملاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " إن الصلاة في وبر كل شئ حرام أكله فالصلاة في وبره وشعره وجلده وبوله وروثه وألبانه وكل شئ منه فاسدة ، لا تقبل تلك الصلاة حتى تصلي في غيره مما أحل الله أكله " ثم قال : " يا زرارة هذا عن رسول الله " ( 3 ) .

وقد اقتصرنا على هذا المقدار ليعلم أن الكتاب أقدم جامع حديثي ، أملاه النبي وكتبه الإمام علي ، وكان الكتاب موجودا بين أئمة أهل البيت يرثه كابر عن كابر ، يصدرون عنه في الإفتاء وشاهده غير واحد من أصحابهم ، والكتاب وإن لم يكن موجودا بشخصه بيننا ، لكن روى أصحاب الجوامع الحديثية كالكليني ، والصدوق والطوسي قسما كبيرا منه ، وفرقوا أحاديثه على أبواب كتبهم على

 

( 1 ) تهذيب الأحكام 9 : 247 ، وسائل الشيعة 17 : 423 ، الباب 6 من أبواب موجبات الإرث ، الحديث 11 .
( 2 ) رواه النجاشي في رجاله في ترجمة محمد بن عذافر بن عيسى الصيرفي المدائني 2 : 260 / 967 .
( 3 ) الكافي 3 : 397 / ح 1 . ( * )

 
 

- ص 580 -

الترتيب المألوف ، وقد جمعها العلامة الحجة الشيخ علي الأحمدي في موسوعته " مكاتيب الرسول " ( 1 ) .

نعم بقي هنا سؤال : هل هذا الكتاب ، نفس الصحيفة التي كانت في قراب سيفه أو غيره ؟
الجواب : قد ذكر غير واحد من المحدثين إنه كانت لعلي في قراب سيفه صحيفة ، لكن الخصوصيات التي ذكرت للكتاب في الروايات تدل مائة بالمائة على أنه غير الصحيفة التي كان يجعلها في قراب سيفه ، وكيف وقراب السيف لا يسع إلا صحائف صغار ، مهما لفت وأدرجت فأين هي من المواصفات التي وقفت عليها من أنه كتاب طوله سبعون ذراعا ، أو طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم ، أو مثل فخذ الفالج ( 2 ) أو أخرج أبو جعفر كتابا مدرجا عظيما ، أو كتابا جليلا أو هو مثل فخذ الرجل مطويا ، إلى غير ذلك مما مر ذكرها .

نعم روى أبو جحيفة ، قال : سألت عليا ( رضي الله عنه ) : هل كان عندكم من النبي ( صلى الله عليه وآله ) شئ سوى القرآن ؟ قال : " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن ، وما في الصحيفة " ، قلت : وما الصحيفة ؟ قال : " العقل وفكاك الأسير ، ولا يقتل مؤمن بكافر " ( 3 ) .
إن هذه الرواية مهما صحت ونقلها أئمة الحديث ، لا تقابل ما نقلناه عن أئمة أهل البيت حول كتاب علي ، ومواصفاته ، ومشاهدة جم غفير لهذا الكتاب ، وقد نقلنا النزر اليسير من الكثير ، وهذا الحديث وما شابهه في التعبير وضع لنفي ما عند علي من ودائع النبوة وعلوم النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، والذي يعرب عن ذلك ، الإصرار على أنه ليس

 

( 1 ) مكاتيب الرسول 1 : 72 - 79 .
( 2 ) الكليني ، الكافي 1 : 241 ، والفالج : الجمل الضخم ذو السنامين .

( 3 ) الإمام أحمد ، المسند 1 : 79 . ( * )  
 

- ص 581 -

عند علي سوى كتاب الله أو الصحيفة الموجودة في قراب سيفه ، فقد رووها بالعبارات التالية :
 أ - " ما كتبنا عن النبي إلا القرآن وما في هذه الصحيفة " .
 ب - " من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله أو هذه الصحيفة فقد كذب " .
 ج - " ما خصنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بشئ لم يخص به الناس إلا ما في قراب سيفي هذا " .
 د - " ما عهد إلي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) شيئا خاصا دون الناس إلا شئ سمعته ، وهو في صحيفة قراب سيفي . . . " ( 1 ) .
إلى غير ذلك من التعابير الهادفة إلى نفي علمه بشئ إلا بالكتاب والصحيفة الصغيرة .

نحن نغض الطرف عما ذكرنا ، فلو صح ما في هذه الرواية ، فما معنى قوله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " ؟ وقد نقله كثير من الحفاظ والمحدثين ، فهذا شمس الدين المالكي يذكره في شعره بقوله :

وقال رسول الله إني مدينة * من العلم وهو الباب والباب فاقصد

وقد رواه من الحفاظ والأئمة ما يناهز مائة وثلاثة وأربعين شخصا ( 2 ) وقد ذكروا حول الحديث كلمات تعرب عن مفاد الحديث .

قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ( ت 658 ه‍ ) : قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي ( عليه السلام ) وزيادة علمه وغزارته ،

 

( 1 ) لاحظ المصادر التالية : أحمد بن حنبل ، المسند 1 : 81 ، 100 ، 102 ، 110 ، ابن كثير ، البداية والنهاية 5 : 251 ، مسلم ، الصحيح 4 : 217 .
( 2 ) لاحظ الغدير 6 : 61 - 77 . ( * )

 
 

- ص 582 -

وحدة فهمه ، ووفور حكمته ، وحسن قضاياه ، وصحة فتواه ، وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام ويأخذون بقوله في النقض والإبرام ، اعترافا منهم بعلمه ، ووفور فضله ، وبرصانة عقله ، وصحة حكمه ، وليس هذا الحديث في حقه بكثير ، لأن رتبته عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين أجل وأعلى من ذلك ( 1 ) .

وقال فضل بن روزبهان في ضمن رده على حجاج العلامة بأعلمية أمير المؤمنين بحديثي : " أقضاكم علي " ، و " أنا مدينة العلم " ، من طريق الترمذي ، قال ما هذا نصه : وأما ما ذكره المصنف من علم علي فلا شك في أنه من علماء الأمة ، والناس محتاجون إليه فيه ، وكيف لا ، وهو وصي النبي في إبلاغ العلم وودائع حقائق المعارف ؟ فلا نزاع لأحد فيه ، وما ذكره من صحيح الترمذي صحيح ( 2 ) .

وقال المناوي في فيض القدير تفسيرا لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " علي عيبة علمي " : أي مظنة استفصاحي وخاصتي وموضع سري ، ومعدن نفائسي . والعيبة : ما يحرز الرجل فيه نفائسه قال ابن دريد : وهذا من كلامه الموجز الذي لم يسبق ضرب المثل بشئ أراده اختصاصه بأموره الباطنة التي لا يطلع عليها أحد غيره ، وذلك غاية في مدح علي ( 3 ) .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال : كنا نتحدث معاشر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عهد إلى علي سبعين ، لم يعهدها إلى غيره ( 4 ) .

ورواه القندوزي في ينابيعه ثمانين عهدا مكان سبعين ( 5 ) .

 

( 1 ) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب : ص 195 .
( 2 ) دلائل الصدق 3 : 515 ط مصر .
( 3 ) المناوي ، فيض القدير 4 : 356 .

( 4 ) الطبراني ، المعجم الصغير : ص 69 .
( 5 ) القندوزي ، ينابيع المودة : ص 89 . ( * )
 
 

- ص 583 -

فقد خرجنا بالنتائج التالية :
 1 - إن كتاب علي من إملاء رسول الله وخط علي .
 2 - إن الكتاب أول جامع حديثي قام بكتابته علي ( عليه السلام ) لتدوين السنة وصيانتها من الضياع .
 3 - كانت في قرابة سيف علي ( عليه السلام ) صحيفة ، ولكن لم تكن هي الشئ الوحيد عند علي ، وإن كتاب علي - حسب ما مر من المواصفات - غير تلك الصحيفة .
 4 - إذا كان علي هو باب علم النبي ، والحاكم الروحي في عصر الخلفاء وما بعده ، فيلزم أن يكون عنده ودائع النبوة ، وجميع ما تحتاج إليه الأمة في مجال الأحكام .

* * *

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب