- أضواء على عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني  ص 92 :

الفرضية الرابعة : الشيعة ويوم الجمل

وأما الافتراض الخاطئ الرابع فيذهب إلى أن الشيعة تكونت يوم الجمل ، حيث ذكر ابن النديم في الفهرست : أن عليا قصد طلحة والزبير ليقاتلهما حتى يفيئا إلى أمر الله - جل اسمه - وتسمى من اتبعه على ذلك الشيعة ، وكان يقول : شيعتي ، وسماهم ( عليه السلام ) : الأصفياء ، الأولياء ، شرطة الخميس ، الأصحاب ( 1 ) .

وعلى ذلك جرى المستشرق " فلهوزن " حيث يقول : بمقتل عثمان انقسم الإسلام إلى فئتين : حزب علي ، وحزب معاوية ، والحزب يطلق عليه في العربية اسم " الشيعة " فكانت شيعة علي في مقابل شيعة معاوية ، لكن لما تولى معاوية الملك في دولة الإسلام كلها . . . أصبح استعمال لفظة " شيعة " مقصورا على أتباع علي ( 2 ) .

الملفت للنظر أن ما ذكره ابن النديم من تقسيمه لشيعة علي ( عليه السلام ) إلى الأصفياء والأولياء و . . . هو عين التقسيم الذي أورده البرقي ( 3 ) لأصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حيث قال : أصحاب أمير المؤمنين : من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : الأصحاب ، ثم الأصفياء ، ثم الأولياء ، ثم شرطة الخميس : من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : سلمان الفارسي ، المقداد ، أبو ذر ،

 

( 1 ) ابن النديم ، الفهرست : 263 ، ط القاهرة .
( 2 ) الخوارج والشيعة : 146 ( ترجمة عبد الرحمن بدوي ، ط القاهرة ) .
( 3 ) توفي البرقي عام ( 274 ) أو ( 280 ) وألف ابن النديم كتابه عام ( 377 ) وتوفي عام ( 378 ) . ( * )

 
 

- ص 93 -

عمار ، أبو ليلى ، شبير ، أبو سنان ، أبو عمرة ، أبو سعيد الخدري ( عربي أنصاري ) أبو برزة ، جابر بن عبد الله ، البراء بن عازب ( أنصاري ) ، عرفة الأزدي ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) دعا له فقال : " اللهم بارك له في صفقته " .

وأصحاب أمير المؤمنين ، الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل ، وقال علي بن الحكم : ( أصحاب ) أمير المؤمنين الذين قال لهم : " تشرطوا إنما أشارطكم على الجنة ، ولست أشارطكم على ذهب أو فضة ، إن نبينا ( عليه السلام ) قال لأصحابه فيما مضى : تشرطوا فإني لست أشارطكم ، إلا على الجنة " ( 1 ) ومما تقدم يظهر أن من عده ابن النديم من أصحاب الإمام رجالا ماتوا قبل أيام خلافته كسلمان وأبو ذر والمقداد ، وكلهم كانوا شيعة للإمام ، فكيف يكون التشيع وليد يوم الجمل ؟ والظاهر وجود التحريف في عبارة ابن النديم .

على كل تقدير فما تلونا عليك من النصوص الدالة على وجود التشيع في عصر الرسول وظهوره بشكل جلي بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله ) وهذا قبل أن تشب نار الحرب في البصرة ، دليل على وهن هذا الرأي - على تسليم دلالة كلام ابن النديم - فإن الإمام وشيعته بعد خروج الحق عن محوره ، واستتباب الأمر لأبي بكر ، رأوا أن مصالح الإسلام والمسلمين تكمن في السكوت ومماشاة القوم ، بينما كان نداء التشيع يعلو بين آن وآخر من جانب المجاهرين بالحقيقة ، كأبي ذر الغفاري وغيره ، ولكن كانت القاعدة الغالبة هي المحافظة قدر الإمكان على بقاء الإسلام وعدم جر المسلمين إلى صدام كبير ونار متأججة لا تبقي ولا تذر ، والعمل قدر الإمكان لدعم الواجهة السياسية للخلافة الإسلامية ورفدها بالجهد المخلص والنصح المتواصل .

إلا أن الأمر عندما آل إلى الإمام علي وجدت شيعته متنفسا واسعا للتعبير عن

 

( 1 ) البرقي : الرجال 3 . ( * )

 
 

- ص 94 -

وجودها والإفصاح عن حقيقتها ، فظهرت بأوضح وأجلى صورها ، فمن هنا وقع أصحاب هذه الفرضية وغيرها في هذه الاشتباهات الواضحة البطلان .

الفرضية الخامسة : الشيعة ويوم صفين

زعم بعض المستشرقين ( 1 ) أن الشيعة تكونت يوم افترق جيش علي في مسألة التحكيم إلى فرقتين ، فلما دخل علي الكوفة وفارقته الحرورية، وثبت إليه الشيعة، فقالوا : في أعناقنا بيعة ثانية ، نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت .

وهذا الفهم الخاطئ لهذه الواقعة ، وامتطاء هذه العبارة المذكورة لتحديد نشأة التشيع يعتمد بالأساس على افتراض أن لتكون الشيعة تاريخا مفصولا عن تاريخ الإسلام ، فأخذ يتمسك بهذه العبارة ، مع أن تعبير الطبري - أعني قوله : وثبت إليه الشيعة ( 2 ) - دليل على سبق وجودهم على ذلك .

نعم كان للشيعة بعد تولي الإمام الخلافة وجود واضح حيث ارتفع الضغط فالتف حوله موالوه من الصحابة والتابعين ، إلا أن الأمر الثابت هو أن ليس جميع من كان في جيشه من شيعته بالمعنى المفروض والواقعي للتشيع ، بل أغلب من انخرط في ذلك الجيش كانوا تابعين له لأنه خليفة لهم ، وقد بايعوه على ذلك .

الفرضية السادسة : الشيعة والبويهيون

تقلد آل بويه مقاليد الحكم والسلطة من عام ( 320 ) إلى ( 447 ه‍ ) ، فكانت لهم السلطة في العراق وبعض بلاد إيران كفارس وكرمان وبلاد الجبل وهمدان

 

( 1 ) تاريخ الإمامية ، للدكتور عبد الله فياض : 37 .

( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 46 ط مصر . ( * )  
 

- ص 95 -

وإصفهان والري ، وقد أقصوا عن الحكم في الأخير بهجوم الغزاونة عليهم عام ( 420 ه‍ ) .

وقد ذكر المؤرخون - خصوصا ابن الأثير في الكامل وابن الجوزي في المنتظم - شيئا كثيرا من أحوالهم ، وخدماتهم ، وإفساحهم المجال لجميع العلماء من دون أن يفرقوا بينهم بمختلف طوائفهم ، وقد ألف المستشرق " استانلي لين بول " كتابا في حياتهم ترجم باسم : طبقات سلاطين الإسلام .

يقول ابن الأثير في حوادث عام ( 372 ه‍ ) في حديثه عن أحد الملوك البويهيين ، وهو عضد الدولة : وكان عاقلا ، فاضلا ، حسن السياسة ، كثير الإصابة ، شديد الهيبة ، بعيد الهمة ، ثاقب الرأي ، محبا للفضائل وأهلها ، باذلا في مواضع العطاء . . . إلى أن قال : وكان محبا للعلوم وأهلها ، مقربا للعلماء ، محسنا إليهم ، وكان يجلس معهم يعارضهم في المسائل ، فقصده العلماء من كل بلد ، وصنفوا له الكتب ، ومنها الإيضاح في النحو ، والحجة في القراءات ، والملكي في الطب ، والتاجي في التاريخ إلى غير ذلك ( 1 ) .

وهذا يدل على أنهم كانوا محبين للعلم ومروجين له ولهم أياد مشكورة في نشر العلم ومساندة العلماء . وبالرغم من أن في عصرهم كان يغلب على أكثر البلاد مذهب التسنن إلا أن البويهين لم يقفوا موقف المعادي لهم على الرغم مما وقفه غيرهم من الملوك الآخرين من غير الشيعة من معاداة التشيع ومحاربته . ولعل التأريخ قد سجل في صفحاته أحداثا مؤلمة بعد سقوط البويهيين ودخول طغرل بك مدينة السلام ( بغداد ) عام ( 447 ه‍ ) ، عندما أحرقت مكتبة الشيخ الطوسي وكرسيه الذي كان يجلس عليه للتدريس ( 2 ) .

نعم راج مذهب الشيعة في عصرهم واستنشق رجالاته نسيم الحرية بعد أن

 

( 1 ) الكامل في التاريخ 9 : 19 - 21 ط دار صادر .

( 2 ) المنتظم 16 : 108 الطبعة الحديثة بيروت . ( * )  
 

- ص 96 -

تحملوا الظلم والاضطهاد طيلة حكم العباسيين خصوصا في عهد المتوكل ومن بعده ، غير أن تكون مذهب الشيعة في أيامهم شئ وكونهم مروجين ومعاضدين له شئ آخر ، ومن السذاجة بمكان الخلط بين الحالين وعدم التمييز بينهما .

 

عقائد الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب