|
|
- عقائد الامامية - الشيخ محمد رضا
المظفر ص 101 : |
36 -
عقيدتنا في زيارة القبور
ومما امتازت به الإمامية العناية بزيارة القبور " قبور النبي
والأئمة عليهم الصلاة والسلام " وتشييدها وإقامة العمارات الضخمة عليها ،
ولأجلها يضحون بكل غال ورخيص عن إيمان وطيب نفس .
ومرد كل ذلك إلى وصايا الأئمة ، وحثهم شيعتهم على الزيارة ، وترغيبهم فيما لها
من الثواب الجزيل عند الله تعالى ، باعتبار أنها من أفضل الطاعات والقربات بعد
العبادات الواجبة ، وباعتبار أن هاتيك القبور من خير المواقع لاستجابة الدعاء
الانقطاع إلى الله تعالى .
وجعلوها أيضا من تمام الوفاء بعهود الأئمة ، ( إذ أن لكل إمام عهدا في عنق
أوليائه وشيعته ، وأن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ، فمن
زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقا بما رغبوا فيه كان
أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة ) ( 1 )
.
وفي زيارة القبور من الفوائد الدينية والاجتماعية ما تستحق
العناية من أئمتنا ، فإنها في الوقت الذي تزيد من رابطة الولاء والمحبة بين
الأئمة وأوليائهم ، وتجدد في النفوس ذكر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الحق
- تجمع في مواسمها أشتات
المسلمين المتفرقين على صعيد واحد ، ليتعارفوا ويتآلفوا ، ثم
تطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى والانقطاع إليه وطاعة أوامره ،
وتلقنهم في مضامين عبارات الزيارات البليغة الواردة عن آل البيت حقيقة التوحيد
والاعتراف بقدسية الإسلام
والرسالة المحمدية ، وما يجب على المسلم من الخلق العالي
الرصين والخضوع إلى مدبر الكائنات وشكر آلائه ونعمه ، فهي من هذه الجهة تقوم
بنفس وظيفة الأدعية المأثورة التي تقدم الكلام عليها ، بل بعضها يشتمل على أبلغ
الأدعية وأسماها كزيارة
( أمين الله ) وهي الزيارة المروية عن الإمام " زين العابدين
" عليه السلام حينما زار قبر جده " أمير المؤمنين " عليه السلام
كما تفهم هذه الزيارات المأثورة مواقف الأئمة عليهم السلام وتضحياتهم في سبيل
نصرة الحق وإعلاء كلمة الدين وتجردهم لطاعة الله تعالى ، وقد وردت بأسلوب عربي
جزل ، وفصاحة عالية ، وعبارات سهلة يفهمها الخاصة والعامة ، وهي محتوية على
أسمى معاني التوحيد ودقائقه والدعاء والابتهال إليه تعالى . فهي بحق من أرقى
الأدب الديني
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
من قول الإمام الرضا عليه السلام . راجع كامل الزيارات لابن قولويه ص 122 .
( * )
|
بعد القرآن الكريم ونهج البلاغة والأدعية المأثورة عنهم ، إذ
أودعت فيها خلاصة معارف الأئمة عليهم السلام فيما يتعلق بهذه الشئون الدينية
والتهذيبية .
ثم إن في آداب أداء الزيارة أيضا من التعليم والارشاد ما يؤكد من تحقيق تلك
المعاني الدينية السامية ، من نحو رفع معنوية المسلم وتنمية روح العطف على
الفقير ، وحمله على حسن العشرة والسلوك والتحبب إلى مخالطة الناس .
فإن من آدابها ما ينبغي أن يصنع قبل البدء بالدخول في ( المرقد المطهر )
وزيارته . ومنها ما ينبغي أن يصنع في أثناء الزيارة وفيما بعد الزيارة . ونحن
هنا نعرض بعض هذه الآداب للتنبيه على مقاصدها التي قلناها :
1 - من آدابها أن يغتسل الزائر قبل الشروع
بالزيارة ويتطهر ، وفائدة ذلك فيما نفهمه واضحة ، وهي أن ينظف الانسان بدنه من
الأوساخ ليقيه من كثير من الأمراض والأدواء ، ولئلا يتأفف من روائحه الناس
( 1 ) وأن يطهر نفسه من الرذائل .
وقد ورد في المأثور أن يدعو الزائر بعد الانتهاء من الغسل لغرض تنبيهه على تلكم
الأهداف العالية فيقول : ( اللهم اجعل لي نورا وطهورا وحرزا كافيا من كل داء
وسقم ومن كل آفة وعاهة ، وطهر به قلبي وجوارحي وعظامي ولحمي ودمي وشعري وبشري
ومخي وعظمي وما أقلت الأرض مني ، واجعل لي
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
قال أمير المؤمنين عليه السلام : " تنظفوا بالماء من الريح المنتنة وتعهدوا
أنفسكم ، فإن الله يبغض من عباده القاذورة الذي يتأفف من
جلس إليه " تحف
العقول ص 24 . ( * )
|
شاهدا يوم حاجتي وفقري وفاقتي ) .
2 - أن يلبس أحسن وأنظف
ما عنده من الثياب ، فإن في الأناقة في الملبس في المواسم العامة ما يحبب الناس
بعضهم إلى بعض ويقرب بينهم ويزيد في عزة النفوس والشعور بأهمية الموسم الذي
يشترك فيه .
ومما ينبغي أن نلفت النظر إليه في هذا التعليم أنه لم يفرض فيه أن يلبس الزائر
أحسن الثياب على العموم ، بل يلبس أحسن ما يتمكن عليه . إذ ليس كل أحد يستطيع
ذلك وفيه تضييق على الضعفاء لا تستدعيه الشفقة فقد جمع هذا الأدب بين ما ينبغي
من الأناقة وبين رعاية الفقير وضعيف الحال .
3 - أن يتطيب ما وسعه الطيب . وفائدته
كفائدة أدب لبس أحسن الثياب .
4 - أن يتصدق على الفقراء
بما يعن له أن يتصدق به . ومن المعلوم فائدة التصديق في مثل هذه المواسم ، فإن
في معاونة المعوزين وتنمية روح العطف عليهم .
5 - أن يمشي على سكينة ووقار غاضا من بصره
. وواضح ما في هذا من توقير للحرم والزيارة وتعظيم للمزور وتوجه إلى الله تعالى
وانقطاع إليه ، مع ما في ذلك من اجتناب مزاحمة الناس ومضايقتهم في المرور وعدم
إساءة بعضهم إلى بعض .
6 - أن يكبر بقول : " الله أكبر " ويكرر
ذلك ما شاء . وقد تحدد في بعض الزيارات إلى أن تبلغ المائة . وفي ذلك فائدة
إشعار النفس بعظمة الله وأنه لا شئ أكبر منه . وأن الزيارة ليست إلا لعبادة
الله وتعظيمه وتقديسه في إحياء شعائر الله وتأييد دينه .
7 - وبعد الفراغ من الزيارة للنبي أو الإمام
يصلي ركعتين على الأقل ، تطوعا وعبادة لله تعالى ليشكره على توفيقه إياه ،
ويهدي ثواب الصلاة إلى المزور .
وفي الدعاء المأثور الذي يدعو به الزائر بعد هذه الصلاة ما يفهم الزائر ، إن
صلاته وعمله إنما هو لله وحده وإنه لا يعبد سواه ، وليست الزيارة إلا نوع
التقرب إليه تعالى زلفى ، إذ يقول : " اللهم لك صليت ولك ركعت ولك سجدت وحدك لا
شريك لك ، لأنه لا تكون الصلاة والركوع والسجود إلا لك ، لأنك أنت الله لا إله
إلا أنت . اللهم صل على محمد وآل محمد ، وتقبل مني زيارتي وأعطني سؤلي بمحمد
وآله الطاهرين " .
وفي هذا النوع من الأدب ما يوضح لمن يريد أن يفهم الحقيقة عن مقاصد الأئمة
وشيعتهم تبعا لهم في زيارة القبور ، وما يلقم المتجاهلين حجرا حينما يزعمون
أنها عندهم من نوع عبادة القبور والتقرب إليها والشرك بالله .
وأغلب الظن إن غرض أمثال هؤلاء هو التزهيد فيما يجلب لجماعة الإمامية من
الفوائد الاجتماعية الدينية في مواسم الزيارات ، إذ أصبحت شوكة في أعين أعداء
آل بيت محمد ، وإلا فما نظنهم يجهلون حقيقة مقاصد آل البيت فيها . حاشا أولئك
الذين أخلصوا لله نياتهم وتجردوا له في عباداتهم ، وبذلوا مهجهم في نصرة دينه
أن يدعو الناس إلى الشرك في عبادة الله .
8 - ومن آداب الزيارة ( أن يلزم للزائر حسن
الصحبة لمن يصحبه
وقلة الكلام إلا بخير ، وكثرة ذكر الله
( 1 ) ، والخشوع وكثرة الصلاة والصلاة على محمد وآل محمد ، وأن يغض من
بصره ، وأن يعدو إلى أهل الحاجة من إخوانه إذا رأى منقطعا ، والمواساة لهم ،
والورع عما نهى عنه وعن الخصومة وكثرة الإيمان والجدال الذي فيه الإيمان )
( 2 ) .
ثم أنه ليست حقيقة الزيارة إلا السلام على النبي أو الإمام باعتبار أنهم "
أحياء عند ربهم يرزقون " ، فهم يسمعون الكلام ويردون الجواب : ويكفي أن يقول
فيها مثلا : ( السلام عليك يا رسول الله ) غير أن الأولى أن يقرأ فيها المأثور
الوارد من
الزيارات عن آل البيت ، لما فيها - كما ذكرنا - من المقاصد
العالية والفوائد الدينية ، مع بلاغتها وفصاحتها ، ومع ما فيها من الأدعية
العالية التي يتجه بها الانسان إلى الله تعالى وحده .
| |
* هامش * |
|
|
|
(1)
ليس المراد من كثرة ذكر الله تكرار التسبيح والتكبير ونحوهما فقط . بل
المراد ما ذكره الصادق عليه السلام في بعض الحديث في تفسير
ذكر الله كثيرا
أنه قال : " أما إني لا أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله
أكبر ، وإن كان هذا من ذاك ولكن ذكر الله في كل
موطن إذا هجمت على طاعة أو
معصية " .
(2)
راجع كامل الزيارات ص 131 . ( * )
|
|