- فقهيات بين السنة والشيعة - عاطف سلام ص 79 :

أدلة القائلين بالنسخ


والآن ننظر إلى الأدلة التي أوردها القائلون بالنسخ : - قالوا : إن هذه الآية : ( . . فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم في ما تراضيتم به من بعد الفريضة ) لا يقصد بها نكاح المتعة ولكن المقصود بالاستمتاع هنا هو الدخول بالزوجة والمقصود بالأجور هو استقرار تمام المهر لها بعد الدخول .


والجواب على ذلك :

 أولا : إن الروايات الصحيحة عن ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد أثبتت بالآية هو نكاح المتعة حتى قرؤوها : " . . فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة . . " وقد ادعى الرازي الإجماع على هذه القراءة الصحيحة .


 ثانيا : لن لفظ الاستمتاع أعم من الدخول ويندرج تحته اللمس والنظر بشهوة وما إلى ذلك وهذا يقتضي أن إيتاء المهر مشروط بالاستمتاع بيد أن ذلك غير حاصل إذ أن المرأة إذا طلقت قبل أن يراها زوجها فقد وجب لها نصف المهر . والغريب في هذا الصدد أن بعضهم زعم أن العقد بمجرده يعد مصدر استمتاع للرجل ! !


 ثالثا : إنه إذا كان للفظ حقيقة شرعية ومعنى لغوي ثم ورد في القرآن فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية - كما هو مقرر في محله - مثل : الصلاة والصيام والزكاة وغيرها وكذلك الأمر هنا بالنسبة لنكاح المتعة .
 

- ص 80 -

 رابعا : إنه لو فرض جدلا أن المقصود ( بالاستمتاع ) هو الدخول وأن المقصود ( بالأجور ) هو تمام المهر وأن المقصود
( بالتراضي من بعد الفريضة ) هو التفاهم حول النقصان منه والتغاضي عن بعضه عن طيب خاطر فإن الحكم المستفاد من

هذه الآية - حينئذ - يكون هو الحكم ذاته المذكور في أوائل السورة نفسها في قوله تعالى : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) [ النساء / 4 ] .


فما معنى تكرار الحكم نفسه في آية أخرى بعدها بقليل في السورة ذاتها مع قيام الأدلة القاطعة على أن المقصود بالآية الأخيرة حكم آخر مختلف يتعلق بنكاح المتعة ؟ !



 - قالوا : إن الذي نسخ آية المتعة هو قوله تعالى في [ سورة المؤمنون / 5 و 6 ] : ( والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) . وأن المتمتع بها ليست بزوجة ولا ملك يمين إذا فلا يجوز إباحته بعد هذه الآية . فأما كونها ليست بملك يمين فهذا أمر متفق عليه وأما كونها ليست بزوجة فلأنها لا إرث لها ولا نفقة ولا ليلة ولا طلاق . .


والجواب على ذلك :

 أولا : إنها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي - كما ذكرنا - وعدم النفقة والإرث والليلة والطلاق فإنما هو لأدلة خاصة خصصت العمومات الواردة في أحكام الزوجات كما أشرنا سابقا .


 ثانيا : إن هذه الآية الواردة في سورة " المؤمنون " مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق فلا يمكن أن تكون ناسخة لإباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة الإجماع .


ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلفين أن يقولوا بأن آية " المؤمنون " ناسخة لمتعة النساء إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين فإذا قلنا لهم : ولماذا لا تكون
 

- ص 81 -

ناسخة لنكاح الإماء المملوكات لغير الرجل الذي يريد أن ينكحهن وهن - في هذه الحال - لسن بزوجات لهذا الرجل ولا بملك له ؟ ! قالوا حينئذ : إن سورة " المؤمنون " مكية ونكاح الإماء المذكورات إنما شرع بقوله تعالى في سورة " النساء " الآية

25 وهي مدينة : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات . . ) والمكي لا يكون ناسخا للمدني لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ . قلنا : فإن الحال هنا كذلك بالنسبة لنكاح المتعة .


 ثالثا : إن الزوجة لم يجب لها الميراث ويقع بها الطلاق من حيث كونها زوجة فقط وإنما حصل لها بصفة تزيد على الزوجية والدليل على هذا أن الأمة إذا كانت لا ترث والزوجة القاتلة لا ترث والذمية لا ترث وهؤلاء زوجات وقع ذلك نظرا

لأحوالهن الخاصة وكذلك الأمر بالنسبة للطلاق فإن الأمة المبيعة يتم فراقها بغير طلاق والملاعنة أيضا تبين بغير طلاق وكذلك المختلعة والمرتد عنها زوجها والمرضعة قبل الفطام بما يوجب التحريم من لبن الأم والزوجة حينئذ تبين بغير طلاق

وجميع هؤلاء - أيضا - زوجات في الحقيقة أما بالنسبة للنفقة فإنها لا تجب مع النشوز وهذه حالة خاصة للزوجة وكذلك الوضع هنا بالنسبة للمتمتع بها التي تمثل حالة خاصة من الزوجات .


هذا في ما يتعلق بادعاء نسخ آية المتعة بآيات مثلها من القرآن وقد علمت بطلانه وعدم قيام الحجة به .


والآن ننظر في ادعاء نسخ الآية بالأخبار الواردة في ذلك : قبل أن نخوض في بحث هذه الأخبار ومناقشتها نورد الملاحظات الآتية :

 أولا : إنها لأخبار آحاد ظنية لا توجب علما ولا عملا ومعلوم يقينا أن القرآن لا ينسخ بخبر الواحد بالإجماع .
 

- ص 82 -

 ثانيا : إن هذه الروايات والأخبار قد تناقضت وتعارضت مع بعضها فمنها ما يدل على أن النسخ كان في غزوة خيبر أي في المحرم من السنة السابعة للهجرة ومنها ما يدل على أن النسخ كان في فتح مكة أو غزوة أوطاس وكلاهما في العام الثامن

للهجرة الأول في شهر رمضان والثانية في شوال من العام نفسه ومنها ما يدل على أن النسخ كان في غزوة تبوك أي في رجب من السنة التاسعة للهجرة ومنها ما يدل على أن النسخ كان في حجة الوداع أي في العام العاشر للهجرة وهذا يستلزم

أن تكون قد نسخت سبع مرات - كما نقله القرطبي في ( تفسيره ) عند بلوغه الآية - في مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات ! ! فهل يمكن بعد ذلك الاطمئنان إلى تلك الأخبار المتضاربة والركون إليها ؟ وهل هذه طريقة يعتد بها في نسخ أحكام الله التي ثبتت يقينا مشروعيتها بالكتاب والسنة ؟ !


 ثالثا : إن هذه الأخبار الدالة على النسخ قد عارضتها أخبار أخرى تدل على استمرارية نكاح المتعة ودوام حليته وهذا يؤدي إلى إسقاط تلك الأخبار وعدم اعتبارها .


 رابعا : إن ذلك يجعلنا نشك في صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقودنا إلى البحث عن مصدر النسخ الذي ادعاه بعضهم وكيف ذاع أمره وشاع ذكره .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب