- فقهيات بين السنة والشيعة - عاطف سلام ص 13 :

[ 1 ] الجمع بين الصلاتين


إن الصلاة هي الركن الأعظم من الدين وعموده المتين وتحتل منه موقعا متميزا لم تشاركها فيه فريضة أخرى .


وقد أوجب الله تعالى أداءها بانتظام والمحافظة عليها حتى في أوقات الشدة والخوف مثل الحرب والجهاد قال تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . . ) [ النساء / 102 ] .


وجاء في الحديث الشريف عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة " ( 1 ) .


وبالرغم من هذا التشدد في أمر الصلاة والتأكيد على عدم التهاون في شأنها إلا أن الإسلام لم يزل دين اليسر والسهولة وما برح ينأى بأتباعه عن العنت والمشقة بل إنه يأبى التضييق في العبادة ، لأن ذلك قد يفضي إلى تعسر أدائها ثم إلى تركها نهائيا


ولذلك أدخل الإسلام تيسيرات كثيرة في الصلاة من أجل تسهيل القيام بها والمواظبة عليها تستوعب طبيعة أدائها وعدد ركعاتها وأوقاتها . فأما ما يتعلق بطريقة الأداء فإن الإسلام قد أجاز لمن لا يستطيع أداءها قائما أن يؤديها قاعدا ومن لا يستطيع أن يؤديها قاعدا فلا حرج عليه أن يؤديها مضطجعا .
 

 

* هامش *

 

 

(1) رواه مسلم وأحمد . ( * )

 

 

- ص 14 -

كذلك يمكن للجندي أثناء السير إلى الجهاد أن يؤديها وهو بداخل دبابته أو مصفحته على الوجه الذي يلائمه . . . وهكذا .


أما في ما يتعلق بعدد ركعاتها فإن الإسلام قد أجاز قصر الصلوات الرباعية بحيث يؤديها المسافر ثنائية وفق الشرائط المقررة لذلك وهذا - أيضا - من باب التيسير والتخفيف أثناء السفر .


أما في ما يخص أوقاتها فإن الإسلام قد أجاز الجمع بين الصلوات سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير تيسيرا لأدائها على المؤمنين ورفعا للضيق والحرج عنهم ولا خلاف بين أهل القبلة من المذاهب الإسلامية كلها في جواز الجمع أثناء الوقوف

بعرفة بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم : أي أداء العصر في وقت الظهر بعد أداء الأخيرة مباشرة كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير : أي أداء صلاة المغرب في وقت العشاء بدءا بصلاة

المغرب ثم العشاء على الترتيب وهذا من المستحبات القطعية والسنن النبوية المؤكدة لكن الخلاف قد وقع في جواز الجمع في ما عدا هذين الموطنين .


فأما الحنفية فقد منعوا الجمع بين الصلاتين مطلقا في ما عدا الجمع في عرفة والمزدلفة بالرغم من توفر الأحاديث الصحيحة وتضافرها في جواز الجمع ولا سيما في السفر لكنهم تأولوها على صراحتها في ذلك وحملوها على محامل أخرى مثل الجمع الصوري ، الذي هو عبارة عن تأخير الداء الصلاة إلى آخر وقتها ثم أدائها مع الصلاة التي تليها في أول وقتها .


وأما الشافعية والمالكية والحنبلية فقد أجازوا الجمع في السفر لكنهم اختلفوا في جوازه في عدة أعذار أخرى قد تبيحه مثل المطر والطين والمرض والمرأة المرضع أو المستحاضة وكذلك في شروط السفر المبيح له .


أما بالنسبة لأئمة أهل البيت عليهم السلام فإنهم قالوا بجواز الجمع بين الصلاتين مطلقا وتبعهم في ذلك شيعتهم الآخذون بمذهبهم والعاملون
 

- ص 15 -

بفقههم فهم يجمعون غالبا بين صلاتي الظهر والعصر وبين صلاتي المغرب والعشاء ولا فرق في ذلك إذا كان الجمع في سفر أو في حضر بعذر أو بغير عذر وكذلك الجمع عندهم جائز سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير بلا فرق . وكان هذا موضع خلاف بينهم وبين الجمهور .


وقد احتجوا لذلك بالصحاح المتواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام غير أنهم احتجوا - أيضا - ببعض الصحاح المعتمدة عند أهل السنة التي تعضد رأيهم وتؤيدهم في ما ذهبوا إليه ونذكر هنا بعضا منها :


أخرج البخاري ( في باب : تأخير الظهر إلى العصر من كتاب مواقيت الصلاة ) بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء . فقال أيوب : لعله في ليلة مطيرة . قال : عسى " ( 1 ) .


وأخرج أيضا ( في باب : وقت المغرب ) عن جابر بن يزيد عن ابن عباس قال : " صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعا جميعا وثمانيا جميعا " ( 2 ) .


وأخرج الترمذي ( في باب : الجمع بين الصلاتين في الحضر ) بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر قال : فقيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته " ( 3 ) .


وأخرج مسلم في صحيحه ( باب : الجمع بين الصلاتين ) : - بسنده عن أبي زبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر قال أبو الزبير : فسألت سعيدا لم فعل ذلك ؟
 

 

* هامش *

 

 

(1) صحيح البخاري : ج 1 ص 144 .
(2) المصدر نفسه وأخرجه - أيضا - مالك في الموطأ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ص 125 .
(3)
صحيح الترمذي : ج 1 ص 355 . ( * )

 

- ص 16 -

فقال : سألت ابن عباس كما سألتني فقال : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته " .


- بسنده عن حبيب بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر . في حديث وكيع قال : قلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : كي لا يحرج أمته . وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس : ما أراد إلى ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته " .


- بسنده عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : " صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانيا جميعا وسبعا جميعا قلت : يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء . قال : وأنا أظن ذلك " .


- بسنده عن عبد الله بن شقيق قال : " خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون : الصلاة . . الصلاة قال : فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني : الصلاة . . . الصلاة فقال ابن عباس : أتعلمني بالسنة لا أم لك ؟ ! ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال عبد الله بم شقيق : فحاك في صدري من ذلك شئ فأتيت أبا هريرة فصدق مقالته " .


- بسنده - أيضا - عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : " قال رجل لابن عباس : الصلاة فسكت ثم قال : الصلاة فسكت ثم قال : الصلاة فسكت ثم قال : لا أم لك أتعلمنا بالصلاة وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ !


قال النووي في شرحه على ( صحيح مسلم ) : " هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب . . . " ثم قال : " منهم من تأوله على أنه جمع بعذر المطر وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين وهو ضعيف بالرواية الأخرى : " من غير خوف ولا مطر " .
 

- ص 17 -

ومنهم  من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن وقت العصر دخل فصلاها وهذا أيضا باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء .


ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاهما فيه فلما فرغ دخلت الثانية فصلاهما فصارت صلاته صورة جمع وهذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل وفعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل .


ومنهم من قال : هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة ولأن المشقة فيه أشد من المطر " ( 1 ) .


قلنا : إن هذا التأويل الأخير مردود من وجوه :

 أولا : إن الأحاديث الواردة في الجمع مطلقة وليست مقيدة بمرض أو غيره .

 ثانيا : إن الأحاديث جاءت بألفاظ متقاربة منها : " في غير خوف ولا مطر " والخوف يندرج تحته جميع الأسباب التي تدعو إليه من مرض وتعب وإرهاق وإرضاع وانشغال بأمر هام . . . إلى غير ذلك من الأعذار التي قد تسبب مشقة لصاحبها .


 ثالثا : إنه لو فرض أن الجمع كان بعذر المرض ونحوه لكان قد جمع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يتوفر له العذر نفسه أما الباقون فلا يسوغ لهم الجمع . وهذا يعارض ظاهر الأحاديث الواردة على إطلاقها .


 رابعا : إن ابن عباس لم يكن يخطب في مستشفى بحيث يجبر غيره على الجمع بدليل أنه عنف الرجل الذي كان يلح في الصلاة قائلا له : " أتعلمني
 

 

* هامش *

 

 

(1) مسلم بشرح النووي : ج 5 ص 218 . ( * )

 

 

- ص 18 -

بالسنة لا أم لك . . ؟ " ثم قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء " .


وهذا يدل بوضوح على أن ابن عباس قد أصاب السنة بعينها بدليل أن أبا هريرة - أيضا - أيده في فعله ولم يذكر عذرا واحدا لتقييد هذا الجمع وبالتالي تنتفي كافة الأعذار التي يمكن أن يتعذر بها المعارضون للجمع على إطلاقه .


ثم قال النووي في تكملة شرحه للأحاديث : " وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين واشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر ويؤيده ظاهر قول ابن عباس : " أراد أن لا يحرج أمته " فلم يعلله بمرض ولا غيره . والله أعلم " .


قلنا : بالرغم من أن هذا القول يشبه إلى حد كبير ما عليه مذهب أهل البيت عليهم السلام إلا أننا لا ندري ما المقصود بقولهم : " للحاجة لمن لا يتخذه عادة " وبأي دليل جاؤوا بتلك العبارة : " لمن لا يتخذه عادة " وهل كان ابن عباس متكاسلا عن قولها حتى يفسح المجال لغيره كيما يقولها من بعده نيابة عنه ؟ !


وقال الحافظ في ( الفتح ) في شرح الحديث الوارد في ( صحيح البخاري ) عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال : " وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة .


وممن قال به : ابن سيرين وربيعة واشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال : فقلت لابن عباس : لم فعل ذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج من أمته " .


وللنسائي من طريق عمر وبن هرم عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما
 

- ص 19 -

شئ والمغرب والعشاء ليس بينهما شئ فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ثم

جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه وما ذكره ابن عباس التعليل بنفي الحرج ظاهر في مطلق الجمع


وقد جاء مثله عن ابن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه : " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال : صنعت هذا لئلا تحرج أمتي وإرادة نفي الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج " ( 1 ) .


مما تقدم يتبين لنا أن الجمع بين الصلاتين جائز على إطلاقه وأن الهدف من وراء ذلك هو رفع الحرج عن أفراد الأمة وإدخال اليسر والتوسعة عليهم بحيث يصبح في مقدور كل إنسان أن يؤدي الصلوات بانتظام من دون أدنى عسر أو مشقة .

قال تعالى : ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم . . ) [ الحج / 78 ] .


ولا ريب أن هذا التيسير يساعد على المواظبة على أداء الصلوات والمحافظة عليها كما أن التشدد في وجوب التفريق على خمسة أوقات منفصلة قد أدى إلى تضييق نطاقها والتكاسل عن أدائها جملة لا سيما عند أهل المشاغل والمصالح وما أكثرهم .

ومما يدل - أيضا - على جواز الجمع مطلقا كتاب الله المجيد إذ يبين أن أوقات الصلوات المفروضة هي ثلاثة أوقات فحسب وهي وقت لفريضتي الظهر والعصر مشتركا بينهما ووقت لفريضتي المغرب والعشاء مشتركا بينهما ووقت ثالث لفريضة الصبح خاصة .
 

 

* هامش *

 

 

(1) فتح الباري : ج 2 ص 20 . ( * )

 

 

- ص 20 -

قال تعالى : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) [ الإسراء / 78 ] .

قال الرازي حول تفسيرها : " فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب . وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات : وقت للزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر .


وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا - أيضا - بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر لا يجوز من غير عذر فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر المطر وغيره " ( 1 ) .


قلنا : لقد بحثنا في ما ذهب إليه بأن الجمع في الحضر لا يجوز من غير عذر فلم نجد له عينا ولا أثرا وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع في حال العذر وفي حال عدمه - أيضا - توسعة على أمته ورفعا للحرج عنها وتلك هي السنة العصماء التي جاء بها خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
 

 

* هامش *

 

 

(1) التفسير الكبير للرازي : ج 21 ص 27 .

 


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب