- فقهيات بين السنة والشيعة - عاطف سلام ص 26 :

 نظرة في أخبار الغسل


والآن نلقي نظرة عابرة على بعض الأخبار التي استنبط منها الجمهور وجوب غسل الأرجل وهي تنقسم إلى قسمين :


 أولا : منها ما هو غير دال صراحة على وجوب الغسل مثل الحديث الذي أخرجه الشيخان في ( صحيحيهما ) عن عبد الله بن عمرو وابن العاص

- ص 27 -

قالا تخلف عنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد حضرت صلاة العصر فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى : " ويل للإعقاب من النار " .


وهذه الكلمة الأخيرة أي : " ويل للإعقاب من النار " قد وردت - أيضا - في حديث كل من أبي هريرة وعائشة .


وهذا لو صح فإنه يقتضي المسح لأنهم كانوا يعرفون كيفية الوضوء سلفا ومن ثم جعلوا يمسحون على أرجلهم كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكره عليهم بل أقرهم عليه وإنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم واختلاطها بالنجاسات ولا عجب من

ذلك فإن فيهم أعرابا حفاة جهلة كثيرا ما يتبولون على أعقابهم ولا يلقون لذلك بالا لا سيما في السفر فتوعدهم بالنار لئلا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة .


 ثانيا : ومنها ما هو دال على الغسل - كما في ( الصحيحين ) - عن حمران ابن أبان قال : " رأيت عثمان ابن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا . . . " إلى أن قال : " ثم غسل قدمه اليميني ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا مثل ذلك ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توضأ نحو وضوئي هذا " .


ومثله حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري - الوارد في ( الصحيحين ) - وقد قيل له : توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثا . . . إلى أن قال : فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر ثم

غسل رجليه إلى الكعبين ثم فال : " هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . . . " إلى غير ذلك من الأخبار التي وردت في هذا المعنى ، وفيها نظر من وجوه :


 أولا : إنها جاءت مخالفة للكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والإجماع أئمة أهل البيت عليهم السلام الموافق للكتاب في وجوب المسح .
 

- ص 28 -

 ثانيا : إنها قد عورضت بما ذكرناه من أخبار صحيحة متعددة دلت على وجوب المسح وحسبك أن ابن عباس حبر الأمة ووعاء الكتاب والسنة كان يحتج في المسح فيقول : " افترض الله غسلتين ومسحتين ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين " . وكان يقول : " الوضوء غسلتان ومسحتان " .


ولما بلغه أن الربيع بنت عفراء الأنصارية تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ عندها فغسل رجليه أتاها يسألها عن ذلك وحين حدثته به قال - متعجبا - : " أن الناس أبوا إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح " ( 1 ) .


 ثالثا : إنها لو كانت حقا لفاقت حد التواتر ولم يكن ثمة معارض لها لأن الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامة لرجال الأمة ونسائها أحرارها ومماليكها وهي حاجة ضرورية فلو كان الواجب غير المسح المنصوص عليه في

الآية لعلمه المكلفون في عهد النبوة وبعده ولكان مسلما بينهم ولتواترت أخباره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل عصر ومصر فلا يبقى مجال لإنكاره ولا للشك فيه ولما لم يكن الأمر كذلك فقد كانت تلك الأخبار موضع نظر وحيث إنها

تعارضت مع أخبار أخرى توجب المسح فلا مناص من الرجوع إلى الكتاب الحكيم فهو الفيصل في الأمر وقد علمت أنه أوجب المسح .
 

 

* هامش *

 

 

(1) أخرجه ابن ماجة في باب : ما جاء في غسل القدمين : ج 1 ص 156 . ( * )


 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب