- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 7 -

تقديـم


الإمامة - أو الخلافة - هي النظام الذي جعله الإسلام أساسا " للحكم بين الناس ، بهدف اختيار الأصلح من المسلمين - قدر الطاقة - لتجتمع حوله كلمة الأمة ، وتتحد به صفوفها ، وتقام به أحكام الشريعة ،

وفي ذلك يقول الإمام البيضاوي : الإمامة : عبارة عن خلافة شخص من الأشخاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم في إقامة القوانين الشرعية ، وحفظ حوزة الملة .
 

ويقول الإمام عبد السلام اللقاني - شارح الجوهرة في التوحيد - الخلافة : رياسة عامة في أمور الدين والدنيا ، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
 

ويقول الجويني : إمام الحرمين - الإمامة : رياسة تامة ، و زعامة عامة ، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا ، مهمتها حفظ الحوزة ، ورعاية الرعية ، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف ، وكف الخيف والحيف ، والانتصاف للمظلومين من الظالمين ، واستيفاء الحقوق من الممتنعين ، وإيفاؤها على المستحقين .


وحكم الإمامة - أو الخلافة - في الإسلام الوجوب ، قال الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة : - و إنما الأئمة قوام الله على خلقه ، وعرفاؤه على عباده ، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار ، إلا من أنكرهم وأنكروه . وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا لله ، رد سيدنا
 

 ص 8

الإمام علي عليه السلام فقال : كلمة حق ، أريد بها باطل ، نعم : إنه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله ، وإنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفئ ، ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح بر ، ويستراح من فاجر .


وقال البغدادي في الفرق بين الفرق : وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة ، لأجل إقامة إمام ينصب لهم القضاة والأمناء ، ويضبط ثغورهم ، ويغزي جيوشهم ، ويقسم الفئ بينهم . وينتصف لمظلومهم من ظالمهم .

هذا وقد بلغت أهمية الإمامة عند المسلمين أن كان السلف - كالفضيل بن عياض ، وأحمد بن حنبل وغيرهما - يقولون : لو كان لنا دعوة مجابة ، لدعونا بها للسلطان .

هذا وقد اشترط الفقهاء في الإمام شروطا " ، لعل من أهمها : العلم ، والعدالة ، والكفاية ، وسلامة الحواس والأعضاء . اشترط الفقهاء العلم ، لأن الإمام منفذ أحكام الله ، ومتى كان جاهلا " لا يمكنه تنفيذها .
 

وأما العدالة ، فلأن منصب الإمامة ، كما هو منصب سياسي ، فهو منصب ديني ، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة ، فأولى بشروطها فيه .
 

وأما الكفاءة ، فأن يكون جريئا " على إقامة الحدود ، واقتحام الحروب ، بصيرا " بها ، كفيلا " بحمل الناس عليها ، عالما " بأحوال الدهاء ، قويا " على معاندة السياسة ، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين ، وجهاد العدو ، و إقامة الأحكام . وتدبير المصالح .

 ص 9

وأخيرا " أن يكون سليم الحواس و الأعضاء ، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل ، ويلحق بذلك العجز عن التصرف ، لصغر ، أو شر ، أو غيرهما . وهناك شرط خامس - اختلف فيه - هو النسب القرشي . على أن هناك من الفرق الإسلامية من وصل بهذه الشروط إلى سبعة ، ومن وصل بها إلى أربعة عشر شرطا " - كالزيدية مثلا " - .


ولعل مما تجدر الإشارة إليه هنا ، أن الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - ما كانت تمثل أبدا " نوعا " من أنواع الحكم المعروفة ، فما كانت الخلافة الإسلامية ثيوقراطية ( دينية ) كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية ( حكومة الخاصة ) ، ولا حكومة ديمقراطية ( حكومة الشعب ) .


كانت الإمامة أو الخلافة الإسلامية حكومة شورى ، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية ( أو الروحية ) ، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين ، كما يستطيع - باعتباره حامي الدين - أن يعلن الحرب على الكفار ، ويعاقب الخارجين على الدين ، ويؤم الناس في الصلاة ، ويلقي خطبة الجمعة .


هذا إلى أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى ، بل من الذين بايعوه ، وقد انقضى نزول الوحي منذ أن اختار الله تعالى رسوله ، صلى الله عليه وسلم إليه ، وبقي كتاب الله - القرآن الكريم - بين أيدي المسلمين ، هدى لهم جميعا " ، وحجة عليهم جميعا " ، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به وارتضوه ، وهو دستور الحكم ، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه ، فإن فعل وجبت طاعته ، وإلا فلا طاعة له على مسلم ، طبقا " للمبدأ الإسلامي المعروف : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .


ويحدثنا تاريخ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أن الخليفة إنما كان يحكم بالكتاب والسنة ولا يرجع إلى اجتهاد رأيه ، إلا إذا أعوزه الدليل منهما ،
 

 ص 10

وفي صحيح البخاري : أن الأئمة إنما كانوا - بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء في الأمور المباحة ، ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب والسنة لم يتعدوه إلى غيره ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال أبو عبيد القاسم بن

سلام في كتاب القضاء : كان أبو بكر الصديق ، إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى ، فإن وجد فيه ما يقضي به ، قضى به ، فإن أعياه ذلك ، سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قضى فيه بقضاء ؟ فربما قام إليه

القوم فيقولون : قضى فيه بكذا وكذا ، فإن لم يجد سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شئ قضى به ، وكان عمر يفعل ذلك .


هذا وتجد هذه السنة في وصية عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهم ، إلى القاضي شريح بن الحارث - وهو من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام - حين ولاه قضاء الكوفة ، فقال له : أنظر ما يتبين لك في كتاب الله ، فلا تسأل عنه أحدا " ، وما لم يتبين لك في كتاب الله ، فاتبع فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لم يتبين لك فيه السنة ، فاجتهد فيه رأيك .


وهكذا ، فحكومة مثل هذه ، لم تعرف السلطان المطلق ، ولم يكن للكهنة وجود فيها ، لا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون ، ذلك لأن الإسلام لا يعرف الكهانة ، ولا الكهان ، بل لا يعرف الإسلام ما عرف في الديانات الأخرى باسم رجل الدين ، وإنما عرف الفقهاء الذين يفسرون الدين ، وليس المشرعين في الدين .


هذا ولم تكن الخلافة الإسلامية كذلك حكومة أرستقراطية ، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار - في صدر الإسلام - باختيار الخليفة من الأرستقراطية في شئ ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى ، وهم إنما استأثروا بالأمر ، صونا " للنظام القائم ، ودفاعا " عنه ، ثم إنهم إنما كانوا طبقة مؤقتة زول بزوال أفرادها ، لا يرثها أحد ، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى .
 

 ص 11

ولم تكن الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - كذلك ، حكومة ديمقراطية ( حكومة الشعب ) لأن الشعب لا يملك في ظل الخلافة الإسلامية أن يقرر ما يشاء - إن كان ما يشاء يتعارض مع كتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .


وانطلاقا " من كل هذا ، فإن حكومة الإمامة - أو الخلافة الإسلامية - إنما هي حكومة شورى بين المسلمين ، الناس فيها سواسية كأسنان المشط ، ورأسها الأعلى - الخليفة - يعلن : أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإن عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي عليكم .


( 2 ) وموضوع هذه الدراسة الإمامة وأهل البيت ، ومن ثم فلقد وجب علينا - بادئ ذي بدء - أن نحدد : من هم هؤلاء أهل البيت الكرام البررة ؟ يتفق المؤرخون والمحدثون - أو يكادون - على أن أهل البيت إنما هم الكرام الخمسة البررة :

 1 - سيدنا ومولانا وجدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 2 - سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .

 3 - سيدة نساء العالمين جدتنا السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام .

 4 - سيدنا الإمام الحسن بن علي عليه السلام .

 5 - سيدنا وجدنا ومولانا الإمام الحسين بن علي عليه السلام .

على أن هناك من يرى غير ذلك ، ومن ثم فلعل من الأفضل أن نتعرض لهذه الآراء الأخرى ( 1 ) .
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) أنظر : محمد بيومي مهران : السيدة فاطمة الزهراء ص 24 - 37 ( دار النهضة العربية - بيروت 1990 ) . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب