- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 151 -

تاسعا " : إمامة المفضول


يقول ابن حزم : إن الخوارج والشيعة - ما عدا الزيدية - وقوم من المعتزلة ، يذهبون إلى أنه لا تجوز إمامة أحد ، إذا وجد من هو أفضل منه ، قال أبو الحسن الأشعري : يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه في شروط الإمامة ولا تنعقد الإمامة لأحد ، مع وجود من هو أفضل منه فيها - وإن أجاز بعض الأشاعرة عقد الإمامة للمفضول ( 1 ) - .


ويرى ابن حزم : أن عدم جواز عقد الإمامة للمفضول ليس صحيحا " ، إذ لو كان صحيحا " ، لما صحت إمامة أبدا " ، إذ لا يتيقن الفضل في أحد بعد الصحابة ، مع توازي الناس في الفضل وتقاربهم ، ثم يضرب ابن حزم مثلا " بقبيلة قريش في زمانه ( أي في الفترة 384 - 456 ه‍ / 994 - 1064 م ) ، فإنها قد كثرت ، وطبقت الأرض من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، ومن أقصى المشرق إلى أقصى المغرب ، فلا سبيل أن يعرف الأفضل من قوم هذا مبلغ عددهم ، بوجه من الوجوه ( 2 ) .


وأما أهل السنة والزيدية والمرجئة ، وقوم من المعتزلة ، فقد ذهبوا إلى إمامة المفضول ، الذي في الناس أفضل منه ، إذا كان المفضول قائما " بالكتاب والسنة ، يقول ابن حزم : وهذا هو الصواب ، إلا إذا كان الفضل في جميع الوجوه متيقنا " ، من الفضل البين والعلم - كما كان في أبي بكر ( 3 ) .


وعلى أية حال ، فهناك من يرى أنه لا يجوز إمامة المفضول بحال ، ويفسق المفضول ، إذا سبق الأفضل بالدعوة ( 4 ) .

على أن الزيدية ( 5 ) - رغم اعتقادهم بأفضلية الإمام علي بن أبي طالب على

 

* هامش *

 
 

( 1 ) البغدادي : أصول الدين - بيروت 1981 ص 293 .
( 2 ) ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 110 ( دار الباز - مكة المكرمة 1957 ) .
( 3 ) ابن حزم : الأصول والفروع 2 / 292 ( تحقيق محمد عاطف العراقي - القاهرة 1978 ) .
( 4 ) أحمد صبحي : المذهب الزيدي ص 49 .
( 5 ) الزيدية : هم أتباع الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين ، وبعد استشهاد زيد انقسم =
>

 

 

 ص 152

جميع الصحابة - إنما اعتقدوا في صحة خلافة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، وأن طاعتهما واجبة ، وإذا كان علي أفضل بمناقبه في الإسلام ومواقفه في الحروب ، فإن مصلحة المسلمين كانت في تولي الشيخين ، يقول الشهرستاني : كان

علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، أفضل الصحابة ، إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها ، وقاعدة دينية راعوها ، من تسكين ثائرة الفتنة ، تطييب قلوب العامة ، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا " ، وسيف

أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ، من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد ، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر ، كما هي ، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد ، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن

من عرفوه باللين ، والتؤدة ، و التقدم في السن ، والسبق في الإسلام ، والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى أنه ( أي أبو بكر ) لما

 

* هامش *

 
 

=> تلاميذه إلى فرق ، فجعلهم القاضي عبد الجبار ست فرق : هي الجارودية والسليمانية البترية واليمانية والصباحية والعقبية ( المغني في أبواب التوحيد والعدل 20 / 184 - 185 - القاهرة 1965 )

وذكر الرازي لهم ثلاث فرق هي : الجارودية والسليمانية والصالحية ( اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص 52 - 53 ) ، وأما الأشعري فالرأي عنده أنهم ست فرق هم : الجارودية والبترية والعقبية ، ثم النعيمية ، ولا يذكر اسم الفرقة الخامسة ( والتي يرى أنها تتبرأ من أبي بكر وعمر ، ولا تنكر رجعة الأموات ) ، وأخيرا " اليعقوبية ( مقالات الإسلاميين 1 / 140 - 145 ) ،

وأما النوبختي ، فيقسمهم إلى الضعفاء والأقوياء ( فرق الشيعة ص 57 - 58 - دار الأضواء - بيروت 1984 م ) ، على أن المسعودي إنما يذكر لهم ثماني فرق ( مروج الذهب 3 / 220 ) ،

ويذكر المقريزي خمس فرق هي : الجارودية والجريدية والبترية واليعقوبية والصباحية ( خطط المقريزي 2 / 352 - 354 ) . ولا يذكر ابن تيمية ( منهاج السنة 1 / 265 ) والبغدادي ( الفرق بين الفرق ص 22 - 23 ) والاسفراييني ( التبصير في الدين ص 16 - 27 )

والشهرستاني ( الملل والنحل 1 / 154 - 162 ) غير ثلاث فرق هي : الجارودية والسليمانية والبترية ، وانفرد ابن النديم يذكر فرقة القاسمية ( الفهرست ص 274 ) ، وأما الملطي أقدم مؤرخي الفرق ( ت 377 ه‍ / 987 م ) ،

فقد اعتبر الزيدية من جملة الروافض بحجة طعنهم في عثمان ، وإن كانوا يتولون أبا بكر وعمر ، ثم قسمهم إلى أربع فرق ( التنبيه والرد ص 38 - 39 ، 156 ) ، وانظر الزيدية وفرقها ( الدكتور أحمد شوقي إبراهيم : الحياة السياسية والفكرية للزيدية في المشرق الإسلامي - رسالة دكتوراه من قسم التاريخ - كلية الآداب - جامعة المنيا - 1411 ه‍ / 1991 م ) . ( * )

 

 

 ص 153

أراد في مرضه الذي مات فيه ، تقليد الأمر عمر بن الخطاب ، زعق الناس وقالوا : لقد وليت علينا فظا " غليظا " ، فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لشدته وصلابته ، وغلظه في الدين ، وفظاعته على الأعداء ، حتى سكنهم أبو بكر لو سألني ربي لقلت : وليت عليهم خيرهم لهم .


وعلى أية حال ، فإن إمامة المفضول عند الزيدية ، ليست قاعدة عامة تطبق في كل الأحوال ، وإلا لسقط مبرر الخروج ، وإنما قال به الإمام زيد لتبرير شرعية خلافة أبي بكر ، ولإسقاط دعوى الطاعنين فيه ، ومن المعروف أن أهل الكوفة

والبصرة اشترطوا أن يتبرأ الإمام زيد من أبي بكر وعمر ، حتى ينصروه ، فأبى زيد ، وقال : غفر الله لهما ، ما سمعت أحدا " من أهل بيتي تبرأ منهما ، وإني لا أقول فيهما إلا خيرا " ، قالوا : فلم تطلب إذن بدم أهل البيت ؟ فقال : إنا كنا أحق الناس

بهذا الأمر ، ولكن القوم استأثروا علينا به ، ودفعونا عنه ، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا " ، قد ولوا فعدلوا ، وعملوا بالكتاب والسنة . قالوا : فلم تقاتلوا هؤلاء إذن ؟ قال : إن هؤلاء القوم ( أي الأمويين ) ليسوا كأولئك ، إن هؤلاء ظلموا الناس ،

وظلموا أنفسهم وإني أدعو إلى كتاب الله ، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإحياء السنن ، وإماتة البدع ، فإن تسمعوا يكن خيرا " لكم ولي ، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل ، فرفضوه وانصرفوا عنه ، ونفضوا بيعته وتركوه ، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية .


وهكذا فإن الإمام زيد إنما قال بإمامة المفضول ، لتبرير شرعية خلافة أبي بكر ، فضلا " عن إسقاط دعوى الطاعنين فيه ، ومن ثم فإن أئمة الزيدية - بعد الإمام زيد - إنما يقولون بوجوب إمامة الأفضل ( 1 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 9 / 371 ، وانظر ابن الأثير : الكامل في التاريخ 5 / 242 - 234 ، تاريخ الطبري 7 / 180 - 181 ، تاريخ ابن خلدون 3 / 99 ، 4 / 346 ، المقريزي : الخطط 2 / 439 ، ابن العماد الحنبلي : 1 / 158 - 159 ،
الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 137 ، ابن تيمية : منهاج السنة 1 / 171 ، 2 / 105 ، الذهبي : سير الأعلام النبلاء 5 / 390 ،
المقدسي : البدء والتاريخ 6 / 50 ، الصفدي : الوافي بالوفيات ، ابن عساكر : تاريخ دمشق 6 / 21 ، 26 ، ابن العبري : =>

 

 

 ص 154

وقالت الزيدية إن الإمام علي بن أبي طالب إنما كان مصيبا " في كل حروبه ، ضد طلحة والزبير وغيرهما ، وأن من قاتل الإمام علي أو حاربه كان على خطأ ووجب على الناس محاربتهم مع علي ( 1 ) .

ويقول الجارودية من الزيدية : إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على علي رضي الله عنه ، بالوصف ، دون التسمية ، وهو الإمام بعده ، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف ، ولم يطلبوا الموصوف ، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم ، فكفروا بذلك ، وقد خالف أبو الجارود ( زياد بن أبي زياد ) - زعيم الجارودية ( 2 ) - إمامة زيد بن علي في هذه المقالة ، فإنه لم يعتقد هذا الاعتقاد ( 3 ) .

  * هامش *  
 

=> مختصر تاريخ الدول ص 200 البغدادي : الفرق بين الفرق ص 34 - 36 ، الصبيان : إسعاف الراغبين ص 22 ، الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 162 - 163 .

( 1 ) القمي : كتاب المقالات والفرق ص 11 ( هذا مع ملاحظة أن فرق الزيدية قد اختلفت في الصحابة - بعد الإمام زيد - فالجارودية يطعنون في أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، ويفسقونهما بل قال بعضهم بكفرهما ، والعياذ بالله ،
( الرازي : اعتقادات فرق المسلمين ص 52 - 53 ، الكتبي : فوات الوفيات 2 / 37 ، القاضي عبد الجبار : المغني 20 - 185 )

وبعضهم كان يتبرأ من عثمان رضي الله عنه ويكفره ( الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 144 - 145 ، القاضي عبد الجبار : المغني 20 / 184 - 185 ، الأصفهاني : مقاتل الطالبين ص 468 )

وبعضهم رضي بخلافة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، ولكنهم تهجموا على عثمان وكفروه ، كما كفروا عائشة وطلحة والزبير
( النوبختي : فرق الشيعة ص 9 ، الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 145 ، الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 164 - 165 ،
القاضي عبد الجبار : المغني 20 / 184 ، الإسفراييني : التعبير في الدين ص 17 ، الصفدي : الوافي بالوفيات 15 / 360 ،
الجرجاني : التعريفات ص 107 ، المقريزي : الخطط 2 / 352 ، المقدسي : البدء والتأريخ 5 / 133 ) .

( 2 ) القمي : كتاب المقالات والفرق - تحقيق محمد جوار مشكور - طهران 1963 ص 11 .

( 3 ) الجارودية : نسبة إلى مؤسسة زياد بن أبي زياد المنذر العبدي ( المتوفى فيما بين عامي . 150 ، 160 ه‍ 767 ، 776 م ) ، ويكنى أبا النجم ، ويقال له النهدي والقفي والكوفي ، كان من أتباع الإمام محمد الباقر وولده الإمام جعفر الصادق ، رضي الله عنهما ، ثم تركهما

ولحق بالزيدية ، ولقبه الإمام الباقر سر خوبا وهو شيطان كان يسكن البحر ، وقال عنه الإمام الصادق : إنه أعمى القلب والبصيرة ، ويصفه النسائي بأنه متروك وليس بثقة ، والجارودية من أهم فرق الزيدية ، وإن كانوا هم أنفسهم مختلفين فيما بينهم ، وينسبون إلى أئمة أهل البيت

العلم اللدني ، فطرة وضرورة قبل التعليم ، وأن العلم ينبت في صدورهم كما ينبت الزرع المطر ، وأن الحلال حلال آل محمد ، والحرام حرامهم ، والأحكام أحكامهم ، وأن صغيرهم وكبيرهم في الظلم سواء ، وأنهم يقولون برجعة الإمام المنتظر ( وانظر عن الجارودية . الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 157 - 158 ، =>

 

 

 ص 155

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الاتجاهات المختلفة في تفضيل سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - على غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .
 

روى ابن عبد البر ( 368 - 463 ه‍ ) في كتابه الإستيعاب في معرفة الأصحاب عن سلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، والمقداد بن الأسود ، وخباب ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبي سعيد الخدري ، وزيد بن أرقم - من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أول من أسلم ، وفضله هؤلاء الصحابة على غيره ( 1 ) .

وقد سبق الإمام ابن حنبل ، ابن عبد البر ( 2 ) إلى ذلك .

 

* هامش *

 
 

=> البغدادي : الفرق بين الفرق ص 30 - 32 ، الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 141 / 150 ، النوبختي : فرق الشيعة ص 55 - 57 ، ابن حجر العسقلاني : تهذيب التهذيب 3 / 386 ، القمي : المقالات والفرق ص 70 - 72 .

( 1 ) الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 157 - 158 ، البغدادي : الفرق بين الفرق ص 30 ، النوبختي : فرق الشيعة ص 21 ،
الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 141 ، المقدسي : البدء والتأريخ 5 / 133 ، الإسفراييني : التبصير في الدين ص 16 ،
ابن تيمية : منهاج السنة 1 / 265 ، الجرجاني : التعريفات ص 64 ، ابن المرتضى القلائد ص 47 .

( 2 ) ابن عبد البر : أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ، إمام عصره في الحديث والأثر ، وما يتعلق بهما روى على كبار شيوخ عصره ، وله مصنفات كثيرة أهمها :

 1 - الاستذكار لمذهب علماء الأمصار ، فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار ، وقد شرح فيه الموطأ على وجهه ، ونسق أبوابه .
 2 - الإستيعاب : وفيه ترجمة للصحابة .
 3 - جامع بيان العلم وفضله ، وما ينبغي في روايته وحمله .
 4 - الدر في اختصار المغازي والسيرة
 5 - كتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم .
 6 - كتاب في قبائل العرب وأنسابهم ، وغير ذلك من تواليفه .

وكان الحافظ ابن عبد البر ، مع تقدمه في علم الأثر ، وتبصره بالفقه ومعاني الحديث ، له بسطة في علم النسب ، كما صنف بهجة المجالس وآنس المجالس في ثلاثة أسفار . هذا وقد توفي ابن عبد البر يوم الجمعة ، آخر يوم من شهر ربيع الآخرة ، سنة ثلاث وستين وأربعمائة ،

بمدينة شاطبة بشرق الأندلس ، وهي نفس السنة التي توفي فيها الحافظ الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي ، وكان حافظ الشرق ، وابن عبد البر حافظ الغرب ، وهما إمامان في علم الحديث ، وأما ولادة ابن عبد البر فكانت يوم الجمعة ، والإمام ، لخمس بقين من شهر

ربيع الآخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة ( وفيات الأعيان 7 / 66 - 72 ، شذرات الذهب 3 / 314 - 316 ، عبر الذهبي 3 / 255 ، ترتيب المدارك 4 / 808 ) . ( * )

 

 

 ص 156

روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ( 164 - 241 ه‍ ) في كتاب فضائل الصحابة بسنده عن أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد عن علقمة عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال : كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة ، علي بن أبي طالب .


وروى الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود قال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سبعين سورة ، وختمت القرآن على خير الناس ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، ( رواه الطبراني في الأوسط ) .


وعن عقبة بن سعد العوفي قال : دخلنا على جابر بن عبد الله - وقد سقط حاجباه على عينيه فسألناه عن علي ، قال - فرفع حاجبيه بيده - فقال : ذاك من خير البشر - أخرجه أحمد في المناقب .


وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال : سمعته يقول : ليس في آية القرآن * ( يا أيها الذين آمنوا ) * ، إلا وعلي على رأسها وأميرها وشريفها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن ، وما ذكر عليا " إلا بخير ( 1 ) . قال : وذكره المحب الطبري في الرياض النضرة ، والذخائر ( 2 ) .


وعن ابن عباس ، رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما مررت بسماء ، إلا وأهلها يشتاقون إلى علي بن أبي طالب ، وما في الجنة نبي ، إلا وهو يشتاق إلى علي بن أبي طالب . قال : أخرجه الملا في سيرته .

وفي شرح نهج البلاغة : والقول بتفضيل الإمام علي - رضي الله عنه ،

  * هامش *  
 

( 1 ) الإمام ابن حنبل : فضائل الصحابة 2 / 646 ، 2 / 654 .
( 2 ) الرياض النضرة : 2 / 292 . ( * )

 

 

 ص 157

وكرم الله وجهه في الجنة - على جميع الصحابة قول قديم ، قال به كثير من الصحابة والتابعين ، فمن الصحابة : عمار ، والمقداد ، وأبو ذر ، وسلمان ، وجابر بن عبد الله ، وأبي بن كعب ، وحذيفة ، وبريدة ، وأبو أيوب الأنصاري ، وسهل بن

حنيف ، وعثمان بن حنيف ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وخزيمة بن ثابت ، وأبو الطفيل ، عامر بن واثلة ، والعباس بن عبد المطلب وبنوه ، وبنو هاشم كافة ، وبنو المطلب كافة . وكان الزبير من القائلين به في أول الأمر ، ثم رجع ، وكان من بني أمية قوم يقولون بذلك ، منهم خالد بن سعيد بن العاص ، ومنهم عمر بن عبد العزيز ( 1 ) .


روى ابن الكلبي فقال : بينا عمر بن عبد العزيز جالسا " في مجلسه ، دخل حاجبه ، ومعه امرأة أدماء طويلة ، حسنة الجسم والقامة ، ورجلان متعلقان بها ، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران إلى عمر ، فدفعوا إليه الكتاب ، ففضه فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، من ميمون بن مهران ، سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، أما بعد

فإنه ورد علينا أمر ضاقت به الصدور ، وعجزت عنه الأوساع ( جمع وسع ، وهو الطاقة ) ، وهربنا بأنفسنا عنه ، ووكلناه إلى عالمه ، لقول الله عز وجل * ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * ( 2 ).

  * هامش *  
 

( 1 ) الرياض النضرة 2 / 274 ، ذخائر القربى ص 89 . المحب الطبري : الرياض النضرة في مناقب العشرة 2 / 292 ( طنطا 1372 ه‍ / 1953 م ) ، وانظر في الباب أحاديث أخرى ( فضائل الصحابة 2 / 616 ، 2 / 663 ، 2 / 711 - 712 ، المسند 1 / 157 ، صحيح الترمذي 5 / 29 ، كنز العمال 6 / 216 ، 7 / 102 ، المستدرك للحاكم 3 / 138 ، تهذيب الخصائص ص 29 - 31 ، تحفة الأشراف 7 / 353 ، الرياض النضرة 2 / 279 - 280 . ( 2 ) سورة النساء : آية 83 . ( * )

 

 

 ص 158

وهذه المرأة والرجلان ، أحدهما زوجها ، والآخر أبوها ، وإن أباها - يا أمير المؤمنين - زعم أن زوجها حلف بطلاقها ، أن علي بن أبي طالب عليه السلام ، خير هذه الأمة ، وأولاها برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه يزعم أن ابنته طلقت منه ،

وأنه لا يجوز له في دينه أن يتخذه صهرا " ، وهو يعلم أنها حرام عليه كأمه . وإن الزوج يقول : كذبت ، وأثمت ، لقد بر قسمي ، وصدقت مقالتي ، وإنها امرأتي - على رغم أنفك ، وغيظ قلبك - فاجتمعوا إلي يختصمون في ذلك ، فسألت الرجل

عن يمينه ، فقال : نعم ، قد كان ذلك ، وقد حلفت بطلاقها : أن عليا " خير هذه الأمة ، وأولاها برسول الله صلى الله عليه وسلم ، عرفه من عرفه ، وأنكره من أنكره ، فليغضب من غضب ، وليرض من رضى . وتسامع الناس بذلك ، فاجتمعوا له

، وإن كانت الألسن مجتمعة ، فالقلوب شتى ، وقد علمت - يا أمير المؤمنين - اختلاف الناس في أهوائهم ، وتسرعهم إلى ما فيه الفتنة ، فأحجمنا عن الحكم ، لتحكم بما أراك الله ، وإنهما تعلقا بها ، وأقسم أبوها أن لا يدعها معه ، وأقسم زوجها أن لا

يفارقها ، ولو ضربت عنقها ، إلا أن يحكم عليه بذلك حاكم لا يستطيع مخالفته ، والامتناع منه فرفعناهم إليك يا أمير المؤمنين ، أحسن الله توفيقك وأرشدك . قال : فجمع عمر بن عبد العزيز بني هاشم وبني أمية ، وأفخاذ قريش ، ثم قال لأبي المرأة :

ما تقول أيها الشيخ ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، هذا الرجل زوجته ابنتي ، وجهزتها إليه بأحسن ما يجهز به مثلها ، حتى إدا أملت خيره ، ورجوت صلاحه ، حلف بطلاقها كاذبا " ثم أراد الإقامة معها . فقال له عمر : يا شيخ ، لعله لم يطلق امرأته ،

فكيف حلف ؟ قال الشيخ : سبحان الله ، الذي حلف عليه لأبين حنثا " ، وأوضح كذبا " ، من أن يختلج في

 ص 159

صدري منه شك ، مع سني وعلمي ، لأنه زعم أن عليا " خير هذه الأمة ، وإلا فامرأته طالق . فقال الزوج : ما تقول ؟ أهكذا حلفت ؟ قال : نعم ، فقيل : إنه لما قال نعم ، كاد المجلس يرتج بأهله ، وبنو أمية ينظرون إليه شزرا " ، إلا أنهم لم

ينطقوا بشئ ، كل ينظر إلى وجه عمر . فأكب عمر مليا " ينكت الأرض بيده ، والقوم صامتون ، ينظرون ما يقوله ، ثم رفع رأسه فقال : إذا ولي الحكومة بين قوم * أصاب الحق والتمس السدادا وما خير الإمام إذا تعدى * خلاف الحق واجتنب

الرشادا ثم قال للقوم : ما تقولون في يمين هذا الرجل ؟ فسكتوا ، فقال : سبحان الله ، قولوا ، فقال قائل من بني أمية : هذا حكم في فرج ، ولسنا نجترئ على القول فيه ، وأنت عالم بالقول ، مؤتمن لهم وعليهم ، قل ما عندك ، فإن القول ما لم

يكن يحق بالملأ ، ويبطل حقا " ، جائز علي في مجلسي ، قال : لا أقول شيئا " . فالتفت إلى رجل من بني هاشم ، من ولد عقيل بن أبي طالب ، فقال له : ما تقول فيما حلف به هذا الرجل يا عقيلي ؟ فاغتنمها فقال : يا أمير المؤمنين ، إن جعلت

قولي حكما " ، أو حكمي جائزا " ، قلت ، وإن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لي ، وأبقي للمودة ، قال : قل وقولك حكم . وحكمك ماض . فلما سمع ذلك بنو أمية قالوا : ما أنصفتنا يا أمير المؤمنين ، إذ جعلت الحكم إلى غيرنا ، ونحن من لحمتك ،

أولي رحمتك ، فقال : أسكتوا ، أعجزا " ولؤما " ، عرضت عليكم ذلك آنفا " ، فما انتدبتم له ، قالوا : لأنك ، لم تعطنا ما أعطيت العقيلي ، ولا حكمتنا كما حكمته . فقال عمر : إن كان أصاب وأخطأتم ، وحزم وعجزتم ، وأبصر وعميتم ،

 ص 160

فما ذنب عمر ، لا أبا لكم ، أتدرون ما مثلكم ، قالوا : لا ندري ، قال : ولكن العقيلي يدري ، ثم قال : ما تقول يا رجل ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، كما قال الأول : - دعيتم إلى أمر فلما عجزتم * تناوله من لا يداخله عجز فلما رأيتم ذاك أبدت

نفوسكم * نداما " ، وهل يغني من القدر الحذر فقال عمر : أحسنت وأوصبت ، فقل ما سألتك عنه ، قال : يا أمير المؤمنين ، بر قسمه ، ولم تطلق امرأته ، قال : وأني علمت ذلك . قال : أنشدتك الله يا أمير المؤمنين ، ألم تعلم أن رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، قال لفاطمة عليها السلام - وهو عندها في بيتها عائد لها - يا بنية ما علتك ؟ قالت : الوعك يا أبتاه - وكان علي غائبا " في بعض حوائج النبي صلى الله عليه وسلم - فقال لها : أتشتهين شيئا " ؟ قالت : نعم أشتهي عنبا " - وأنا أعلم أنه

عزيز ، وليس وقت عنب - فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله قادر على أن يجيئنا به ، ثم قال : اللهم ائتنا به مع أفضل أمتي عندك منزلة . فطرق علي الباب ، ودخل ومعه مكتل ، وقد ألقى عليه طرف ردائه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما

هذا يا علي ؟ قال : عنب التمسته لفاطمة ، فقال : الله أكبر ، الله أكبر ، اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا " بدعوتي ، فاجعل فيه شفاء بنيتي ، ثم قال : كلي على اسم الله يا بنية فأكلت ، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى استقلت

وبرأت . فقال عمر : صدقت وبررت ، أشهد لقد سمعته ووعيته ، يا رجل ، خذ بيد امرأتك ، فإن عرض لك أبوها ، فأهشم أنفه ، ثم قال : يا بني عبد مناف ، والله ما نجهل ما يعلم غيرنا ، ولا بنا عمي في ديننا ، ولكنا كما قال الأول : -

تصيدت الدنيا رجالا " بفخها * فلم يدركوا خيرا " بل استقبحوا الشرا
وأعماهم حب الغنى وأصمهم * فلم يدركوا إلا الخسارة والوزرا

قيل : فكأنما ألقم بني أمية حجرا " ومضى الرجل بامرأته .

 ص 161

وكتب عمر إلى ميمون بن مهران : - سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله ، الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإني قد فهمت كتابك ، وورد الرجلان والمرأة ، وقد صدق الله يمين الزوج ، وأبر قسمه ، وأثبته على نكاحه ، فاستيقن ذلك ، واعمل عليه ،

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . فأما من قال بتفضيله على الناس كافة من التابعين ، فخلق كثير ، مثل أويس القرني ، وزيد بن صوحان ، وصعصعة أخيه ، وجندب الخير ، وعبد السلماني ، وغيرهم ممن لا يحصي كثرة .


هذا ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر ، إلا من قال بتفضيل الإمام علي ، ولم تكن مقالة الإمامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف ، هم المسلمون الشيعة ، وجمع ما ورد من الآثار والأخبار في فضل الشيعة ، وأنهم موعودون بالجنة ، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم ، ولذلك قالت المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم : نحن الشيعة حقا " ( 1 ) .


ويقول ابن أبي الحديد ( 586 - 656 ه‍ ) ، واختلفوا في التفضيل ، فقال قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عبيد وأبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وأبي معن ثمامة بن أشرس وأبي محمد هشام بن عمرو الفوطي ، وأبي يعقوب يوسف بن عبد الله الشحام وجماعة غيرهم : أن أبا بكر أفضل من علي عليه السلام ، وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل مثل ترتيبهم في الخلافة .


وقال البغداديون قاطبة - قدماؤهم ومتأخروهم - كأبي سهل بشر بن المعتمر ، وأبي موسى بن صبيح ، وأبي عبد الله جعفر بن مبشر ، وأبي جعفر الإسكافي ، وأبي الحسين الخياط ، وأبي القاسم عبد الله بن

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 20 / 221 - 222 ( دار الفكر - بيروت 1387 ه‍ / 1967 ) . ( * )

 

 

 ص 162

محمود البلخي وتلامذته : إن عليا " عليه السلام ، أفضل من أبي بكر . وإلى هذا المذهب ذهب من البصريين أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي أخيرا " ، وكان من قبل من المتوقفين ، كان يميل إلى التفضيل ، ولا يصرح به وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته ، وقال في كثير من تصانيفه : إن صح خبر الطائر ، فعلي أفضل ( 1 ) .


ثم إن قاضي القضاة ذكر في شرح المقالات لأبي القاسم البلخي : أن أبا علي ما مات ، حتى قال بتفضيل علي عليه السلام ، وقال : إنه نقل ذلك عنه سماعا " ، ولم يوجد في شئ من مصنفاته ، وأنه يوم مات استدعى ابنه أبا هاشم إليه - وكان قد ضعف عن رفع الصوت - فألقى إليه أشياء ، من جملتها القول : بتفضيل علي عليه السلام .


هذا وقد ذهب إلى تفضيل الإمام علي - من البصريين أيضا " - أبو عبد الله الحسين بن علي البصري رضي الله عنه وكان متحققا " في تفضيله ، حتى أنه صنف فيه كتابا " مفردا " ، وكذا قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد ، وقد كان متوقفا " ، ثم قطع على تفضيل الإمام علي بكامل المنزلة ،

وهناك أيضا " أبو محمد الحسن بن متوية صاحب التذكرة ، وقد نص في كتاب الكفاية على تفضيله للإمام علي ، عليه السلام ، على أبي بكر ، رضي الله عنه ، واحتج لذلك ، وأطال الاحتجاج .


ويقول ابن أبي الحديد : وأما نحن فنذهب إلى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله عليه السلام ، وبينا في كتبنا الكلامية معنى الأفضل ،

 

* هامش *

 
 

( 1 ) حديث الطائر رواه الترمذي في صحيحه 2 / 299 ، وابن الأثير في أسد الغابة 4 / 110 - 111 ،
والهيثمي في مجمعه 9 / 126 ، والحاكم في المستدرك 3 / 130 ، والإمام أحمد في فضائل الصحابة 2 / 560 - 562 ،
والبخاري في الكبير 1 / 202 ، 1 / 1 / 385 ، والذهبي في تذكرة الحفاظ 4 / 1042 ،
والمحب الطبري في الرياض النضرة 2 / 211 ، وابن كثير في البداية والنهاية 7 / 351 . ( * )

 

 

 ص 163

وهل المراد الأكثر ثوابا " ، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة ، وبينا أن الإمام علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، هو الأفضل وعلى التفسيرين معا " ( 1 ) .

ويقول ابن الحديد : وأما الذي استقر عليه رأي المعتزلة - بعد اختلاف كثير بين قدمائهم في التفضيل وغيره - أن عليا " عليه السلام أفضل الجماعة ، وأنهم تركوا الأفضل لمصلحة رأوها ، وأنه لم يكن هناك نص يقطع العذر ، وإنما كانت إشارة

وإيماء ، لا يتضمن شئ منها صريح النص ، وأن عليا " عليه السلام ، نازع ثم بايع ، وجمح ثم استجاب ، ولو أقام على الامتناع لم نقل بصحة البيعة ، ولا بلزومها ، ولو جرد السيف - كما جرده في آخر الأمر - لقلنا بفسق كل من خالفه على الإطلاق ، - كائنا " من كان - ولكنه رضي بالبيعة أخيرا " ، ودخل في الطاعة .


وبالجملة ، أصحابنا ( المعتزلة ) يقولون : إن الأمر كان له ، وكان هو المستحق والمتعين ، فأن شاء أخذه لنفسه ، وإن شاء ولاه غيره ، فلما رأيناه قد وافق على ولاية غيره ، اتبعناه ورضينا بما رضي ( 2 ) به .


وأما الشيعة فيؤمنون بالنص على الإمام علي ، وقد وضعت الشيعة الإمامية العديد من الكتب في النص على الإمام علي عليه السلام ، وجمعوا فيها الآيات والأحاديث من طرق الشيعة والسنة ، سواء بسواء ، ومن أشهر هذه الكتب : الشافي للمرتضى ، ونهج الحق للعلامة الحلي ، والجزء الثاني من دلائل الصدق للمظفر ، ونقض الوشيعة ، والجزء الأول من أعيان الشيعة للسيد الأمين ، والمراجعات لشرف الدين ، والغدير للأميني ( 3 ) .


وسوف نناقش هذه الأدلة - من القرآن والسنة - في مكانها من هذه المدرسة ( الإمام علي والإمامة ) وهو الجزء الثاني من هذا الكتاب .

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 20 / 222 - 226 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 10 / 226 - 227 ، أحمد صبحي : المذهب الزيدي ص 51 .
( 3 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 429 - 439 . ( * )

 

 

 ص 164

وعلى أية حال - وعودا " على رأي الزيدية في إمامة المفضول - فإن الإمام زيد ، إنما يرى أن الإمامة يجب أن تكون مقصورة على الفاطميين - أبناء الإمام علي بن أبي طالب من سيدة نساء العالمين ، السيدة فاطمة الزهراء - ولا تجوز أبدا " إمامة غيرهم ( 1 ) .


وإن ذهب رأي شاذ قال بعضهم الزيدية ، يجيز الإمامة في غير الفاطميين ، من ولد علي عليه السلام ( 2 ) .

وهكذا فقد جوز معظم الزيدية أن كل فاطمي زاهد عالم شجاع سائس عادل سخي ، خرج بالإمامة إنما يكون إماما " واجب الطاعة ، سواء كان من أولاد الحسن أو الحسين ( 3 ) ، وقد سار على هذا المذهب أكثر علماء الحديث والفقهاء منهم سفيان الثوري وسفيان بن عيينة ( 4 ) .


ويرجع الإمام يحيى بن الحسين أن السبب في اشتراط الإمام زيد أن يكون الإمام فاطميا " ، أنه يرى أن أبناء سيدة نساء العالمين - فاطمة الزهراء - إنما

  * هامش *  
 

( 1 ) يحيى بن الحسين : رسائل العدل والتوحيد 2 / 76 ، ابن النديم : الفهرست ص 253 ، القلقشندي : صبح الأعشى 13 / 228 ، المقريزي : الخطط 2 / 352 ، تارخ ابن خلدون 1 / 165 ، 4 / 3 ، المقدمة ص 197 ، 200 ،
شرح نهج البلاغة
9 / 87 ، الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 159 - 160 .

( 2 ) شرح نهج البلاغة 9 / 87 .
( 3 ) الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 160 ، المقريزي : الخطط 2 / 352 .

( 4 ) سفيان بن عيينة : أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي ، من الكوفة ثم انتقل إلى مكة ، كان إماما " عالما " ، ثبتا " حجة زاهدا " ورعا " ، مجمعا " على صحة حديثه وروايته ، روى عن أعيان العلماء كالزهري ، وعمرو بن دينار ، ومحمد بن المنكدر ،

وأبي الزناد ، والأعمش وغيرهم ، وروى عنه الإمام الشافعي وشعبة بن الحجاج وابن إسحاق وابن جريح والزبير بن بكار وعمه مصعب ، وعبد الرازق بن همام الصنعاني ، ويحيى بن أكثم القاضي وخلق كثير . وقد ولد سفيان بالكوفة في منتصف شعبان سنة 107 ه‍ ، وتوفي يوم السبت آخر جمادى الآخرة وقيل أول رجب عام 198 ه‍ ، ودفن بالحجون بمكة

( أنظر : وفيات الأعيان 2 / 391 - 393 ، تاريخ بغداد 9 / 174 ، حلية الأولياء 7 / 270 - 318 ،
صفوة الصفوة
2 / 130 ، تهذيب التهذيب 4 / 117 ، ميزان الاعتدال 2 / 170 ، العقد الثمين 4 / 591 ،
طبقات ابن سعد
5 / 497 ، شذرات الذهب ( 1 / 354 - 355 ) . ( * )

 

 

 ص 165

سيقيمون أكثر من غيرهم عمود الدين ، وسنن الإسلام ( 2 ) .

على أن الشيعة الإمامية إنما تحصر الإمامة في أولاد مولانا الإمام الحسين ، دون غيرهم من العلويين ( 2 ) ، كما أن الشيعة الإمامية لا ترى إمامة المفضول ، الأمر الذي سنشير إليه بالتفصيل ، فيما بعد .


وذهبت الحجرية - أتباع سليمان بن حجر الزيدي - إلى أن الإمامة شورى ، وأنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة ، وأجاز إمامة المفضول ، وأثبت إمامة أبي بكر وعمر ، وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما ، لأن عليا " كان أولى بالإمامة منهما ، إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفرا " ، ولا فسقا " ( 3 ) .


هذا وقد اختلف أهل السنة في إمامة المفضول ، فأباها شيخنا أبو الحسن الأشعري ( 260 - 324 ه‍ / 874 - 935 م ) ، وأجازها القلانسي ( 4 ) .


وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني ( 419 - 478 ه‍ / 1028 - 1085 م ) - فالرأي عنده : أن الذي يقع التعرض له من الفضل ، والقول في الفاضل والمفضول ، ليس هو على أعلى القدر والمرتبة وارتفاع الدرجة ، والتقرب إلى الله تعالى في عمله ، فرب ولي من أولياء الله ، هو قطب الأرض ، وعماد العالم ، ولو أقسم على الله لأبره ، وفي العصر من هو أصلح منه للقيام بأمور المسلمين ، فالمعنى بالفضل استجماع الخلال التي يشترط اجتماعها في المتصدي للإمامة .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) يحيى بن الحسين : رسائل العدل والتوحيد .
( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 22 - 23 ، تاريخ ابن خلدون 1 / 161 ، شرح نهج البلاغة 9 / 87 ،
الشهرستاني : الملل والنحل 2 / 4 / ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 77 .
( 3 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 32 - 33 .
( 4 ) نفس المرجع السابق ص 352 . ( * )

 

 

 ص 166

ومن ثم فقد صار طوائف من أئمتنا إلى تجويز عقد الإمامة للمفضول ، مع التمكن من العقد للأفضل الأصلح ، واعتلوا بأن المفضول ، إذا كان مستجمعا " للشرائط المرعية ، فاختصاص الفاضل بالمزايا ، اتصاف بما لا تفتقر الإمامة إليه ، فإذا

عقدت الإمامة لمن ليس عاريا " عن الخلال المعتبرة ، استقلت بالصفات التي لا غنى عنها ، ولا مندوحة ، وليس للفضائل نهاية وغاية .


هذا وقد ذهب معظم المنتمين إلى الأصول من جلة الأئمة ، إلى أن الإمامة لا تنعقد للمفضول ، مع إمكان العقد للفاضل ، ثم تحزب هؤلاء حزبين ، وتصدعوا صدعين ، فذهب فريق إلى أن المسألة من المظنونات التي لا تتطرق إليها أساليب العقول ، ولا قواطع الشرع المنقول .


ثم يرى أنه لا خلاف ، إذا عسر عقد الإمامة للفاضل ، واقتضت مصلحة المسلمين تقديم المفضول ، وذلك لصغو الناس ، وميل أولي النجدة والبأس إليه ، ولو فرض تقديم الفاضل لاشرأبت الفتن ، وثارت المحن ، ولم نجد عددا " ، وتفرقت

الأجناد بددا " ، فإذا كانت الحاجة في مقتضى الإيالة تقتضي تقديم المفضول قدم لا محالة ، إذ الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة ، فإذا كان في تقديم الفاضل اختباطها وفسادها ، وفي تقدم المفضول ارتباطها وسدادها تعين إيثار ما فيه من

صلاح الخليفة ، باتفاق أهل الحقيقة ، ولا خلاف أنه لو قدم فاضل ، واتسقت له الطاعة ، ونشأ في الزمن من هو أفضل منه ، فلا يتبع عقد الإمامة للأول بالقطع والرفع .


ثم يعود الجويني - في نهاية الفصل - فيكرر قوله : بأن الأفضل هو الأصلح ، فلو فرضنا مستجمعا " للشراط ، بالغا " في الورع الغاية القصوى ، وقدمنا آخر أكفأ منه ، وأهدى إلى طرق السياسة والرياسة ، وإن لم يكن في الورع مثله ، فالأكفأ أولى بالتقدم . ولو كان أحدهما أفقه ، والثاني أعرف بتجنيد الجنود ، وعقد الألوية

 ص 167

والبنود ، وجر العساكر والمقانب ( جمع مقنب ، هي الجماعة من الخيل دون المائة تجتمع للغارة ) ، وترتيب المراتب والمناصب ، فلينظر ذو الرأي إلى حكم الوقت ، فإذا كانت أكناف خطة الإسلام إلى الاستقامة ، والممالك منتفضة عن ذوي العرامة ، ولكن إذا ثارت بدع وأهواء ، واضطربت مذاهب ومطالب وآراء ، والحاجة إلى من يسوس الأمور الدينية أمس ، فالأعلم أولى .

وإن تصورت على الضد ، مما ذكرنا ، ومست الحاجة إلى شهامة وصرامة ، وبطاش ، يحمل الناس على الطاعة ولا يحاش ، فالأشهم أولى بأن يقدم ( 9 ) .


ويذهب ابن أبي الحديد ( 586 - 656 ه‍ ) إلى أن أحق الناس بالإمامة أقواهم عليها ، وأعملهم بحكم الله فيها ، وهذا لا ينافي في مذهب أصحابنا البغداديين من المعتزلة في صحة إمامة المفضول ، لأنه ما قال : إن إمامة غير الأقوى فاسدة ، ولكنه قال : إن الأقوى أحق ، وأصحابنا لا ينكرون أنه - أي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أحق ممن تقدمه بالإمامة ، مع قولهم بصحة إمامة المتقدمين ، لأنه لا منافاة بين كونه أحق ، وبين صحة إمامة غيره ( 2 ) .


ثم إن رأي ابن أبي الحديد هذا ، إنما هو ترديد لقول سيدنا الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - أيها الناس : إن أحق الناس بهذا الأمر ، أقواهم عليه ، وأعلمهم بأمر الله فيه ، فإن شغب شاغب استعتب ، فإن أبى قوتل ( 3 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني : الغياثي - غياث الأمم في الثبات الظلم - تحقيق عبد العظيم الديب - الدوحة 1400 ه‍ ص 164 - 1271 .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 9 / 328 ( بيروت 386 م / 1967 م ) .
( 3 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 9 / 328 ،
الإمام محمد عبده : نهج البلاغة - تحقيق محمد أحمد عاشور ، ومحمد إبراهيم البنا - كتاب الشعب ص 199 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب