- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 204 -

 2 - التقية :


التقية : اسم مصدر ل‍ " توقى " و " اتقى " ، تقول : توقيت الشئ ، واتقيته ، وتقيته ، تقى وتقية ، أي حذرته .

ويقول العلامة المظفري : إن التقية من الوقاية ، فهي جنة تدرأ بها المخاوف والأخطار ، أي أن الغرض من التقية أن يحافظ المرء على عرضه أو نفسه أو ماله ، مخافة عدو ، فيظهر غير ما يضمر ، فهي إذن مداراة وكتمان ، وتظاهر بما ليس هو الحقيقة ، فمن كان على دين أو مذهب ثم لم يستطيع أن يظهر دينه أو مذهبه ، فيتظاهر بغيره ، فذلك تقية .


هذا ولم ترد عبارة تقية في القرآن الكريم ، وإنما جاءت بلفظ تقاة . ويذهب الشريف الرضي ( 359 - 406 ه‍ ) ( 1 ) ، والزمخشري ( 467 - 538 ه‍ ) ( 2 ) أن تقاة قرأت تقية ، ومن الواضح أن المراد بها هنا التظاهر

  * هامش *  
 

( 1 ) الشريف الرضي : - هو نقيب العلويين أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب ، ولد عام 359 ه‍ ، و توفي يوم الأحد سادس

المحرم - وقيل صفر - عام 406 ه‍ ، وكان شاعرا " مفلقا " حتى قيل إنه أشعر قريش ، وقد ابتدأ ينظم الشعر وله عشر سنين ، وله ديوان في أربع مجلدات ، وقد أصبح نقيب الطالبيين في عام 383 ه‍ ، بعد أن تنازل له أبوه عنها ، وقال ابن جني النحوي عنه أنه حفظ القرآن

في مدة يسيرة ، وصنف كتابا " في مجازات القرآن ، فجاء نادرا " في بابه ، كما صنف كتابا " في معاني القرآن يتعذر وجود مثله دل على توسعه في علم النحو واللغة ، وانظر عن مصادر ترجمته وفيات الأعيان 4 / 414 - 420 ، شذرات الذهب 3 / 182 - 184 ، تاريخ بغداد 2 / 245 - 246 ، وقام الدكتور إحسان عباس بعمل دراسة عنه نشرت في بيروت 1957 م .

( 2 ) الزمخشري : - هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري ، الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان ، كان إمام عصره بغير مدافع ، وصاحب التصانيف البديعة ، والتي منها : الكشاف في تفسير القرآن العزيز والمحاجاة

بالمسائل النحوية ، والمفرد المركب في العربية ، والفائق في تفسير الحديث ، وأساس البلاغة في اللغة وربيع الأبرار وفصوص الأخيار ومتشابه أسامي الرواة والنصائح الكبار والنصائح الصغار وضالة الناشد والرائض في علم الفرائض والمفصل في النحو والأنموذج في النحو . وغيرها وغيرها . =>

 

 

 ص 208

بموالاة الأعداء ، على أساس أن تتقوا منهم تقاة أي تحذروهم ، وتتجنبوا الأذى منهم ، ومن هنا يتبين أن الخوف والمحافظة على النفس في مواطن الخطر هما أساس التقية ، وأن القرآن قد أباح للمسلمين - وبخاصة المسلمين الذين عناهم هنا - الخائفين على دمهم ، أن يتخذوا الكافرين أولياء تقاة أو تقية ، على أمل زوال الظروف التي دعتهم إلى هذه الضرورة ، والضروريات تبيح المحظورات ، كما هو معروف ( 1 ) .


ويقول ابن حزم الأندلسي : وقد أباح الله كلمة الكفر عند التقية ، وأباح بها الدم في غير التقية ( 2 ) ، هذا وقد اعتمدت التقية على ركائز ثلاثة من الكتاب والسنة والعقل .

 

 1 - التقية في القرآن :
 

يقول الله تعالى : * ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ) * ( 3 ) .

ويقول الله تعالى : * ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا " فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ) * ( 4 ) .

  * هامش *  
 

=> وقد ولد الزمخشري يوم الأربعاء 27 رجب عام 467 ه‍ ، وتوفي ليلة عرفة عام 538 ه‍ .

وانظر ترجمته في ( وفيات الأعيان 5 / 168 - 174 ، طبقات المعتزلة ص 20 ، لسان الميزان 2 / 160 ،
عبر الذهبي
4 / 106 ، إنباه الرواة 3 / 265 ، شذرات الذهب 4 / 118 - 121 ) .

( 1 ) أنظر : الشريف الرضي : حقائق التأويل في متشابه التنزيل ص 74 ( النجف 1355 ه‍ / 1936 م ) ، الزمخشري : الكشاف 1 / 300 ( بولاق 1318 ه‍ ) ، كامل الشيبي : التقية - مجلة كلية الآداب ، جامعة الإسكندرية - العدد 16 عام 1963 ص 233 - 234 .
( 2 ) ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 111 .
( 3 ) سورة آل عمران : آية 28 .
( 4 ) سورة النحل : آية 106 . ( * )

 

 

 ص 209

وقد قدم لنا العلامة المفسر القرطبي معظم آراء العلماء في تفسير الآية الكريمة ، وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر في قول أهل التفسير ، لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه ، قال ابن عباس : أخذه المشركون ، وأخذوا أباه وأمه سمية ، وبلالا "

وخبابا " وسالما " فعذبوهم ، و ربطت سمية بين بعيرين ، ووجئ قبلها بحربة ، وقيل لها : إنك أسلمت من أجل الرجال ، فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين ( شهيدين ) في الإسلام ، وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها " ، فشكا

ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف تجد قلبك ؟ ، قال : مطمئن بالإيمان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن عادوا فعد .


وروى الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير عمار بين أمرين ، إلا اختار أرشدهما ، وفي هذا دليل على أن التقية التي اختارها عمار كانت أرشد هنا .


ويقول القرطبي : لما سمح الله عز وجل بالكفر به - وهو أصل الشريعة - عند الإكراه ، ولم يؤاخذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها ، فإذا وقع الإكراه عليها ، لم يؤاخذ به ، ولم يترتب عليه حكم ، وبه جاء الأثر المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه .


هذا وقد أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر ، حتى خشي على نفسه القتل ، أنه لا إثم عليه ، إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر ، وهذا ما قال به مالك والكوفيون والشافعي - غير محمد بن الحسن ( 1 ) - بدليل قول الله تعالى : * ( إلا من أكره ) *
وقوله تعالى : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ( 2 ) ،
وقوله تعالى : * ( إلا المستضعفين من

  * هامش *  
 

( 1 ) تفسير القرطبي ص 3796 - 3798 .
( 2 ) سورة آل عمران : آية 28 ، وانظر : تفسير الطبري 6 / 313 - 317 ، تفسير ابن كثير 1 / 535 ،
تفسير النسفي
1 / 152 - 153 ، تفسير الزمخشري 1 / 140 ، تفسير القرطبي ص 1299 - 1300 ، =>

 

 

 ص 210

الرجال والنساء والولدان ) * ( 1 ) فعذر الله المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر الله به - قاله البخاري .


هذا وقد ذهبت طائفة من العلماء - كالحسن البصري والأوزاعي وسحنون - إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول ، وأما الفعل فلا رخصة فيه ، مثل أن يكرهوا على السجود لغير الله ، أو الصلاة لغير القبلة .


وقد احتج من قصر الرخصة على القول ، بقول ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان ، إلا كنت متكلما " به فقصر الرخصة على القول ، ولم يذكر الفعل ، وهذا لا حجة فيه ، لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالا " ، وهو يريد : أن الفعل في حكمه .


على أن فريقا " آخر من العلماء قال إن الإكراه في القول والفعل سواء ، إذا أسر الإيمان ، روى ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول ، وهو قول مالك ، وطائفة من أهل العراق ، فلقد روى ابن القاسم عن مالك : أن من أكره على شرب الخمر ، وترك الصلاة ، أو الإفطار في رمضان ، أن الإثم عنه مرفوع ( 2 ) .


ولعل مما تجدر الإشارة إليه أن العلماء يجمعون على أن من أكره على الكفر ، فاختار القتل ، إنما هو أعظم أجرا " عند الله ، ممن اختار الرخصة ، واختلفوا فيمن أكره على غير القتل من فعل ما لا يحل له ، فقال أصحاب مالك : الأخذ بالشدة في ذلك ، واختيار القتل والضرب ، أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة .


وروى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلت : ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال لي : قد كان

  * هامش *  
 

=> تفسير المنار 3 / 227 - 233 ، أحمد أمين : فجر الإسلام ص 274 ، ضحى الإسلام 3 / 246 - 247 .
( 1 ) سورة النساء : آية 97 .
( 2 ) تفسير القرطبي ص 3798 - 3799 . ( * )

 

 

 ص 211

من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه ، فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ، ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ( 1 ) .


وعن يونس بن عبيد عن الحسن ( البصري ) : أن عيونا" لمسيلمة ( الكذاب ) أخذوا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهبوا بهما إلى مسيلمة ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا " رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : أتشهد أني رسول الله ؟

قال : نعم ، فخلى سبيله ، وقال للآخر : أتشهد أن محمدا " رسول الله ؟ قال : نعم ، قال : وتشهد أني رسول الله ؟ قال : أنا أصم ، لا أسمع ، فقدمه وضرب عنقه ، فجاء هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هلكت ، قال : وما أهلكك ،

فذكر الحديث ، قال : أما صاحبك فأخذ بالثقة ، وأما أنت فأخذت بالرخصة ، على ما أنت عليه الساعة ؟ قال : أشهد أنك رسول الله ، قال : أنت على ما أنت عليه ( 2 ) .


وعن المسيب بن شريك عن أبي شيبة قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل يؤخذ بالرجل ، هل ترى أن يحلف ليقيه بيمينه ؟ فقال : نعم ، ولأن أحلف سبعين يمينا " وأحنث ، أحب إلي أن أدل على مسلم .


وكان الوليد بن عبد الملك الأموي ( 86 ه‍ / 705 م - 96 ه‍ / 715 م ) يأمر جواسيس يتجسسون الخلق يأتونه بالأخبار ، قال : فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوه فسمع بعضهم يقول في الوليد ، فرفع ذلك إليه فقال : يا رجاء ، اذكر بالسوء في مجلسك ولم تغير ، فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين ، فقال له الوليد : قال : الله الذي لا إله إلا هو ، قال : الله الذي لا إله إلا هو ، فأمر

  * هامش *  
 

( 1 ) تفسير القرطبي ص 3804 .
( 2 ) تفسير الزمخشري / 536 ، تفسير المنار 3 / 231 ، تفسير القرطبي ص 3805 . ( * )

 

 

 ص 212

الوليد بالجاسوس فضربه سبعين سوطا " ، فكان يلقى رجاء فيقول : يا رجاء بك يسقى المطر ، وسبعون سوطا " في ظهري ، فيقول رجاء : سبعون سوطا " في ظهرك ، خير لك من أن يقتل رجل مسلم . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : ليس الرجل آمنا " على نفسه ، إذا أخفته أو أوثقته أو ضربته ، وقال ابن مسعود : ما كان يدرأ عني سوطين ، إلا كنت متكلما " به .


وقال الحسن البصري : التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة ، إلا أن الله تعالى ليس يجعل في القتل تقية .

وقال النخعي : القيد إكراه ، والسجن إكراه ، وهذا قول الإمام مالك ، إلا أنه قال : والوعيد المخوف إكراه ، وإن لم يقع ، إذا تحقق ظلم ذلك المتعدي ، وإنفاذه لما يتوعد به ، وليس عند مالك وأصحابه في الضرب والسجن توقيت ، إنما هو ما كان يؤلم من الضرب ، وما كان من سجن يدخل منه الضيق على المكره ، وإكراه السلطان وغيره عن مالك إكراه .


وقال سحنون ( 1 ) ( عبد السلام بن سعيد التنوخي قاضي القيروان 160 ه‍ / 776 م - 240 ه‍ / 854 م ) : وفي إجماعهم على أن الألم والوجع الشديد إكراه ، مما يدل على أن الإكراه يكون من غير تلف نفس ،

وذهب الإمام مالك ( 90 أو 97 - 179 ه‍ ) إلى أن من أكره على يمين بوعيد أو سجن أو ضرب ، أنه يحلف ولا حنث عليه ، وهو قول الأئمة : الشافعي ( 150 ه‍ / 767 م - 204 ه‍ / 820 م ) وابن حنبل ( 164 ه‍ / 780 م - 241 ه‍ / 855 م ) وأبي ثور ( ت 240 ه‍ / 854 م ) وأكثر العلماء .

  * هامش *  
 

( 1 ) سحنون : وهو والد ابن سحنون ( محمد بن سحنون بن عبد السلام بن سعيد التنوخي ، الذي ولد بالقيروان عام 202 ه‍ / 817 م ، وتعلم فيها على يد والده سحنون وغيره ، حتى صار في مكانة أكبر من مكانة والده ، ثم توفي عام 256 ه‍ / 870 م ) . ( * )

 

 

 ص 213

هذا وقد ثبت أن من المعاريض المندوحة عن الكذب ، روى الأعمش عن إبراهيم النخعي( 50 ه‍ / 670 م - 96 ه‍ / 715 م ) أنه قال : لا بأس إذا بلغ الرجل عنك شئ أن تقول : والله ، إن الله يعلم ما قلت فيك من ذلك من شئ ، قال عبد الملك بن حبيب : معناه أن الله يعلم أن الذي قلت ، وهو في ظاهره انتفاء من القول ، ولا حنث على من قال ذلك في يمينه ، ولا كذب عليه في كلامه .


وقال النخعي : كان لهم كلام من ألغاز الإيمان يدرأون به عن أنفسهم ، لا يرون ذلك من الكذب ولا يخشون فيه الحنث ، قال عبد الملك : وكانوا يسمون ذلك المعاريض من الكلام ، إذا كان ذلك في غير مكر ، ولا خديعة في حق ، وقال الأعمش : كان إبراهيم النخعي إذا أتاه أحد يكره الخروج إليه ، جلس في مسجد بيته ، وقال لجاريته : قولي له : هو والله في المسجد ( 1 ).
 


 2 - التقية في السنة :
 

تظهر التقية - بأجلى معانيها - في قصة الصحابي الجليل عمار بن ياسر رضوان الله عليه ، روى الحافظ ابن كثير في تفسيره قال : روى العوفي عن ابن عباس أن آية * ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( 2 ) ، نزلت في عمار بن ياسر ، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فوافقهم على ذلك مكرها " ، وجاء معتذرا " إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية ، وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك .


وروى ابن جرير بسنده عن أبي عبيد محمد بن عمار بن ياسر قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه ، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا " بالإيمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن عادوا فعد .

  * هامش *  
 

( 1 ) تفسير القرطبي ص 3805 - 3807 .
( 2 ) سورة النحل : آية 106 . ( * )

 

 

 ص 214

ورواه البيهقي بأبسط من ذلك ، وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر آلهتهم بخير ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ما تركت حتى سببتك ، وذكرت آلهتهم بخير ، قال : كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئنا " بالإيمان ، فقال : إن عادوا فعد ، وفي ذلك أنزل الله * ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته ( 1 ) .


هذا وقد خرج عن هذه الآية الكريمة ( النحل : 106 ) رأي مدرسة الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق ( 80 ه‍ / 669 م - 148 ه‍ / 765 م ) مع الإمام أبي حنيفة ( 80 ه‍ / 669 م - 150 ه‍ / 767 م ) والإمام مالك ، في فتواهما المشتركة للناس : ليس على مكره يمين ، حينما سئلا عن بيعتهما للخليفة العباسي المنصور ( 136 ه‍ / 754 م - 158 ه‍ / 775 م ) وخروجهما عليه بعد البيعة ( 2 ) .


وأما الإمام أبو حنيفة ، فلقد أرسل له الإمام زيد بن علي زين العابدين ( 79 ه‍ / 698 م - 122 ه‍ / 740 م ) الفضيل بن الزبير يدعوه إليه ، غير أنه لم يستطع الخروج ، وقال للرسول : إبسط عذري إليه ، ومع ذلك فقد كان يحث الناس على نصرة الإمام زيد ، كما أمده بمعونة مالية ، - بلغت ثلاثين ألف درهم - يستعين بها على عدوه ،

ويروى أن أبا حنيفة قال لما بلغه خروج زيد - ضاهى خروجه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم بدر ، فقيل له : لم تخلف عنه ؟ قال : حبسني عنه ودائع الناس ، عرضتها على ابن أبي ليلى فلم يقبل ، فخفت أن أموت مجهلا " .


وقال الزمخشري في الكشاف : وكان أبو حنيفة يفتي سرا " ، بوجوب نصرة

  * هامش *  
 

( 1 ) تفسير ابن كثير 2 / 911 - 912 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1406 ه‍ / 1986 ) .
( 2 ) عبد القادر محمود : الإمام جعفر الصادق - رائد السنة والشيعة ص 177 . ( * )

 

 

 ص 215

زيد بن علي ، وحمل المال إليه ، والخروج معه على اللص المتغلب ، المسمى بالإمام أو الخليفة .

وروى أن محمد بن جعفر الصادق قال : رحم الله أبا حنيفة ، لقد تحققت مودته لنا في نصرته زيد بن علي ( 1 ) .

وفي أثناء ثورة الإمام محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم على الخليفة العباسي المنصور في عام 145 ه‍ ،أفتى الإمام أبو حنيفة بالخروج مع إبراهيم ، وكان المحدث الفقيه شعبة بن الحجاج ( 82 ه‍ / 701 م - 160 ه‍ / 776 م ) يحث الناس على اتباعه ، ويقول : ما يقعدكم ؟ هي بدر الكبرى ، كما أمده الإمام أبو حنيفة بأربعة آلاف درهم ، وكتب إليه أنه لم يكن عنده غيرها ( 2 )


وروى أن امرأة أتت أبا حنيفة فقالت : إنك أفتيت ابني بالخروج مع إبراهيم ، فخرج فقتل ، فقال لها : ليتني كنت مكان ابنك .

وكتب أبو حنيفة إلى إبراهيم يقول : أما بعد ، فإني جهزت إليك أربعة آلاف درهم ، ولم يكن عندي غيرها ، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك ، فإذا لقيت القوم ، وظفرت بهم ، فافعل كما فعل أبوك ( يعني الإمام علي بن أبي طالب ) في أهل صفين ، أقتل مدبرهم ، وأجهز على جريحهم ، ولا تفعل كما فعل أبوك في أهل الجمل ، فإن القوم لهم فئة ، ويقال إن هذا الكتاب وقع إلى الدوانيقي ( يعني أبو جعفر المنصور ) ، وكان سبب تغيره على أبي حنيفة ( 3 ) .


وأما الإمام مالك ، فلقد أفتى الناس أيضا " بالخروج مع محمد النفس الزكية ،

  * هامش *  
 

( 1 ) تفسير الكشاف 1 / 64 ، شذرات الذهب 1 / 159 ، ابن البزار : مناقب الإمام أبي حنيفة 1 / 55 ( حيدر الدكن 1321 ه‍ ) ، الأصفهاني : مقاتل الطالبيين ص 146 ، المحلى : الحدائق الوردية 1 / 144 .
( 2 ) ابن عنبة : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 130 ، وانظر : مقاتل الطالبيين ص 361 ، 364 ، 365 ، 367 ، 369 .
( 3 ) ابن عنبة : عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 130 ( دار مكتبة الحياة - بيروت ) . ( * )

 

 

 ص 216

وبايعه ، ولهذا فقد تغير المنصور عليه ، فقيل : إنه خلع أكتافه ( 1 ) .

وروى ابن الأثير في كامله : وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد (النفس الزكية) وقالوا : إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال : إنما بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ، ولزم مالك بيته ( 2 ) .

قال صاحب الجواهر - كما جاء في كتاب فقه الإمام جعفر الصادق - الاجتماع على ذلك ، مضافا " إلى النصوص العامة ، مثل رفع عن أمتي ما استكرهوا عليه ، ورواية زرارة عن الإمام أبي جعفر الصادق : ليس طلاق المكره بطلاق ، ولا عتقه بعتق ( 3 ) .


ولقد اختلف العلماء في طلاق المكره ، فقال الشافعي وأصحابه لا يلزمه شئ ، وذكر ابن وهب عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ، أنهم كانوا لا يرون طلاقه شيئا " ، وكذا رأي ابن عمر وعطاء وطاوس والحسن البصري وشريح والقاسم وسالم ومالك والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور ، وأجازت طائفة طلاقه كالشعبي والنخعي وأبي قلابة والزهري وقتادة ، وقال أبو حنيفة طلاق المكره يلزم ( 4 ) .


وفي تفسير ابن كثير : روى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال : إنا لنكشر في وجوه أقوام ، وقلوبنا تلعنهم ، وقال الثوري : قال ابن عباس : ليس التقية بالعمل ، إنما التقية باللسان .

  * هامش *  
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 126 .
( 2 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 5 / 532 .
( 3 ) محمد جواد مغنية : فقه الإمام جعفر الصادق - الجزء السادس ص 6 ( دار الجواد - بيروت 1404 ه‍ / 1984 م ) .
( 4 ) تفسير القرطبي ص 3800 . ( * )

 

 

 ص 217

وقال البخاري : قال الحسن : التقية إلى يوم القيامة ( 1 ) .

وروى الإمام مالك في الموطأ عن عائشة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت . استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : وأنا معه في البيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس ابن العشيرة ، ثم أذن له

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معه ، فلما خرج الرجل قلت : يا رسول الله ، قلت فيه ما قلت ، ثم لم تنشب أن ضحكت معه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره ( 2 ) .


وروى البخاري في صحيحه (باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب) قال : حدثنا صدقة بن الفضل ، أخبرنا ابن عيينة سمعت ابن المنذر ، سمع عروة بن الزبير ، أن عائشة رضي الله عنها أخبرته ، قالت : استأذن رجل على رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، فقال : إئذنوا له ، بئس أخو العشيرة ، أو ابن العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، قلت : يا رسول الله ، قلت الذي قلت ، ثم ألنت له الكلام ، قال : أي عائشة ، إن شر الناس من تركه الناس - أو ودعه الناس - إتقاء فحشه ( 3 ) .


وفيه من حديث أبي الدرداء : إنا لنكشر في وجوه قوم ، وإن قلوبنا لتلعنهم وفي رواية الكشميهني وإن قلوبنا لتقليهم أي تبغضهم ، ويقول صاحب تفسير المنار : وأما المداراة - فيما لا يهدم حقا " ، ولا يبني باطلا " - فهي كياسة مستحبة ، يقتضيها أدب المجالسة ، ما لم تنته إلى حد النفاق ، ويستجز فيها الدهان والاختلاق ، وتكون مؤكدة في خطاب السفهاء ، تصونا " من سفههم ، واتقاء لفحشهم ( 4 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) تفسير ابن كثير 1 / 535 ( بيروت 1986 ) .
( 2 ) الإمام مالك بن أنس : الموطأ - صححه ورقمه وخرج أحاديثه وعلق عليه - محمد فؤاد عبد الباقي ص 563 - 564 ( ط كتاب الشعب 1970 ) .
( 3 ) صحيح البخاري 8 / 20 - 21 .
( 4 ) تفسير المنار 3 / 231 - 232 ( الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1973 ) . ( * )

 

 

 ص 218

وفي مسند الإمام علي بن أبي طالب عن أبي مريم عن علي قال : انطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أتينا الكعبة ، فقال لي نبي الله صلى الله عليه وسلم : إجلس ، وصعد على منكبي فنفضته ، فنزل ، وجلس لي نبي الله صلى الله

عليه وسلم ، فقال : إصعد على منكبي ، قال : فنهض بي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنه ليخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء ، حتى صعدت على البيت ، وعليه تماثيل صفر أو نحاس ، فجعلت أزاوله يمينا " وشمالا " ، ومن بين يديه ومن

خلفه ، حتى إذا استمكنت منه ، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إقذف به ، فقذفت به ، فتكسر ، كما تكسر القوارير ثم نزلت ، فانطلقت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، نستبق حتى توارينا بالبيوت ، خشية أن يلقانا أحد من الناس ( 1 ) .


ويقول الطبري ( 2 ) : وما يهمنا هنا في هذا الخبر : أن عليا " رحمه الله ، أخبر أنه حين رمى بالصنم من فوق الكعبة فتكسر ، نزل فانطلق هو و رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يسعيان حتى استترا بالبيوت ، خشية أن يعلم بهما أحد ، ولا شك أنهما

لم يخشيا أن يعلم ما كان منهما من الفعل بالصنم أحد من المشركين ، إلا كراهة أذاهم على أنفسهما ، وأن يلحقهما منهم مكروه ، لما كان فعلا بصنمهم . وكذلك القول على كل خائف على نفسه من فرط أذى من لا طاقة له به ، أن يناله به في نفسه ، إذا

هو غير هيئة بعض ما وجده معه ، أو مع بعض أشيائه من الأشياء التي لا تصلح إلا لأن يعصى الله به ، وهو بهيئته ، في أنه في سعة من ترك تغييره عن هيئته ، حتى يأمن ذلك على نفسه ، فإذا أمن على نفسه ، كان له تغييره من الهيئة عن هيئته ،

حتى يأمن من ذلك على نفسه ، فإذا أمن على نفسه ، كان له تغييره من الهيئة المكروهة إلى غيرها من الهيئات التي تصلح لغير معصية الله .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) أبو جعفر الطبري : تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار - مسند الإمام علي بن أبي طالب - قرأه وخرج أحاديثه محمود محمد شاكر - ص 237 ( ط جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية بالرياض ) .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 242 - 243 . ( * )

 

 

 ص 219

وفيه دلالة واضحة على صحة ما نقول من أن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، إنما يلزم فرضهما المرء المسلم على قدر طاقته ، وعند أمانه على نفسه ، أن ينال منها ما لا قبل لها به ، فأما مع الخوف عليها أن تنال بما لا قبل لها به ،

فموضوع عنها فرض ذلك ، إلا النكير بالقلب . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما تحين لكسر الصنم الذي كان فوق الكعبة ، وقت الخلوة من عبدته ، ومن يحضره لتعظيمه ، كراهة أن ينالوه بمكروه في نفسه ، لو حاول كسره بمحضر

منهم ، أو أن يحولوا بينه وبين ما يحاول من ذلك ، ثم لم يقف بعد كسره إياه بموضعه ، ولكنه أسرع السعي منه إلى حيث يأمن على نفسه أذاهم ، وأن يعملوا أنه الذي ولى كسره ، أو كان الذي سبب كسره ( 1 ) .


وهناك حديث لا ضرر ولا ضرار ، وحديث رفع عن أمتي تسعة أشياء : الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطروا إليه ، والطيرة ، والحسد ، والوسوسة في الخلق ، وقول الرسول الأعظم وما اضطروا إليه صريح الدلالة على أن الضرورات تبيح المحظورات ( 2 ) .


وقال الإمام الغزالي ( 450 ه‍ / 1059 م - 505 ه‍ / 1111 م ) في موسوعته إحياء علوم الدين ( باب ما رخص فيه من الكذب ) : أن عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم ، قد اختفى من ظالم ، فالكذب فيه

واجب ، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب ، أو إصلاح ذات البين ، أو استمالة قلب المجني عليه ، إلا بكذب ، فالكذب مباح ، إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن ، لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه ، فيخشى أن يتداعى إلى ما لا

  * هامش *  
 

( 1 ) مسند الإمام علي بن أبي طالب ص 242 - 243 .
( 2 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 50 .

 

 

 ص 220

يستغنى عنه ، وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة ، فيكون الكذب حراما " في الأصل إلا لضرورة ( 1 ) .


وقال الإمام الرازي في التفسير الكبير ، في تفسير قوله تعالى : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * - بعد أن نقل الأقوال المختلفة في التقية - قال : روى عن الحسن البصري أنه قال : التقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى - فيما يرى الرازي - لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان ( 2 ) .


ونعى الإمام الشاطبي ( المتوفى 1388 م ) في الموافقات على الخوارج إنكارهم سورة يوسف من القرآن ، وقولهم ( المتوفى 1388 م ) بأن التقية لا تجوز في قول أو فعل على الإطلاق والعموم ( 3 ) .


وقال الحافظ جلال الدين السيوطي في الأشباه والنظائر : لا يجوز أكل الميتة في المخمصة ، وإساغة اللقمة ( 1445 - 1505 م ) في الخمر ، والتلفظ بكلمة الكفر ، ولو عم الحرام قطرا " ، بحيث لا يوجد فيه حلال ، إلا نادرا " ، فإنه يجوز استعمال ما يحتاج إليه ( 4 ) .


وقال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الرازي ( 5 ) ( 305 ه‍ / 917 م - 370 ه‍ / 981 م ) - من أئمة الحنفية - في قوله تعالى : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ، يعني أن تخافوا تلف النفس ، أو بعض الأعضاء ، فتتقوهم بإظهار

  * هامش *  
 

( 1 ) أبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين 9 / 1588 ( دار الشعب - القاهرة 1970 ) .
( 2 ) الشيعة في الميزان ص 50 .
( 3 ) الإمام الشاطبي : الموافقات 4 / 180 .
( 4 ) السيوطي : الأشباه والنظائر ص 76 .

( 5 ) أنظر عن الجصاص ( تاريخ بغداد 4 / 314 - 315 ، معجم المؤلفين لكحالة 2 / 7 - 8 ، الفهرست لابن النديم ص 208 ،
المنتظم
لابن الجوزي 7 / 105 - 106 ، الأعلام للزركلي 1 / 165 ، البداية والنهاية لابن كثير 11 / 297 ، تذكرة الحفاظ للذهبي 959 ، الجواهر للقرشي 1 / 84 - 85 ، شذرات الذهب 3 / 71 ، فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي - المجلد الأول 1 / 102 - 104 - جامعة الإمام محمد بن مسعود الإسلامية 1403 ه‍ / 1983 م ) . ( * )

 

 

 ص 221

الموالاة من غير اعتقاد لها ، وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ ، وعليه الجمهور من أهل العلم .
 

وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي عن الحسن بن أبي الربيع الجرجاني عن عبد الرازق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى : * ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون الله ) * ، قال : لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا " وليا " في دينه ، وقوله تعالى : * ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) * ، يقتضي جواز إظهار الكفر عند التقية ، وهو نظير قوله تعالى : * ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ( 1 ) .


وروى مسلم في صحيحه بسنده عن ابن المنكدر ، سمع عروة بن الزبير يقول : حدثتني عائشة أن رجلا " استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إئذنوا له ، فلبئس ابن العشيرة ، أو بئس رجل العشيرة ، فلما دخل عليه ألان له القول ، قالت عائشة فقلت : يا رسول الله ، قلت له الذي قلت ، ثم ألنت له القول ، قال : يا عائشة ، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ودعه أو تركه الناس ، إتقاء فحشه ( 2 ) .


وفي السيرة الحلبية : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ، قال له حجاج بن علاط : يا رسول الله إن لي بمكة مالا " ، وإن لي بها أهلا " ، وأنا أريد أن آتيهم ، فأنا في حل ، إن نلت منك ، وقلت شيئا " فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يقول ما شاء ( 3 ) .


وهذا الذي قاله صاحب السيرة الحلبية عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ونقله الجصاص

  * هامش *  
 

( 1 ) الجصاص : أحكام القرآن 2 / 10 ( ط 1347 ه‍ ) .
( 2 ) صحيح مسلم 16 / 144 ( ط بيروت 1981 م ) .
( 3 ) أنظر : السيرة الحلبية 2 / 761 - 763 ، تاريخ الطبري 3 / 17 - 19 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 223 - 224 ،
سيرة ابن هشام
3 / 259 - 260 ، السيرة النبوية لابن كثير 2 / 407 - 492 . ( * )

 

 

 ص 222

إلى الجمهور من أهل العلم ، وهو الذي جاء في كل كتب السيرة ، وهو بعينه ما تقول الإمامية ، إذن القول بالتقية لا يختص بالشيعة دون السنة ، أما قصة نعيم بن مسعود الأشجعي ، فأشهر من أن تذكر ، وقد فصلتها كتب السيرة كذلك ( 1 ) .


ويقول الأستاذ مغنية : لا أدري كيف استجاز لنفسه من يدعي الإسلام ، أن ينعت التقية بالنفاق والرياء ، وهو يتلو من كتاب الله ، وسنة نبيه ، ما ذكرنا آنفا " من الآيات والأحاديث ، فضلا " عن أقوال أئمة السنة ، وهو غيض من فيض مما استدل به علماء الشيعة في كتبهم ، ثم كيف تنسب الشيعة إلى الرياء ، وهم يؤمنون بأنه الشرك الخفي ، ويحكمون ببطلان الصوم والصلاة والحج والزكاة ، إذا شابها أدنى شائبة من رياء ( 2 ) .


وعلى أية حال ، فالتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ( 3 ) .

وعن ابن عباس إلا أن تتقوا منهم تقاة ، قال : التقاة التكلم باللسان ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وعن عكرمة في قوله إلا أن تتقوا منهم تقاة ، قال : ما لم يهرق دم مسلم ، وما لم يستحل ماله ( 4 ) .


هذا وقد روى الكليني - أكبر علماء الإمامية ، والمتوفى 328 ه‍ / 939 م - أخبارا " كثيرة في التقية ، فروى عن الإمام أبي عبد الله أنه قال : تسعة أعشار الدين في التقية ، ولا دين لمن لا تقية له ، والتقية في كل شئ ، إلا في النبيذ والمسح على الخفين .

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر : مغازي الواقدي 2 / 480 - 487 ( بيروت 1984 ) ، ابن كثير : السيرة النبوية 3 / 214 - 217 ،
ابن قيم الجوزية : زاد المعاد 3 / 273 - 274 ، ابن حزم : جوامع السيرة ص 151 - 152 ( القاهرة 1982 ) ،
عرجون : محمد رسول الله 4 / 181 - 189 ( دمشق 1985 ) ، أبو زهرة : خاتم النبيين 2 / 788 - 790 ،
البوطي : فقه السيرة ص 1 / 22 ( بيروت 1978 ) ، الندوي : السيرة النبوية ص 219 - 220 ،
محمد بيومي مهران : السيرة النبوية الشريفة 2 / 211 - 214 ( بيروت 1990 ) ، الشيعة في الميزان ص 51 .
( 2 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 51 .
( 3 ) تفسير القرطبي ص 1299 .
( 4 ) تفسير الطبري 6 / 313 - 317 . ( * )

 

 

 ص 223

وقال في قوله تعالى : * ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) * ( 1 ) قال : بما صبروا على التقية ، وما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف ، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير ، فأعطاهم الله أجرهم مرتين .


وقد سئل أبو الحسن عن القيام للولاة فقال : قال أبو جعفر الباقر : التقية من ديني ، ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقية له .

وسئل الإمام أبو جعفر عن رجلين من أهل الكوفة أخذا ، فقيل لهما : إبرآ من أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فبرئ واحد منهما ، وأبى الآخر ، فخلي سبيل الذي برئ ، وقتل الآخر ، فقال : أما الذي برئ ، فرجل فقيه في دينه ، وأما الذي لم يبرأ

فرجل تعجل إلى الجنة . وأراد جماعة السير إلى العراق ، فقالوا لأبي جعفر : أوصنا ، فقال أبو جعفر : ليقو شديدكم ضعيفكم ، ولتعد غنيكم على فقيركم ، ولا تبثوا سرنا ، ولا تذيعوا أمرنا . وقال أبو عبد الله : إن أمرنا مستور مقنع بالميثاق ، فمن هتك علينا أذله الله ( 2 ) .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة القصص : آية 54 .
( 2 ) الكليني : الكافي ص 400 وما بعدها ، أحمد أمين : ضحى الإسلام 3 / 247 - 248 ( القاهرة 1368 ه‍ / 1949 م ) .( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب