- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 223 -

 3 - التقية من الدليل العقلي


وهو يوجب المحافظة على النفس والنفيس ، استنادا " إلى قول الله تعالى * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * ( 3 ) .

والنبي صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى للإنسانية كلها - إنما قد أخفى الدعوة في بادئ الأمر ، وبدأ يدعو للإسلام سرا " ، لأنه رأى أولا " ضرورة التقية ، حتى زالت

  * هامش *  
 

( 3 ) سورة البقرة : آية 195 . ( * )

 

 

 ص 224

أسبابها ، عندما أمره الله * ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين ) * ( 1 ) .


وعلى أية حال ، فالصدع بالرأي ، بعد الإسرار به ، لم يكن شجاعة بعد جبن ، بل كان قوة في كلتا الحالتين ، استترت الأولى بالتقية ، وكشفت الثانية عن نفسها بخلع التقية .


ويرى الشيعة عامة أن أبا طالب - عم النبي ومربيه ، وشاهد نبوته معه منذ طفولته - إنما كان مستترا " وراء التقية ، وكان مؤمنا " بابن أخيه محمد نبيا " ورسولا " ، وقد تظاهر بغير ذلك ، بالصمت حينا " ، وبالتجاهل حينا " ، ليتسنى له الدفاع عن محمد وعلي ، عليهما السلام ( 2 ) .


هذا وقد أكد التقية قبل الإمام الصادق جده الإمام علي زين العابدين ، حين قال :

إني لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتننا
وقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا

فرب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
( 3 )

ولقد جرى على ذلك بعض الصوفية ، فقالوا بالعلم الباطن ، الذي لا يفهم من اللغة ولا من المنطق ، وإنما عن طريق الإلهام والمكاشفة .


هذا ويذهب كاشف الغطاء إلى أن الشريعة الإسلامية المقدسة ، إنما قد أجازت للمسلم في مواطن الخوف أن يتدرع بستار التقية ، إخفاء للحق ، وصونا " له ، ريثما تنتصر دولة الحق ، هذا وتجب التقية ، إن كان تركها يستوجب تلف

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة الحجر : آية 94 - 95 .
( 2 ) عبد القادر محمود : الإمام جعفر الصادق رائد السنة والشيعة ص 178 .
( 3 ) المجلسي : بحار الأنوار ص 86 - 87 . ( * )

 

 

 ص 225

النفس، دون فائدة ، وللمرء أن يضحي بنفسه أو يحافظ عليها ، ولكن يحرم العمل بالتقية، إن كان ذلك ترويجا " للباطل ( 1 )

ويذهب الشيخ المفيد ( 333 ه‍ / 944 م - 414 ه‍ / 1022 م ) إلى أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقد تجوز في حال دون حال ، للخوف على المال ، ولضروب من الاستصلاح ( 2 ) .


هذا فضلا " عن أنها واجبة في الأقوال كلها عند الضرورة ، وربما وجبت فيها ، الضرب من اللطف والاستصلاح ، وليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين ، ولا فيما يعلم أو يغلب أنه فساد في الدين ( 3 )


وهكذا كانت التقية واحدة من أهم عقائد الشيعة الإمامية ، فرضتها الظروف السياسية ، وما صاحبها من اضطهاد الشيعة ، فاتقوا السلطان حفظا " للأرواح وقد أصبحت التقية صفة خاصة للشيعة الإمامية ، وقد دانوا بها ، امتثالا " لأمر الأئمة ، فقد روي عن الإمام الصادق أنه قال : من لا تقية له ، لا دين له ( 4 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن التقية إنما بدأت مع أحد الضعفاء ، وكما أشرنا من قبل ، مع سيدنا عمار بن ياسر ( 5 ) ، رضي الله عنه ،

  * هامش *  
 

( 1 ) العاملي : أعيان الشيعة 11 / 154 - 160 .
( 2 ) محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد : أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ص 96 ( ط تبريز 1371 ) .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 97 .
( 4 ) الطبرسي : مشكاة الأنوار في غرر الأخبار - النجف - 1951 ص 39 وما بعدها .

( 5 ) ليس صحيحا " ما ذهب إليه الدكتور الشيبي من أن عمار بن ياسر ، رضي الله عنه ، كان عبدا " سابقا " ، كما أنه ليس صحيحا " أن قصة تعذيبه كانت بعد الهجرة النبوية الشريفة إلى المدينة المنورة ، قال الواقدي وغيره من أهل العلم بالنسب والخبر : إن ياسرا " والد عمار

عرني قحطاني مذحجي من عنس ، إلا أن ابنه عمار كان مولى لبني مخزوم ، لأن أمه سمية كانت أمة لبعض بني مخزوم ، وعن مجاهد : إن أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب وعمار وأمه سمية ، وعذبت أسرة ياسر في الله عذابا " شديدا " ، وفي عمار نزلت : * ( من كفر بالله من بعد إيمانه * إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) * ، ومن المعروف أن الآية مكية =>

 

 

 ص 226

هكذا قرر الإسلام ، وقرر نبي الإسلام مبدأ التقية ، بوصفها وسيلة لحماية النفس ، من خطر يودي بها من غير طائل ، حتى قال ابن حزم : وقد أباح الله عز وجل كلمة الكفر عند التقية ، وأباح بها الدم في غير التقية ( 1 ) .


ولعل من الجدير بالإشارة إلى أن تخيير الإسلام للكفار المقهورين بين الإسلام أو السيف أو الجزية ، تدخل في باب إقرار التقية ، فليس خافيا " على الإسلام وشارعه أن الدخول في الدين الجديد على هذه الصورة تحت حد السيف ، أو ما لا يمكن توفيره من مال ، يعني دفع كلا الضررين ، بتحمل أهون الثلاث ، وهو الدخول في دين القاهرين ، فلا يمكن أحدا " أن

يتصور أن معتنق الإسلام - وعلى هذه الصورة - جاد في إسلامه ، اللهم إلا إذا رأى فيه الروح مما كان يعاني ، شأن المسلمين الأولين ، وذلك أمر يدخل في باب الحدس والتخمين .


ومن ثم لم يبق إذن ، إلا أن يكون الإسلام مؤمنا " بمبادئه ومثله ، واثقا " من تأثيرها في الناس ، إذا أتيح لهم أن يزنوا الأمور ، ويجربوا الحياة الجديدة - ولو بالإكراه أولا " - فهو من هذه الناحية أنما يغري بالتقية ، ويقدمها إلى الجاهلين به ، ثقة منه

في كسبهم ، متى آمنوا ، واطمأنوا ، فتفادي القتل والجزية ، والدخول في الإسلام بالفتح ، إنما هو مبدأ إسلامي حمله الإسلام إلى المغلوبين ، لإغرائهم باعتناقه ، فهذه تقية لا جدال فيها ، كما يبدو .

  * هامش *  
 

=> والسورة مكية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يمر بعمار وأمه وأبيه ، وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة ، فيقول : صبرا " آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة . وهاجر عمار إلى المدينة ، وشهد بدرا " واحد والخندق وبيعة الرضوان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أول من بنى مسجدا " في الإسلام .

وظهر يوم اليمامة ، واستعمله عمر بن الخطاب أميرا " على الكوفة ، وكان من محبي الإمام علي بن أبي طالب وآل البيت ، وحضر معه الجمل وصفين ، واستشهد في صفين عام 37 ه‍ ( 657 م ) وكان عمره 94 أو 93 أو 91 سنة ( أنظر : أسد الغابة 4 / 139 - 135 ، أنساب الأشراف 1 / 156 - 175 ) .

( 1 ) ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل 3 / 111 . ( * )

 

 

 ص 227

ثم إن الإسلام لم يكتف بإتاحة الولاء تقية للمغلوبين على أمرهم من أرستقراطي المدينة - وكانوا يعرفون صراحة بالمنافقين - وكان الإسلام يتألف قلوبهم بالمال ، وجعلهم إحدى الطوائف الثماني التي لها نصيب من أموال الصدقات - كما تشير إلى ذلك

الآية 60 من سورة التوبة - وقد ظل المنافقون يقبضون أموال الصدقات هذه إلى أن ألغى عمر بن الخطاب نصيبهم، حين قوي الإسلام ، وأحس بأن في ذلك تقليلا " من هيبته ، وتلك إمارة على إتاحة الإسلام تقية حتى للأرستقراطيين السابقين ( 1 )

ولو أخذنا غنائم غزوة حنين كمثال لما كان يعطيه الإسلام للمؤلفة قلوبهم ، لرأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعطي المؤلفة قلوبهم أول الناس ، فيعطي أبو سفيان بن حرب مائة من الإبل وأربعين أوقية فضة ، فيطلب مثلها لولده يزيد ، وحين

يعطيه رسول الله ما أراد ، يطلب مثلها أيضا " لولده الثاني معاوية بن أبي سفيان ، فيعطيه الرسول كذلك مائة من الإبل ، وأربعين أوقية فضة ، ثم يعطي رجالا " من بني عبد الدار وبني زهرة وبني مخزوم . وأعطى الأقرع بن حابس التميمي ،

وعيينة بن حصن ، ومالك بن عوف كل منهم مائة من الإبل ، وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل ، فقال في ذلك شعرا " ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إقطعوا لسانه عني ، فأعطوه مائة من الإبل ، وقد أعطي كل ذلك من الخمس ، كما أعطي غيره كثير ( 2 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) كامل الشيبي: التقية : أصولها وتطورها ص 236 - 238 مجلة كلية الآداب - جامعة الإسكندرية - العدد السادس عشر عام 1962 م )
( 2 ) أنظر : الواقدي : كتاب المغازي - تحقيق مارسدن جونسن - الجزء الثالث ص 943 - 949 ( بيروت 1404 ه‍ / 1984 م ) ،
ابن هشام : سيرة النبي صلى الله عليه وسلم 4 / 366 ، محمد بيومي مهران : السيرة النبوية الشريفة 2 / 427 - 433 ( بيروت 1990 م )
عرجون : محمد رسول الله 4 / 390 - 400 ، ابن كثير : السيرة النبوية 3 / 667 - 683 . السيرة الحلبية 3 / 61 - 75 ، 83 - 98 ،
ابن شهبة : السيرة النبوية 2 / 379 - 394 ، ابن الأثير الكامل في التاريخ 2 / 261 - 273 ، تاريخ الطبري 3 / 70 - 94 . ( * )

 

 

 ص 228

ومن عجب أن هؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء الذين تزاحموا على الغنائم واستأثروا بالكثير منها ، لم يغنوا عن الإسلام شيئا " في مآزقه الأولى ، بل كانوا هم العقبات الصلدة التي اعترضت مسيله ، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين

في ثواب الآخرة ، المؤثرين ما عند الله ، ولكنهم اليوم - بعدما أعلنوا إسلامهم - يبغون من النبي أن يفتح لهم خزائن الدنيا ، فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا " لشخصه ، ولو امتلك مل ء هذه الأودية مالا " ، لوزعه عليهم .


ومن عجب أيضا " - بل هو أكثر عجبا " - أن الذين فروا عند الفزع ، هم الذين كثروا عند الطمع ، وأعجب العجب أن أبا سفيان بن حرب ، كان أول من تقدم يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يعطيه من الفئ ، وهو نفسه الذي كان

يصيح فرحا " ، عندما كانت الهزيمة - في أول المعركة - تطل بوجهها القبيح على جيش المسلمين ، والأزلام التي كان يستقسم بها في الجاهلية ، ما تزال في كنانته ، يصيح لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وعندما تكرم رسول الله صلى الله عليه

وسلم بمائة من الإبل ، وبأربعين أوقية من فضة ، لم يشبع ذلك نهمه ، وإنما طلب لابنه يزيد مثلها ، وحين أجيب إلى سؤله طلب مثلها لابنه الآخر معاوية ، وهكذا أخذ أبو سفيان وولداه يومئذ ثلاثمائة من الإبل ، ومائة وعشرين أوقية من الفضة .


وهكذا فإن هناك أقواما " كثيرين ، يقادون - كما يقول الأستاذ الغزالي - إلى الحق ، من بطونهم ، لا من عقولهم ، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم ، تظل تمد إليها فمها ، حتى تدخل حظيرتها آمنة ، فكذلك هذه الأصناف من البشر ، تحتاج إلى فنون من الإغراء ، حتى تستأنس بالإيمان ، وتهش له .


روى مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قال : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال : مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك ، ثم أمر له بعطاء .

 ص 229

فهذا الأعرابي لا يعجبه المنطق السليم ، ولا الطبع الرقيق ، قدر ما يعجبه عطاء بملء جيوبه ، ويسكن مطامعه ، ومن هنا قال صفوان بن أمية : ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعطيني من غنائم حنين ، وهو أبغض الخلق إلي ، حتى ما خلق الله شيئا " أحب إلي منه ( 1 ) .


وهذا العطاء كله - كما يقول ابن قيم الجوزية ( 691 - 751 ه‍ / 1292 - 1350 م ) نفل النبي صلى الله عليه وسلم ، به رؤوس القبائل والعشائر ليتألفهم به وقومهم على الإسلام ، وذلك بهدف تقوية الإسلام وشوكته وأهله ، واستجلاب عدوه إليه .


وهكذا أرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هؤلاء الذين لا يعرفون قدر نعمة الإسلام ، بالشاة والبعير ، كما يعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته ، ويعطى العاقل اللبيب ما يناسبه ( 2 ) .


وفي السيرة الحلبية : كانت المؤلفة ثلاثة أصناف ، صنف يتألفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا ، كصفوان بن أمية ، وصنف ليثبت إسلامهم ، كأبي سفيان بن حرب ، وصنف لدفع شرهم ، كعيينة بن حصن ، والعباس بن مرداس ، والأقرع بن حابس ( 3 ) .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر محمد الغزالي : فقه السيرة - القاهرة 1976 ص 425 - 427 - ( رواه مسلم 7 / 75 ،
والترمذي 2 / 42 ، وأحمد 3 / 401 عن سعيد بن المسيب ) .
( 2 ) ابن قيم الجوزية : زاد المعاد من هدى خير العباد 3 / 484 - 486 ( بيروت 1405 ه‍ / 1985 م ) .
( 3 ) السيرة الحلبية 3 / 85 .  ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب