- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 12 -

الرأي الأول : أهل البيت : أزواج النبي .


روى السيوطي في الدر المنثور أن عكرمة كان يقول عن آية الأحزاب 33 * ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ) * من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .

غير أن هناك من يعترض على ذلك لأسباب كثيرة ، منها :

أولا " : أن الحافظ ابن كثير يقول في تفسيره : إذا كان المراد أنهن سبب النزول فهذا صحيح ، وأما إن أريد أنهن المراد دون غيرهن ، فهذا غير صحيح ( 1 ) .
 

روى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب عن ابن عم له قال : دخلت مع أبي على عائشة رضي الله عنها ، فسألتها عن علي رضي الله عنه ، فقالت رضي الله عنها : تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت

تحته ابنته ، وأحب الناس إليه ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعا عليا " وفاطمة وحسنا " وحسينا " رضي الله عنهم ، فألقى عليهم ثوبا " ، فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا " ، قالت : فدنوت منهم ،

فقلت : يا رسول الله ، وأنا من أهل بيتك ، فقال صلى الله عليه وسلم : تنحي ، فإنك على خير . قال : أخرجه الحافظ البزار والترمذي وابن كثير في تفسيره ( 2 ) .


ثانيا " : أن أهل البيت في آية الأحزاب 33 ( آية التطهير ) ، إنما يراد به أهل بيت النبوة ، المنحصر في بيت واحد ، تسكنه سيدة نساء العالمين ، السيدة فاطمة الزهراء ، عليها السلام ، ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وزوجها الإمام علي رضي

الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وابناهما ، الإمام الحسن والإمام الحسين ، رضي الله عنهما ، وأما بيت الزوجية ، فلم يكن بيتا " واحدا " ، وإنما كان بيوتا " متعددة تسكنها
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير ابن كثير 3 / 769 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1406 ه‍ / 1986 ) .
( 2 ) تفسير ابن كثير 3 / 772 - 773 ( بيروت 1986 ) . ( * )

 

 

 ص 13

زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى : * ( وقرن في بيوتكن ) * ، وفي هذه الآية الأخيرة الخطاب موجه لمن في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، جميعا " .


ثالثا " : ما قيل من أن آية الأحزاب 33 وما بعدها ، إنما جاءت في حق أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فالرد على ذلك ، أن هذا لا ينكر من عادة الفصحاء في كلامهم ، فإنهم يذهبون من خطاب إلى غيره ، ويعودون إليه .


والقرآن الكريم - وكذا كلام العرب وشعرهم - مملوء بذلك ، ذلك لأن الكلام العربي ، إنما يدخله الاستطراد والاعتراض ، وهو تخلل الجملة الأجنبية بين الكلام المنتظم المناسب ، كقول الله تعالى : * ( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون * وإني مرسلة إليهم بهدية ) * ( 1 ) .
 

فقوله : * ( وكذلك يفعلون ) * ، جملة معترضة من جهة الله تعالى ، بين كلام ملكة سبأ .
 

وقول الله تعالى : * ( فلا أقسم بمواقع النجوم * و إنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم ) * ( 2 ) ، أي فلا أقسم بمواقع النجوم ، إنه لقرآن كريم ، وما بينهما اعتراض .
 

ومن ثم فلم لا يجوز أن يكون قول الله تعالى :* ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ) * ( 3 )


جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، على هذا النهج ؟ وعلى أيه حال ، فلا أهمية لمن قال : بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، من أهل البيت ، فلا توجد فرقة من المسلمين تدين بالولاء لإحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوجب الاقتداء بها .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة النمل : آية 34 - 35 . ( 2 ) سورة الواقعة : آية 75 - 77 . ( 3 ) سورة الأحزاب : آية 33 . ( * )

 

 

 ص 14

رابعا " : أنه حتى الذين يجعلون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، من أهل البيت ، وأن آية الأحزاب 33 نزلت فيهن ، إنما يذهبون - في نفس الوقت - إلى أن الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والإمامين - الحسن والحسين - عليهم السلام ، إنما هم أحق بأن يكونوا أهل البيت .


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم ، روى الإمام أحمد والترمذي وغير هما عن أم سلمة : أن هذه الآية ( آية الأحزاب 33 ) لما نزلت : أدار النبي صلى الله عليه وسلم ، كساءه على علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم ، فقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " .


ثم يقول الإمام ابن تيمية : وسنته صلى الله عليه وسلم ، تفسير كتاب الله وتبينه ، وتدل عليه وتعبر عنه ، فلما قال : هؤلاء أهل بيتي ، مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه ، علمنا أن أزواجه - وإن كن من أهل بيته ، كما دل عليه القرآن - ، فإن هؤلاء - أي الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين - أحق بأن يكونوا أهل بيته ، لأن صلة النسب ، أقوى من صلة الصهر ، والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال - لا للاختصاص بأصل الحكم ( 1 ) .


هذا فضلا " عما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة : أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : سارني النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرني أنه يقبض في وجعه ، الذي توفي فيه ، فبكيت ، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه ، فضحكت ( 2 ) .


خامسا " : ما أجاب به زيد بن أرقم في الحديث المشهور ، حين سئل : من أهل بيته ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ فقال : أهل بيته من حرم الصدقة بعده .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن تيمية : رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم - تعليق أبي تراب الظاهري - جدة 1405 ه‍ / 1985 م ص 20 - 21 .
( 2 ) صحيح البخاري 5 / 26 ( دار الجيل - بيروت ) . ( * )

 

 

 ص 15

روى مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم ، قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوما " فينا خطيبا " بماء يدعى خما " بين مكة والمدينة ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال : أما بعد ، ألا أيها الناس ، فإنما أنا بشر

يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين ( 1 ) ، أولهما كتاب الله تعالى ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ، ورغب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في

أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، فقال له حصين ، ومن أهل بيته يا زيد ، أليس نساؤه من أهل بيته ، قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده ، قال : ومن هم ، قال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ، قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ ، قال : نعم ( 2 ) .


وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم ، أنه ذكر الحديث بنحو ما تقدم ، وفيه : فقلنا : من أهل بيته ، نساؤه ؟ قال : لا ، وأيم الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها ، فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله وعصبته ، الذين حرموا الصدقة بعده ( 3 ) .


سادسا " : أن قول الله تعالى : * ( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم . . . ) * . بالميم ، يدل على أن الآية نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، ولو كان الخطاب خاصا " بنساء النبي صلى الله عليه وسلم ، لقال عنكن ويطهركن .


سابعا " : أن تحريم الصدقة على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ليس بطريق الإصالة

  * هامش *  
 

( 1 ) قال الإمام النووي : قوله صلى الله عليه وسلم : ثقلين ، فذكر كتاب الله وأهل بيته ، قال العلماء ، سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما ، وقيل لثقل العمل بهما ( صحيح مسلم 15 / 180 ، وانظر روايات أخرى للحديث الشريف 15 / 179 - 181 ) .

( 2 ) صحيح مسلم 15 / 179 - 180 ) ( دار الكتب العلمية بيروت ( 1401 ه‍ / 1981 م ) .
( 3 ) صحيح مسلم 1 / 181 . ( * )

 

 

 ص 16

- كبني هاشم - وإنما هو تبع لتحريمها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فالصدقة عليهن حلال ، قبل اتصالهن به صلى الله عليه وسلم ، فهن فرع من هذا التحريم . ومن المعروف أن التحريم على المولى فرع التحريم على سيده ، ولما كان

التحريم على بني هاشم أصلا " ، استتبع ذلك مواليهم ، ولما كان التحريم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، تبعا " ، لم يقو ذلك على استتباع مواليهم ، لأنه فرع عن فرع . فقد ثبت في الصحيح أن بريرة تصدق عليها بلحم فأكلته ، ولم يحرمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي مولاة لعائشة رضي الله عنها ( 1 ) .


ثامنا " : ما ذهب إليه صاحب تفسير مجمع البيان من أن ثبوت عصمة المعنيين بالآية 33 من الأحزاب ، إنما يدل على أنها مختصة بهؤلاء الخمسة الكرام البررة ، النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، لأن من عداهم غير مقطوع بعصمته .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن قيم الجوزية ، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام - تحقيق طه يوسف شاهين - القاهرة 1972 ص 122 - 124 .

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب