- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 335 -

ثانيا : يوم وفاة الرسول :

1 - وجهة نظر الأنصار / 2 - وجهة نظر المهاجرين /  3 - وجهه نظر بني هاشم : - وفيهم العباس بن عبد المطلب -
 

يذهب ابن خلدون ( 732 - 808 ه‍ / 1332 - 1406 م ) ( 1 ) : أن الشيعة ظهرت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر ، وأن الخلافة لرجالهم ، دون سواهم من قريش ( 2 ) .
 

هذا ويرجع الدكتور أحمد أمين ( 1887 - 1954 م ) بداية التشيع إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول : بدأ التشيع من فرقة من الصحابة كانوا مخلصين في حبهم للإمام علي ، يرونه أحق بالخلافة لصفات رأوها فيه ، ومن أشهرهم : سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري و المقداد بن الأسود ، وتكاثرت شيعته لما نقم الناس على عثمان في سنوات الأخيرة من خلافته ، ثم لما ولي الخلافة ( 3 ) .


ويقول أبو الحسن الأشعري ( 260 - 324 ه‍ / 874 - 935 م ) : إن أول ما حدث من اختلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، هو اختلافهم في الإمامة ( 4 ) ، ذلك أن المسلمين قد اختلفوا فيمن يتولى أمرهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فظهرت وجهات نظر ثلاث ( 5 ) :


 1 - وجهة نظر الأنصار : وهم أول من آوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصره ، فقد مكث في قومه بضع عشرة سنة فما آمن منهم إلا قليل ، حتى خص الله الأنصار بالفضيلة وآثرهم بالكرامة ، فرزقهم الإيمان ، حتى استقام الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأسياف الأنصار ، ومن ثم فقد اتخذ مدينتهم مكان إقامته ثم دفن فيها ، ولهذا فقد رشحوا سعد بن عبادة الخزرجي ( 6 ) .

  * هامش *  
  ( 1 ) أنظر ( محمد بيومي مهران : التاريخ والتأريخ ص 138 - 150 - الإسكندرية 1992 ) .
( 2 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 364 .
( 3 ) أحمد أمين : ضحى الإسلام 3 / 209 ( القاهرة 1949 ) .
( 4 ) أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين 1 / 39 .
( 5 ) أحمد صبحي : الزيدية ص 7 .
( 6 ) تاريخ الطبري 3 / 220 . ( * )
 

 

 ص 336

وكان الحباب بن المنذر بن الجموح هو المعبر عن وجهه نظرهم ، حيث يقول : يا معشر الأنصار ، إملكوا عليكم أمركم ، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم أنتم أهل العز والثروة ،

وأولو العدد والمنعة والتجربة ، وذو والبأس والنجدة ، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم ، وينتقص عليكم أمركم ، فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم ، فمنا أمير ، ومنهم أمير ( 1 ) .


هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضائل الأنصار ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : لو سلكت الأنصار واديا " أو شعبا " ، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم ( 2 ) ،

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : لولا الهجرة لكنت رجلا " من الأنصار ( 3 ) ،

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ، ولا يبغضهم إلا منافق ، فمن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله ( 4 ) ،

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : آية الإيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار ( 5 ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ( 6 ) .


 2 - وجهة نظر المهاجرين : وهم أول الناس إسلاما " ، و أوسط العرب أنسابا " ، ولن تدين قبائل العرب ، إلا لقريش ، كما دانت لهم في الجاهلية ، فالخلافة في قريش ، وقد عبر عن هذا الرأي أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري 5 / 38 .
( 2 ) صحيح البخاري 5 / 38 .
( 3 ) صحيح البخاري 5 / 40 .

( 4 ) صحيح البخاري 5 / 40 .
( 5 ) صحيح البخاري 5 / 40 .
( 6 ) صحيح مسلم 16 / 67 ، وانظر فضائل أخرى في صحيح مسلم 16 / 67 - 71 .

 

 

 ص 337

وأبو عبيدة بن الجراح ، واحتجوا على الأنصار بأن قريشا " أولى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه منهم ( 1 ) .

وقد رد الفاروق عمر بن الخطاب على الحباب بن المنذر ، فقال : هيهات ، لا يجتمع اثنان في قرن ، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ، ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ، وولي أمورهم منهم ، ولنا بذلك على من أبي من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين ، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، ومتورط في هلكه ( 2 ) .


 3 - وجهه نظر بني هاشم : - وفيهم العباس بن عبد المطلب - عم النبي صلى الله عليه وسلم - وابنا عمه الإمام علي بن أبي طالب والفضل بن العباس ، ومعهم ابن عمته الزبير بن العوام ، وقد ظهرت آراؤهم بعد السقيفة ، وقد رأوا أن

الإمام علي أحق بالخلافة من غيره ، وفي ذلك يقول الفضل بن العباس : يا معشر قريش ، ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها ، وصاحبنا ( أي الإمام علي ) أولى بها منكم ( 3 ) ، هذا إلى أن الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما يؤكد أنه صاحب هذا الأمر ، وأنه لم يستشر ( 4 ) .


هذا وقد اختلف بواعث المؤيدين للإمام علي ، فكان باعث القرابة بالنسبة لذوي قرباه ، كالعباس وولده الفضل ، والزبير ، وربما خالد بن سعيد الأموي ، هذا فضلا " عن كفاءة يرونها في الإمام علي ، وكان باعث الاعتقاد في أفضلية الإمام علي بالنسبة لغيره من الصحابة ، وهؤلاء يراهم جمهور الشيعة ، وبعض

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 123 .
( 2 ) تاريخ الطبري 3 / 220 .
( 3 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 124 .
( 4 ) أنظر : البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 582 ، تاريخ الطبري 3 / 202 ، 208 ، المسعودي : مروج الذهب 1 / 594 . ( * )

 

 

 ص 338

السنة رواد التشيع الأوائل ، وعلى رأسهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد . ويقول خالد بن سعيد الأموي - وكان غائبا " يوم السقيفة - للإمام علي : هلم أبايعك ، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك ( 1 ) ،


وروى المدائني عن أبي زكريا العجلاني عن صالح بن كيسان قال : قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى عليا " وعثمان فقال : أنتما الشعار ، دون الدثار ، أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم

عليكم غيركم ؟ فقال علي : أو غلبة تراها ؟ إنما هو أمر الله يضعه حيث يشاء ، قال : فلم يحتملها عليه أبو بكر ، واضطغنها عمر . . . ولم يبايع خالد أبا بكر إلا بعد ستة أشهر ( 2 ) .


ويقول سلمان الفارسي - حين بويع أبو بكر - كرداذ وناكرداذ ، أي علمتم وما عملتم ، لو بايعوا عليا " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ( 3 ) ، وقد أنشد عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب :

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن
عن أول الناس إيمانا " وسابقة * وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهدا " بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن
( 4 )


ولعل من الأهمية بمكان التركيز هنا على حقيقة لا ريب فيها ، ذلك أن أصحاب النبي الكبار ، بإيمانهم وتقواهم . - من أمثال الصديق والفاروق وذي النورين والإمام - لا يتنافسون مغنما " من مغانم الدنيا ، مهما عظم ، لا سيما في ذلك الوقت ، حيث كانت فجيعتهم بموت نبيهم ، لا تترك في أنفسهم المفعمة

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 126 .
( 2 ) أنساب الأشراف 2 / 588 . 

( 3 ) أنساب الأشراف 1 / 591 .
( 4 ) محمد أمين غالب الطويل : تاريخ العلويين ص 143 - 144 ( دار الأندلس - بيروت ) .

 

 

 ص 339

بالأسى ، مكانا " لأي من رغبات الحياة الدنيا ، وإنما يرجع استمساك كل منهم بموقفه ، إلى أن كلا " منهم إنما وقف إلى جانب اقتناعه وما اعتقد أنه الحق ، ثم إن الخلافة - وإن كانت في شكلها الخارجي تشكل سلطة سياسية ، ومنصبا " دينيا " - إلا أنها في أفئدتهم ، وفي إدراكهم الحقيقي لها ، لم تكن سوى وظيفة من أسمى وظائف الهداية والقدوة ، وفي مثل هذا ، لا جرم أن يتنافس المتنافسون .


هذا إلى أن وقائع التاريخ وحقائقه ، إنما تؤكد أن الخلفاء الراشدين الأربعة ، لم يكونوا يرون في منصب الخلافة سوى عبء فادح مبهظ ، ولولا أن الهروب منه خيانة لله ورسوله وللمسلمين ، لجعلوا بينهم وبينه بعد المشرقين ، فلا الطموح الشخصي ، ولا الرغبة في النفوذ والسلطان ، كان لأحدهما ، أولهما معا " ، مكان بين دوافع ذلك الخلاف ، الذي ثار حول من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم ، تلك حقيقة لا ريب فيها .


ومن المعروف أن الإمام علي ، وآل البيت الطيبين الطاهرين ، قد انشغلوا - بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم - مباشرة ، بتجهيزه صلى الله عليه وسلم ، وفي هذه الأثناء ، وقبل أن تشيع جنازة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما يزال بعد مسجى في بيته ، وقد أغلق أهله دونه الباب ، حدث أمر جد خطير ، فلقد اجتمع الخزرج بقيادة سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ( 1 ) ، وخف إليهم رجال الأوس ، بغية أن يختاروا من بينهم

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر عن أخبار يوم السقيفة ( تاريخ الطبري 3 / 201 - 207 ، 218 - 223 ،
تاريخ ابن خلدون
2 / 853 - 855 ( القاهرة 1979 ) ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 325 - 332 ،
سيرة ابن هشام
4 / 488 - 492 ، شرح نهج البلاغة 6 / 5 - 45 ( بيروت 1965 ) ،
محمد حسين هيكل : الصديق أبو بكر ص 47 - 71 ( القاهرة 1964 ) ، الفاروق عمر ص 74 - 76 ( القاهرة 1963 ) ،
السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 58 - 70 ( القاهرة 1952 ) ، ابن كثير : البداية والنهاية 6 / 340 - 341 ،
البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 579 - 591 ( القاهرة 1959 ) ،
سليم بن قيس : كتاب سليم بن قيس - أو السقيفة ( المطبعة الحيدرية - النجف ) . الشبلنجي : نور الأبصار ص 53 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 11 - 114 ( بيروت 1983 ) ، أحمد الشامي : الخلفاء الراشدون ص 16 - 38 ( القاهرة 1982 ) . ( * )

 

 

 ص 340

رجلا "، يكون على رأس المسلمين - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلقد اعتقد الأنصار أنهم أولى بهذا الأمر ، بعد أن آوى الإسلام إليهم ، وأذن الله لرسوله بالهجرة إليهم ، ليتخذ مدينتهم موطنا " له ، ومنطلقا " لرسالته ، فأتى الخبر أبا بكر ،

فأسرع معه عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، إلى سقيفة بني ساعدة ، وبعد جدال طال ، ولم يستطل ، انتهى المجتمعون إلى اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين . وكان الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - في تلك

الساعات الرهيبة ، بجوار الجثمان الطاهر ، المسجى في حجرته ، ومن ثم فلم يحضر - هو وكذا بنو هاشم - اجتماع السقيفة ، ولو شهد الإمام علي هذا الاجتماع ، لكان له فيه مقال ، ولربما أخذت الأمور في هذا اليوم المشهود اتجاها " آخر غير

اتجاهها الذي سارت فيه ، خاصة وأن كثيرا " من المصادر تذهب إلى أن الأنصار ، إنما كانوا يفضلون الإمام علي بن أبي طالب ( 1 ) .


على أن الإمام علي سرعان ما بايع الصديق ، حين رأى في عدم بيعته فرقة للمسلمين ، قد يستغلها ضعاف الإيمان ، روي أن أبا سفيان بن حرب - وهو من الطلقاء ، ومن المؤلفة قلوبهم - انتهز الفرصة وعمل على إشعال نار الفتنة بين علي والعباس ، ثم بين بني هاشم وسائر بطون قريش ، يعد قوما " بنصرة بني أمية ، ونصرة قريش من ورائها ، ويوسوس لقوم آخرين بمثل

هذا الوعد ، أو بمثل هذا الوعيد ، وما كان من همه أن ينصف بني هاشم ، ولا أن يؤيد الأنصار ، وإنما أراد الوقيعة التي يخذلهم بها جميعا " ، أملا " في أن يعود له ما كان في الجاهلية .


روى البلاذري بسنده عن محمد بن المنكدر قال : جاء أبو سفيان إلى علي فقال : أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة ، أما والله لئن شئتم لأملأنها عليه خيلا " ورجالا " ، فقال علي : لست أشاء ذلك ، ويحك يا أبا سفيان ، إن المسلمين

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر : تاريخ اليعقوبي 2 / 123 ، شرح نهج البلاغة 6 / 44 - 45 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 325 . ( * )

 

 

 ص 341

نصحة بعضهم لبعض ، وإن ناءت دارهم وأرحامهم ، وإن المنافقين غششة بعضهم لبعض ، وإن قربت ديارهم وأرحامهم ، ولو لا أنا رأينا أبا بكر أهلا " لها ، ما خليناه وإياها . وروى المدائني بسنده عن الحسين عن أبيه : أن أبا سفيان جاء إلى علي ، عليه السلام ، فقال : يا علي ، بايعتم رجلا " من أذل قبيلة في قريش ، أما والله لو شئت لأضر منها عليه من أقطارها ،

ولأملأنها عليه خيلا " ورجالا " ، فقال علي : إنك طال ما غششت الله ورسوله ، والإسلام فلم ينقصه ذلك شيئا " ، إن المؤمنين وإن ناءت ديارهم وأبدانهم ، نصحة بعضهم لبعض ، وإنا قد بايعنا أبا بكر ، وكان والله لها أهلا " ( 1 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى الخلاف الشديد بين العلماء حول الوقت الذي بايع فيه الإمام الصديق ، فهناك اتجاه إلى أن الإمام علي إنما قد بايع أبا بكر الصديق عقب بيعة الناس له مباشرة ، روى الطبري بسنده عن حبيب بن أبي ثابت قال : كان علي في بيته إذ أتي فقيل له : قد جلس أبو بكر للبيعة ، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء ، عجلا " ، كراهية أن يبطئ عنها ، حتى بايعه ، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله ، ولزم مجلسه ( 2 ) .


وروى البيهقي بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة ، وفيهم أبو بكر وعمر ، قال : فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنحن أنصار خليفته ، كما كنا أنصاره ، قال : فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكم ، ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم ، فأخذ بيد أبي بكر

وقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، فبايعه عمر ، وبايعه المهاجرون والأنصار ، وقال : فصعد أبو بكر المنبر ، فنظر في وجوده القوم ، فلم ير الزبير ، قال : فدعا الزبير فجاء ، قال : قلت : ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أردت

  * هامش *  
 

( 1 ) أنساب الأشراف 1 / 588 .                     ( 2 ) تاريخ الطبري 3 / 207 . ( * )

 

 

 ص 342

أن تشق عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله ، فقام فبايعه ، ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا " ، فدعا بعلي بن أبي طالب ، قال : قلت : ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وختنه على ابنته ، أردت أن تشق عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله ، فبايعه ( 1 ) .


على أن هناك وجها " آخر للنظر ، يذهب إلى أن البيعة تمت مباشرة ، غير أنها تمت بإكراه ، فقد روي عن أبي لهيعة عن أبي الأسود قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر ، بغير مشورة ، وغضب علي والزبير ، فدخلا بيت فاطمة ، معهما السلاح ، فجاء عمر في عصابة ، فيهم أسيد بن حضير ، وسلمه بن قريش - وهما من عبد الأشهل - فاقتحما الدار ، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله ، فأخذوا سيفيهما ، فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما ، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا ( 2 ) .


وفي تاريخ الطبري ( 3 ) : وتخلف علي والزبير ، واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى يبايع علي ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فقال عمر : خذوا سيف

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 6 / 341 .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 6 / 47 .

( 3 ) هو الإمام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، المؤرخ المفسر المحدث الفقيه أحد العلماء غزيري الإنتاج في العلوم الإسلامية ، لم يقتصر اهتمامه على التاريخ والتفسير والحديث ، بل تناول النحو والأخلاق والرياضيات والطب ، وكان في أول أمره على مذهب الشافعي ، ثم أسس بعد عودته من مصر مدرسة فقهية نسبت إليه سميت الجريرية ، وإن كانت شهرته إنما تقوم على كتابيه : تاريخ الطبري وتفسير الطبري ، ولد عام 224 أو 225 ه‍ ( 839 م ) وتوفي في بغداد عام 310 ه‍ ( 1923 ) ،

وأهم مصادر ترجمته : الفهرست ص 234 - 235 ، تاريخ بغداد للخطيب 2 / 162 - 169 ، إرشاد الأريب لياقوت 6 / 423 - 462 ( ط لندن ) 18 / 40 - 94 ( ط القاهرة ) ، أنباء الرواة للقفطي 3 / 89 - 90 ، غاية النهاية لابن الجوزي 2 / 106 - 108 ،
تذكرة الحفاظ
للذهبي 2 / 251 - 255 ، المنتظم لابن الجوزي 6 / 170 - 172 ، الذهبي : ميزان الاعتدال 3 / 53 ،
دول الإسلام
1 / 47 ، الوافي بالوفيات للصفدي 2 / 284 - 287 ، لسان الميزان لابن حجر 5 / 100 - 103 ،
البداية والنهاية
لابن كثير 11 / 145 - 147 ، الأعلام للزركلي 6 / 294 ، مهران : التاريخ والتأريخ ص 125 - 134 ) . ( * )

 

 

 ص 343

الزبير ، فاضربوا به الحجر ، قال : فانطلق إليهم عمر ، فجاء بهما تعبا " ، وقال : لتبايعان وأنتما كارهان ، فبايعا ( 1 ) .

وعن الشعبي ( 2 ) قال : قال أبو بكر : يا عمر ، أين خالد بن الوليد ؟ قال : هوذا ، فقال : انطلقا إليهما - يعني عليا " والزبير - فأتيا بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر ، ووقف خالد على الباب من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟ ، قال :

أعددته لأبايع عليا " ، قال : وكان في البيت ناس كثير ، منهم المقداد بن الأسود ، وجمهور كثير من الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب صخرة في البيت فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد ، دونك هذا ، فأمسكه

خالد - وكان مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر رداء " لهما - ثم دخل عمر فقال لعلي : قم فبايع فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده ، وقال : قم ، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه ، كما دفع الزبير ، ثم أمسكهما خالد ، وساقهما عمر ومن معه سوقا "

عنيفا " واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال . ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهن ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على

أهل بيت رسول الله ، والله لا أكلم عمر ، حتى ألقى الله . قال : فلما بايع علي والزبير ، وهدأت تلك الفورة ، مشى إليها أبو بكر بعد ذلك ، فشفع لعمر ، وطلب إليها فرضيت .

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري 3 / 203 .
( 2 ) الشعبي : أبو عمر عامر بن شراحيل الشعبي ، ولد بالكوفة عام 19 ه‍ ( 640 م ) وكان محدثا " وعالما " في الفقه والمغازي ، عارفا " بالشعر ، رواية له ، وعمل قاضيا " لعمر بن عبد العزيز ، وتوفي عام 103 ه‍ ( 721 م ) ،

وأهم مصادر ترجمته ( طبقات ابن سعد 6 / 246 - 256 ( ط بيروت ) ، تاريخ بغداد 12 / 227 - 233 ،
حلية الأولياء
4 / 310 - 338 ، تذكرة الحفاظ للذهبي 79 - 88 ، التهذيب لابن حجر 5 / 65 - 69 ،
الأعلام
للزركلي 4 / 18 - 19 ، معجم المؤلفين لكحالة 5 / 54 ، وفيات الأعيان لابن خلكان 3 / 12 - 16 ) . ( * )

 

 

 ص 344

ير أن رواية أخرى عن داود بن المبارك قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، ونحن راجعون من الحج ، في جماعة ، فسألناه عن مسائل ، وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن ، فإنه سئل عنهما ، فقال : كانت أمنا صديقة ، ابنة نبي مرسل ، وماتت وهي غضبى على قوم ، فنحن غضاب لغضبها ( 1 ) .


وروى ابن الأثير ( 2 ) : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر فأتاهم ، ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فقال

أبو بكر : منا الأمراء ومنكم الوزراء ، ثم قال أبو بكر : رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر وأبا عبيدة أمين هذه الأمة ، فقال عمر : أيكم يطيب نفسا " أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فبايعه عمر ، وبايعه الناس . فقالت

الأنصار - أو بعض الأنصار - لا نبايع إلا عليا " ، وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة ، وقال الزبير : لا أغمد سيفا " حتى يبايع علي ، فقال عمر : خذوا سيفه ، واضربوا به الحجر ، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة .


وقال موسى بن عقبة ( 3 ) في مغازيه عن سعد بن إبراهيم : حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأن محمد بن سلمة كسر سيف الزبير ، ثم خطب أبو بكر ، واعتذر للناس ، ثم بايع علي والزبير ( 4 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 6 / 48 - 49 .
( 2 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 325 .
( 3 ) أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي ، لا نعلم عام مولده ، تلميذ الزهري ، وعاش في المدينة ، وله حلقة في المسجد النبوي ، كان مؤرخا " مهتما " بمغازي الرسول والخلفاء الراشدين ، وتوفي عام 141 ع‍ ( 758 م )
( أنظر : فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي 2 / 84 - 86 ( الرياض 1983 ) . ( 4 ) البداية والنهاية 6 / 341 . ( * )

 

 

 ص 345

على أن هناك رواية ( 1 ) تذهب إلى أن عمر بن الخطاب إنما هدد بحرق بيت الزهراء ، إذا لم يبايع علي ، فلقد روى ابن شبه ، عن رجاله ، قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ، ونفر قليل من المهاجرين ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ، ورجل آخر ، فندر السيف من يده ، فضرب به عمر الحجر فكسره ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقا " عنيفا " ، حتى بايعوا أبا بكر .


وروى الطبري بسنده عن زياد بن كليب قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي ، وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتا " بالسيف ، فعثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه ( 2 ) .


على أن هناك وجها " ثانيا " للنظر ، يذهب إلى أن أبا بكر لما بويع تخلف علي فلم يبايع ، فقيل لأبي بكر : إنه كره إمارتك ، فبعث إليه : أكرهت إمارتي ؟ قال : لا ، ولكن القرآن خشيت أن يزاد فيه ، فحلفت ألا أرتدي رداء حتى أجمعه ، اللهم إلا إلى صلاة الجمعة ، فقال أبو بكر : لقد أحسنت ، قال : فكتبه عليه السلام ، كما أنزل ، بناسخه ومنسوخه ( 3 ) .


وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن السدي عن عبد خير عن علي قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقسمت - أو حلفت - أن لا أضع ردائي عن ظهري، حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضع ردائي عن ظهري حتى جمعت القرآن ( 4 ) .


هذا وقد اتفق الكل على أن الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن غيره كثير يحفظه ، ثم هو أول من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة

  * هامش *  
  ( 1 ) شرح نهج البلاغة 6 / 48 .
( 2 ) تاريخ الطبري 3 / 202 .
( 3 ) شرح نهج البلاغة 6 / 40 .
( 4 ) حلية الأولياء 1 / 67 . ( * )
 

 

 ص 346

أبي بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن ، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن ، لأنه لو كان مجموعا " على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما احتاج أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم .


وفي الواقع ، أننا لو رجعنا إلى كتب القراءات ، وجدنا أئمة القراء يرجعون إليه ، كأبي عمرو بن العلاء ( 689 - 770 م ) ، وعاصم بن أبي النجوم ( المتوفى 127 ه‍ / 745 م ) وغيرهما ، لأنهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه ( 1 ) .


وهناك في العقد الفريد رواية تذهب إلى أن الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر : علي والعباس والزبير وسعد بن عبادة ، فأما علي والعباس فقعدوا في بيت فاطمة ، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا

فقاتلهم ، فأقبل بقبس من النار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم ، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه ، فقال له أبو بكر : أكرهت إمارتي ؟ فقال : لا ، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أحفظ القرآن ، فعليه حبست نفسي ( 2 ) .


على أن هناك وجها " ثالثا " يذهب أصحابه إلى أن الإمام علي لم يبايع الصديق ، إلا بعد موت سيدة نساء العالمين ، فاطمة الزهراء ( 3 ) ، روى البخاري في صحيحه بسنده عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة : أن فاطمة عليها السلام ، بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 1 / 27 - 28 .
( 2 ) العقد الفريد 5 / 13 - 14 .
( 3 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 325 ، 331 ، المسعودي : مروج الذهب 1 / 595 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 1 / 14 ، تاريخ الطبري 3 / 207 - 209 . ( * )

 

 

 ص 347

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم ، في هذا المال ، وإني والله

لا أغير شيئا " من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا " ، فوجدت فاطمة

على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا " ، ولم يؤذن بها أبو بكر ، وصلى عليها . وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر

علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ، ولا يأتينا أحد معك ، كراهية لمحضر عمر ، فقال عمر : لا والله ، لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : وما عساهم أن يفعلوا بي ،

والله لآتينهم ، فدخل عليه أبو بكر ، فتشهد علي ، فقال : إنا قد عرفنا فضلك ، وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيرا " ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا " ، حتى فاضت عينا

أبي بكر . فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده ، لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال ، فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمرا " رأيت رسول الله صلى الله عليه

وسلم يصنعه فيها إلا صنعته ، فقال علي لأبي بكر : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد ، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ، ثم استغفر وتشهد علي ، فعظم حق أبي بكر ، وحدث

أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ، ولا إنكار للذي فضله الله به ، ولكنه نرى لنا في هذا الأمر نصيبا " ، فاستبد علينا ، فوجدنا في أنفسنا ، فسر بذلك المسلمون وقالوا : أصبت ،

 ص 348

وكان المسلمون إلى علي قريبا " ، حين راجع الأمر المعروف ( 1 ) .


ويناقش الدكتور طه حسين كل أوجه القضية فيقول : بقيت مسألتان خلط فيهما الرواة تخليطا " عظيما "، وليس بد من أن نتبين وجه الحق فيهما : فأما الأولى : فبيعة علي لأبي بكر : فالرواة يختلفون فيها أشد الاختلاف ، يقول قوم : إن عليا "بايع أبا بكر

، حين بايعه غيره من المسلمين ، وهؤلاء يختلفون فيما بينهم ، فيزعم بعضهم أن عليا " كان جالسا " في داره وعليه قميص - ليس عليه إزار ، ولا رداء - فجاءه من أنبأه بأن أبا بكر قد جلس للبيعة ، وأن الناس يبايعونه ، فأسرع علي إلى المسجد ،

وأعجله السرع عن أن يتخذ إزاره ورداءه ، ومضى حتى بايع أبا بكر ، ثم جلس وأرسل من جاءه بثوبه فجلله - وواضح ما في هذا من السرف . وآخرون يزعمون أن عليا " أبطأ عن البيعة ، وأبطأ معه الزبير بن العوام ، فأرسل عمر من جاء بهما ،

ثم قال لهما : والله لتبايعا طائعين ، أو لتبايعا كارهين - وواضح كذلك ما في هذا من الكذب . فما كان أبو بكر ليخلي بين عمر ، وبين العنف بعلي ، إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجه فاطمة حية ، وإنما هذا الخبر متكلف ، أريد به إلى

إظهار أن عليا " لو ترك وشأنه ما بايع أبا بكر . وكثير من الرواة يزعمون أن عليا " لم يبايع أبا بكر إلا متأخرا " ، وأن بني هاشم صنعوا صنيعه ، فامتنعوا على أبي بكر ، وخالفوا جماعة المسلمين ، وظلوا على هذا الخلاف ستة أشهر ، حتى إذا توفيت فاطمة رحمها الله بايعوا .


وواضح في هذا من الكذب أيضا " ، فما كان علي وبنو هاشم ليفارقوا جماعة المسلمين ، وليتلبثوا حتى تموت فاطمة ثم يكون إقبالهم على البيعة ، حين رأوا أن الناس قد انصرفوا عنهم ، بعد موت فاطمة .

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري 5 / 177 - 178 . ( * )

 

 

 ص 349

وأيسر العلم - بفضل علي ، رحمه الله ، ونصحه للمسلمين ، وحسن بلائه في الإسلام أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، يمنع من قبول هذه الرواية ، وإنما خلط الرواة بين أمرين مختلفين أشد الاختلاف ، أحدهما بيعة علي لأبي بكر ، والآخر ما كان

من مغاضبة فاطمة لأبي بكر في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد طلبت فاطمة حقها من ميراث أبيها في فدك ، وفي سهمه في خيبر ، فلم يجبها أبو بكر إلى ما طلبت ، لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا نورث ما تركنا صدقة ، فهجرته فاطمة ، ولم تكلمه حتى ماتت .


وكان عليا " جفا أبا بكر لهجران فاطمة له ، والحقيقة أن هذا شئ لا شأن له بالبيعة ، وإنما بايع علي حين بايع الناس في غير إسراع ولا إكراه ، رأى أن كلمة المهاجرين والأنصار قد اجتمعت على أبي بكر ، فلم يخالف عما أجمع عليه المسلمون ،

ولو خالف علي - أو هم بالخلاف - لاستطاع أن يحاج أبا بكر بحجته على الأنصار في سقيفة بني ساعدة ، فقد احتج أبو بكر على الأنصار بأن المهاجرين من قريش هم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وبالأمر من بعده .


ومما لا شك فيه أن عليا " كان أقرب إلى النبي من أبي بكر وعمر ، فهو ابن عمه ، وزوج ابنته ، وأبو سبطيه ، ولكن عليا " لم يفعل ، على ما زعم بعض الرواة ، وما كان في حاجة إلى أن يفعل ، فأبو بكر كان يعرف قرابته حق المعرفة ، كما كان

يعرفها غيره من المسلمين ، وإنما نظر الناس إلى سن أبي بكر ، وفضله وحسن مواساته للنبي صلى الله عليه وسلم ، وللمسلمين ، واختصاص النبي له بمصاحبته في هجرته ، ثم أمره أن يصلي بالناس ، حين ثقل عليه المرض ، فكان الناس

يقولون : اختاره رسول الله لديننا ، فلم لا نختاره لأمر دنيانا . والمهم أن أحدا " لم يخالف على أبي بكر ، لا من بني هاشم ولا من غيرهم ، وكل ما يقال غير هذا إنما تكلفه المتكلفون بآخره ، حين افترق الناس شيعا " وأحزابا " ( 1 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) طه حسين : الشيخان ص 34 - 37 ( القاهرة 1992 ) . ( * )

 

 

 ص 350

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أننا نستطيع من الآراء السابقة أن نستنتج أن هناك اتجاها " بين الصحابة يذهب إلى تفضيل الإمام علي بن أبي طالب على جميع الصحابة ، وأن هذا الاتجاه قد ظهر بمجرد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، وأن هناك دواعي سياسية دعت إلى هذا الاتجاه ، فقد اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة - والإمام علي مشغول بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ، لقبره فبايعوا أبا بكر ، باقتراح من عمر ، وثقل على فارس الإسلام وبطله

أن يمضي الصحابة الأمور دونه ، وثقل على الزهراء ، وعلى شيعة علي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما رأى البعض أحقية علي بالخلافة .


وهكذا بدأت تظهر شيعة للإمام علي ، قال أبان بن تغلب : قلت لجعفر بن محمد ( الصادق ) - جعلت فداك - هل كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنكر على أبي بكر فعله ؟ قال : نعم ، اثنا عشر رجلا " ، من المهاجرين : خالد بن سعيد بن العاص وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي ، ومن الأنصار : أبو الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف ، وخزيمة بن ثابت وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري ( 1 ) .


وفي كتاب العيون والمحاسن أن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي قال - عندما بويع أبو بكر - :

ما كنت أحسب أن الأمر منتقل * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتهم * وأعلم الناس بالآيات والسنن

وآخر الناس عهدا " بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن
ما الذي ردكم عنه فنعلمه * ها إن بيعتكم من أول الفتن

وقال عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي :

  * هامش *  
 

( 1 ) عبد الحليم الجندي : الإمام جعفر الصادق ص 32 - 33 ( القاهرة 1977 ) . ( * )

 

 

 ص 351

وكان ولي الأمر بعد محمد * علي وفي كل المواطن صاحبه
وصي رسول الله حقا " وجاره * وأول من صلى ومن لان جانبه
( 1 )


وكل هذا إنما يدل على أن التشيع بدأ منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وظهر واضحا " يوم وفاته ، وإن لم يستطع أن يقوم بدور في الأحداث التي جرت وقت ذاك ، وعلى أية حال ، فما أن بويع الصديق بالخلافة حتى شعر حزب الإمام علي بن لصرف الحق عن أهله .


غير أنهم سرعان ما بدأوا يوجهون الناس نحو الإمام علي ، ويحدثونهم عن فضائله ومكانته عند الله ورسوله ، ويؤكدون حقه في الخلافة ، ويركزون دعايتهم هذه على كتاب الله وسنة نبيه ، وهما أشد وسائل الدعاية تأثيرا " في نفوس المسلمين ، بل الدعاية ، مهما يكن نوعها ، لا تبلغ غايتها إلا عن طريق الدين ، لأنه كان يومذاك أساس الحياة ، بخاصة الحكم والسلطان .


هذا وقد انتشر الشيعة من الأصحاب في الأمصار على أيام الصدق والفاروق وذي النورين ، وكثير منهم تولى الإمارة والمناصب في الحكومات في البلاد الإسلامية ، وكانوا يحدثون الناس عن الإمام علي وفضائله ، وعلى سبيل المثال : كان

سلمان الفارسي - والي المدائن - يحدث الناس ويقول : بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم ، على النصح للمسلمين ، والائتمام بعلي بن أبي طالب ، والموالاة له وقال : إن عند علي علم المنايا والوصايا ، وفصل الخطاب ، وقد قال له رسول الله صلى

الله عليه وسلم : أنت وصيي وخليفتي في أهلي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، ثم يقول : أما والله لو وليتموها عليا " لأكتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ( 2 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 22 - 23 ( ط دار التعارف - بيروت ) .
( 2 ) الشيعة في الميزان ص 26 . ( * )

 

 

 ص 352

هذا وقد نسب إلى سلمان - حين بويع أبو بكر - قوله : يا أيها الناس قدموا من هو أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه ، ومن قدمه النبي في حياته ، وأوصاكم به عند وفاته ، ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا ، وإن عند علي بن أبي طالب علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب ( 1 ) .


وكان أبو ذر الغفاري ينادي - يوم بويع أبو بكر - يا معشر قريش ، تركتم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ليرتد جماعة من العرب ، ولتشكن في هذا الدين ، ولو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيكم ما اختلف عليكم سيفان ، والله لقد صارت لمن غلب ، ولتطمحن إليها عين من ليس من أهلها ، وليسفكن في طلبها دماء كثيرة ، إن عليا " هو الصديق الأكبر . وهو الفاروق - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب الدين ، والمال يعسوب الظلمة ( 2 ) .


وقد وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الإمام علي بذلك ، روى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الله بن أسعد بن زرارة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوحي إلي في علي ثلاث : إنه سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ( 3 ) .


وروى أبو نعيم في حليته بسنده عن الحارث بن حصيرة عن القاسم بن جندب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس اسكب لي وضوءا " ، ثم قام فصلى ركعتين ، ثم قال : يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب ، أمير المؤمنين ، وسيد المسلمين ، وقائد الغر المحجلين ، وخاتم الوصيين ، قال أنس : قلت اللهم اجعله رجلا " من الأنصار وكتمته ، إذ جاء علي فقال : من هذا يا أنس ، فقلت : علي ، فقام مستبشرا " فاعتنقه ، ثم جعل يمسح عرق علي

  * هامش *  
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 99 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 99 .
( 3 ) المستدرك للحاكم 3 / 137 ، وانظر : كنز العمال 6 / 157 ، مجمع الزوائد 9 / 121 ، حلية الأولياء 1 / 66 . ( * )

 

 

 ص 353

بوجهه ، قال علي : يا رسول الله ، لقد رأيتك صنعت شيئا " ما صنعت بي من قبل ، قال : وما يمنعني ، وأنت تؤدي عني وتسمعهم صوتي ، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي ( 1 ) .


وكان أبو ذر ينادي في الناس ، ويقول : عليكم بكتاب الله ، وعلي بن أبي طالب ، وكان يدخل الكعبة ، ويتعلق بحلقة بابها ، ويقول : أنا جندب بن جنادة ، لمن عرفني ، وأنا أبو ذر لمن لم يعرفني ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل سفينة نوح في لجة البحر ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، ألا هل بلغت ؟ وكان أبو ذر يسمي عليا " بأمير المؤمنين في عهود أبي بكر وعمر وعثمان ، وكان يقف في موسم الحج ويقول : يا معشر

الناس أنا صاحب رسول الله ، وسمعته يقول في هذا المكان - وإلا صمت أذناي - علي بن أبي طالب ، الصديق الأكبر ، فيا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها ، لو قدمتم ما قدمه الله ورسوله ، وأخرتم من أخره الله ورسوله ، لما عال ولي الله ولا طاش سهم في سبيل الله ، ولا اختلفت الأمة بعد نبيها ( 2 ) .


وقال عمار بن ياسر - يوم بويع أبو بكر - يا معشر قريش ، ويا معشر المسلمين ، إن أهل بيت نبيكم أولى به - أي النبي - وأحق بأثره ، وأقوم بأمور الدين ، وأحفظ لملته ، وأنصح لأمته ، فردوا الحق إلى أهله ، قبل أن يضطرب حبلكم ، ويضعف أمركم ، ويظهر شتاتكم ، تعظم الفتنة بكم ، ويطمع فيكم عدوكم ، فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم ، وعلي أقرب إلى نبيكم ، وهو من بينكم وليكم بعهد الله ورسوله ( 3 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) حلية الأولياء 1 / 63 - 64 .
( 2 ) الشيعة في الميزان ص 26 .
( 3 ) نفس المرجع السابق ص 100 . ( * )

 

 

 ص 354

وهكذا قام هؤلاء الأصحاب بدور رئيسي - مع غيرهم من محبي الإمام علي - في بث التشيع على أيام الخلفاء الثلاثة - أبي بكر وعمر وعثمان - وغرس جذوره وبذوره في كل أرض وطأتها أقدامهم ، دعوا إلى التشيع على صعيد القرآن والحديث ، وبذكاء ومرونة وطول أناة ، وكانوا محل التعظيم والثقة عند الناس لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا

تجاوبت معهم عقول الكثيرين وقلوبهم ، وكان لأقوالهم أثرها البالغ ، ونتائجها البعيدة ، ورغم أن بعضهم تعرض للشتم والتشريد والضرب - كأبي ذر وعمار - فقد استمروا في بث الدعوة بصبر وشجاعة ( 1 ) .


هذا ويذهب الشيخ أبو زهرة إلى أن نشأة الشيعة إنما كانت ابتداء في مصر ، وكان ذلك على أيام عثمان ، إذ وجد الدعاة فيها أرضا " خصبة ، ثم عمت بعد ذلك أرض العراق ( 2 ) .


وفي أعيان الشيعة : أن عثمان أرسل رجلا " يتحرون العمال ، ومنهم عمار بن ياسر ، الذي أرسله إلى مصر ، فعاد هؤلاء الرجال يمتدحون الولاة ، إلا عمارا " ، استبطأه الناس ، حتى ظنوا أنه اغتيل ، فلم يفاجئهم إلا كتاب من عبد الله بن أبي السرح ( 3 ) - والي مصر - يخبرهم أن عمارا " قد استمال القوم

  * هامش *  
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 28 .
( 2 ) محمد أبو زهرة : الإمام زيد ص 107 .

( 3 ) عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، من قريش الظواهر ، وليس من قريش البطاح ، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ، أرضعته أم عثمان ، أسلم قبل الفتح ، وهاجر إلى المدينة ، وكتب الوحي لرسول الله ، ثم ارتد مشركا " ، وعاد إلى مكة يحدث قريشا " الكذب على

رسول الله ، ويقول : كنت أصرف محمدا " حيث أريد ، كان يملي علي عزيز حكيم فأقول أو عليم حكيم ، فيقول : نعم كل صواب ، فافتتن وقال : ما يدري محمد ما يقول : إني لأكتب ما شئت ، هذا الذي يوحي إلي ، كما يوحي إلى محمد ، ثم خرج هاربا " إلى مكة مرتدا " ،

وفيه نزلت آية الأنعام ( 93 ) ، وفي فتح مكة أهدر النبي دمه فقال : من أخذ ابن أبي سرح فليضرب عنقه حيثما وجده ، وإن كان متعلقا " بأستار الكعبة فاختبأ عند عثمان الذي جاء به وطلب من النبي مبايعته ، كل ذلك يأبى ، فبايعه بعد ثلاث ، ثم قال لأصحابه : أما كان فيكم

رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ، قالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك ، قال : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون خائنة الأعين وفي عهد عثمان عين واليا " على مصر عام 25 ه‍ ، بدلا " من =>

 

 

 ص 355

بمصر ، وقد انقطعوا إليه ، فكان تصريح عمار بالحق سببا " في اعتداء غلمان عثمان عليه ، فضربوه حتى انفتق له في بطنه فتق ، وكسروا ضلعا " من أضلاعه ( 1 ) .


وهكذا - كما يقول الأستاذ مغنية - كان الصفوة الخلص من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، أجهزة الدعاية للتشيع ، يوجد حيثما يوجدون ، وينبت حيث يحلون ، وسلاحهم الوحيد كتاب الله وسنة نبيه ، ابتدأ التشيع في مصر بسبب عمار ،

وفي الشام وتوابعها - كجبل عامل - بسبب أبي ذر ، حيث نفاه عثمان إلى هناك ، وفي المدائن بسبب سلمان الفارسي ، وفي الحجاز بسبب هؤلاء أنفسهم ، وآخرين مثل حذيفة بن اليمان ( 2 ) - صاحب رسول الله - وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وأبي بن كعب ، ومن إليهم .


وقد أورد صاحب الكشكول فيما جرى على آل الرسول أسماء أكثر من مائة صحابي ، كانوا يتشيعون للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - ويحفظون الأحاديث التي كانوا قد سمعوها من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في الولاية ، وينشرونها في الأمصار الإسلامية ، الأمر الذي يشير بوضوح إلى عدم صحة دعوة من يرون أن سبب التشيع إنما هو الفرس وابن سبأ ، وأن ذلك مجرد افتراء ( 3 ) .
 

  * هامش *  
 

=> عمرو بن العاص الذي بدا يطعن في عثمان بسبب عزله ، ومات عبد الله عام 36 ه‍ أو 37 ، وقيل بقي إلى أيام معاوية فمات عام 59 ه‍ ، ( أنظر : أسد الغابة 2 / 259 - 261 ، ابن كثير : السيرة النبوية 3 / 565 - 566 ، سيرة ابن هشام 4 / 311 - 312 ،
تفسير الطبري
11 / 533 - 535 ، تفسير القرطبي ص 2475 - 2477 ، تفسير النسفي 2 / 23 ، تفسير الظلال 6 / 1149 ،
الإصابة
2 / 316 - 318 ، الإستيعاب 2 / 375 - 378 ،مهران السيرة النبوية الشريفة 2 / 397 - 398 ،السيرة الحلبية 3 / 36 - 37 )

( 1 ) أعيان الشيعة 42 / 213 ( ط 1958 ) .
( 2 ) أنظر عن مصادر ترجمة حذيفة بن اليمان ( الإصابة 1 / 317 - 318 ، الإستيعاب 1 / 277 - 278 ، أسد الغابة 1 / 468 - 470 ، حلية الأولياء 1 / 270 - 283 ، البخاري 5 / 49 ، ابن حنبل : كتاب الزهد ص 179 - 180 ، مروج الذهب للمسعودي 1 / 671 ) .
( 3 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 29 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب