- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص356 -

ثالثا " : منذ قصة الشورى


روى الماوردي بسنده عن الزهري عن ابن عباس قال : وجدت عمر ذات يوم مكروبا " ، فقال : ما أدري ما أصنع في هذا الأمر ؟ أقوم فيه وأقعد ؟ فقلت : هل لك في علي ، فقال : إنه لها لأهل ، ولكنه رجل فيه دعابة ، وإني لأراه لو تولى أمركم

لحملكم على طريقة من الحق تعرفونها ، قال قلت : فأين أنت عن عثمان ؟ فقال : لو فعلت لحمل ابن أبي معيط على رقاب الناس ، ثم لم تلتفت إليه العرب حتى تضرب عنقه ، والله لو فعلت لفعل ، ولو فعل لفعلوا ، قال : فقلت فطلحة ؟ قال : إنه

لزهو ، ما كان الله ليوليه أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، مع ما يعلم من زهوه ، قال فقلت فالزبير ؟ قال : إنه لبطل ، ولكنه يسأل عن الصاع والمد بالبقيع بالسوق ، أفذاك يلي أمر المسلمين ؟ قال فقلت سعد بن أبي وقاص ؟ قال : ليس هناك ،

إنه لصاحب مقثب يقاتل عليه ، فأما ولي أمر فلا ، قال فقلت فعبد الرحمن بن عوف ؟ قال : نعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف ، إنه والله لا يصلح لهذا الأمر يا ابن عباس ، إلا القوي في غير عنف ، اللين من غير ضعف ، والممسك من غير بخل ، والجواد في غير إسراف ( 1 ) .


وروى اليعقوبي عن ابن عباس قال : طرقني عمر بن الخطاب بعد هدأة من الليل فقال : أخرج بنا نحرس نواحي المدينة ، فخرج وعلى عنقه درته - حافيا " ، حتى أتى بقيع الغرقد ، فاستلقى على ظهره ، وجعل يضرب أخمص قدميه بيده ، وتأوه صعدا " فقلت له : يا أمير المؤمنين : ما أخرجك إلى هذا الأمر ؟ قال : أمر الله يا ابن عباس ، قال : إن شئت أخبرك بما في نفسك ، قال : غص غواص إن كنت لتقول فتحسن ، قال : ذكرت هذا الأمر بعينه ، وإلى من تصيره ، قال :

  * هامش *  
 

( 1 ) أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 11 - 12 ( بيروت 1982 ) . ( * )

 

 

 ص 357

صدقت ، قال : فقلت له : أين أنت من عبد الرحمن بن عوف ؟ فقال : ذاك رجل ممسك ، وهذا الأمر لا يصح إلا لمعط في غير سرف ، ومانع في غير إقتار ، قال : فقلت : سعد بن أبي وقاص ؟ قال: مؤمن ضعيف ، قال فقلت : طلحة بن عبيد الله ؟

قال : ذاك رجل يناول للشرف والمديح ، يعطي ماله حتى يصل إلى مال غيره ، وفيه بأو وكبر . قال فقلت: فالزبير بن العوام ، فهو فارس الإسلام ؟ قال : ذاك يوم إنسان ويوم شيطان ، وعفة نفس ، إن كان ليكادح على المكيلة من بكرة إلى الظهر ،

حتى تفوته الصلاة ، قال فقلت : عثمان بن عفان ؟ قال : إن ولي حمل ابن أبي معيط وبني أمية على رقاب الناس ، وأعطاهم مال الله ، ولئن ولي ليفعلن والله ، ولئن فعل لتسيرن العرب إليه حتى تقتله في بيته ، ثم سكت . قال : فقال : امضها يا ابن

عباس ، أترى صاحبكم لها موضعا " ؟ قال فقلت : وأين يبتعد من ذلك ، مع فضله وسابقته وقرابته وعلمه ؟ قال : هو والله ، كما ذكرت ، ولو وليهم تحملهم على منهج الطريق فأخذ المحجة الواضحة ، إلا أن فيه خصالا " : الدعابة في المجلس ،

واستبداد الرأي ، والتبكيت للناس - مع حداثة السن - ( يعني علي بن أبي طالب ) . قال قلت: يا أمير المؤمنين ،هلا استحدثتم سنه يوم الخندق ، إذ خرج عمرو بن عبد ود ، وقد كعم عنه الأبطال ، وتأخرت عنه الأشياع ، ويوم بدر ، إذ كان يقط

الأقران قطا " ، ولا سبقتموه بالإسلام ، إذ كان جعلته السعب وقريش يستوفيكم ؟ . فقال : إليك عني يا ابن عباس ، أتريد أن تفعل بي ، كما فعل أبوك وعلي بأبي بكر ، يوم دخلا عليه ؟ قال : فكرهت أن أغضبه فسكت ، فقال : والله يا ابن عباس ، إن عليا " ابن عمك لأحق الناس بها ، ولكن قريشا " لا تحتمله ، ولئن

 ص 358

وليهم ليأخذنهم بمر الحق ، لا يجدون عنده رخصة ، ولئن فعل لينكثن بيعته ، ثم ليتحاربن ( 1 ) .


وروى ابن سعد عن الواقدي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال : قال عمر : لا أدري ما أصنع بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وذلك قبل أن يطعن ، فقلت : ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم ؟ قال : أصحابكم ؟

يعني عليا " ، قلت : نعم ، هو لها أهل ، في قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصهره وسابقته وبلائه ، قال : إن فيه بطالة وفكاهة ، فقلت ، أين أنت من طلحة ، قال : فأين الزهو والنخوة ، قلت : عبد الرحمن ؟ قال : هو رجل صالح ،

على ضعف فيه ، قلت : فسعد ؟ قال : ذاك صاحب مقنب وقتال ، لا يقوم بقربة لو حمل أمرها ، قلت : فالزبير ؟ قال : وعقة لقس ، مؤمن الرضا ، كافر الغضب ، شحيح ، وأن هذا الأمر لا يصلح ، إلا لقوي في غير عنف ، رفيق في غير ضعف ،

وجود في غير سرف ، قلت: فأين أنت عن عثمان ؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ، ولو فعلها لقتلوه .


وروى الطبري وابن الأثير : أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال له من حوله ( لما طعن ) استخلف ، قال : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني ، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني ، ولن يضيع الله دينه ، فخرجوا ثم

راحوا فقالوا : يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا " ، فقال : قد كنت قد أجمعت بعد مقالتي أن أنظر ، فأولي رجلا " أمركم ، هو أحراكم أن يحملكم على الحق ، وأشار إلى علي ، فرهقتني غشية ، فرأيت رجلا " دخل جنة فجعل يقطف كل غضة

ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته ، فعلمت أن الله غالب على أمره ، فما أردت أن أتحملها حيا " وميتا " ، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح المعروف باليعقوبي تاريخ اليعقوبي 2 / 158 - 159 ( بيروت 1980 ) . ( * )

 

 

 ص 359

إنهم من أهل الجنة ، وهم علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ، فليختاروا منهم رجلا " ، فإذا ولوا واليا " فأحسنوا مؤازرته وأعينوه ( 1 ) .


ويقول ابن شهاب الزهري في المغازي : يروى أن عمر بن الخطاب قال لأحد من الأنصار : من ترى الناس يقولون يكون الخليفة بعدي ، قال : فعد رجلا " من المهاجرين ، ولم يسم عليا " ، فقال عمر : فما لهم من أبي الحسن ، فوالله إنه لأحراهم - إن كان عليهم - أن يقيمهم على طريقة من الحق .


ويروى عن عمرو بن ميمون الأزدي أنه قال : كنت عند عمر بن الخطاب ، حين ولى الستة ، فلما جاوزوا أتبعهم ببصره ، ثم فال : لئن ولوها الأجيلح ( الأجيلح : من انحسر شعره من جانبي رأسه ) ليركبن بهم الطريق ، يعني عليا " ( 2 ) .


وقال الماوردي : حكى ابن إسحاق أن عمر ، رضي الله عنه ، لما دخل منزله مجروحا " ، سمع هدة فقال : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريدون الدخول عليك ، فأذن لهم ، فقالوا : إعهد يا أمير المؤمنين ، استخلف علينا عثمان ، فقال : كيف يحب المال

والجنة ، فخرجوا من عنده ، ثم سمع لهم هدة ، فقال : ما شأن الناس ؟ قالوا : يريدون الدخول عليك ، فأذن لهم ، فقالوا : استخلف علينا علي بن أبي طالب ، قال : إذن يحملكم على طريقة هي الحق ، قال عبد الله بن عمر : فاتكأت عليه عند ذلك ،

وقلت : يا أمير المؤمنين ، وما يمنعك منه ؟ فقال : يا بني أتحملها حيا " ميتا " . وفي شرح نهج البلاغة : وأما أنت يا علي : فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم ، فقام علي موليا " يخرج ، فقال عمر : والله إني لأعلم مكان

  * هامش *  
 

( 1 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 65 - 66 ، وانظر : تاريخ الطبري 4 / 228 .
( 2 ) محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي طالب 1 / 166 ( بيروت 1990 ) . ( * )

 

 

 ص 360

رجل ، لو وليتموه أمركم ، لحملكم على المحجة البيضاء ، قالوا : من هو ؟ قال : هذا المولي من بينكم ، قالوا : فما يمنعك من ذلك ؟ قال : ليس إلى ذلك سبيل . وفي خبر آخر ، رواه البلاذري في تاريخه : أن عمر لما خرج أهل الشورى من عنده ، قال : إن ولوها الأجلح ، سلك بهم الطريق ، فقال عبد الله بن عمر : فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين ، قال : أكره أن أتحملها حيا " وميتا " ( 1 ) .


وعلى أية حال ، فإن رأي عمر في الإمام علي ، إنما سبقه إليه سيد الأولين والآخرين ، سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : إن تؤمروا عليا " - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هاديا " مهديا " ، يأخذ بكم الصراط المستقيم ( 2 ) .


هذا وقد روى الطبري وابن الأثير ( 3 ) وغيرهما : أن العباس - شيخ بني هاشم - قال لعلي ، عندما خرجوا من عند عمر أول مرة ، لا تدخل معهم ، قال علي : إني أكره الخلاف ، قال العباس : إذن ترى ما تكره . فلما كانت المقابلة الأخيرة ، قال

الإمام علي - لقوم كانوا معه من بني هاشم - إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا " ، وتلقاه العباس ، فقال علي : عدلت عنا ، قال العباس : وما علمك ، قال علي : قرن بي عثمان ، وقال ( أي عمر ) كونوا مع الأكثر ، فإن رضي رجلان رجلا " ،

ورجلان رجلا " ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر عثمان ( فهو زوج أخته أم كلثوم بنت عقبة ، أخت الوليد بن عقبة وعثمان لأمه ) لا يختلفون ، فيوليها عبد الرحمن عثمان ،

أو يوليها عثمان عبد الرحمان ، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني ، بله إني لا أرجو إلا أحدهما ( لعله يعني الزبير ، فقد كان حتى الآن مع بني هاشم أخواله ، لم يغيره ولده عبد الله ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) الماوردي : المرجع السابق ص 13 ، شرح نهج البلاغة 12 / 259 - 260 ( بيروت 1979 ) .
( 2 ) أسد الغابة 4 / 112 ، مسند الإمام أحمد 1 / 108 - 109 ، حلية الأولياء 1 / 64 .
( 3 ) تاريخ الطبري 4 / 228 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 63 . ( * )

 

 

 ص 361

فقال له العباس : لم أرفعك في شئ ، إلا رجعت إلي مستأخرا " بما أكره ، أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن تسأله فيمن هذا الأمر ، فأبيت ، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ، ألا تدخل معه فأبيت ، أحفظ عني

واحدة ، كلما عرض عليك القوم فقل : لا ، إلا أن يولوك ، واحذر هؤلاء الرهط ، فإنهم لا يبرحون يبعدوننا عن هذا الأمر ، حتى يقوم لنا به غيرنا ، وأيم الله لا تناله إلا بشر ، لا ينفع معه خير ، فقال على : أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى ، ولئن مات ليتداولنها بينهم ، ولئن فعلوا لتجدني حيث يكرهون ( 1 ) .


وجمع المقداد بن عمرو أهل الشورى - في بيت المال أو بيت المسور بن مخرمة أو في حجرة عائشة أو في بيت فاطمة أخت الضحاك بن قيس ، على اختلاف في الآراء - وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ، فحصد بهما سعد ، وقال :

تريدان أن تقولا : حضرنا وكنا في الشورى ، وتكلم عثمان - وكان أكبرهم سنا " ، فقد كان في التاسعة والسبعين - ثم تكلم الزبير ثم سعد ، ثم تكلم الإمام علي - وكان أصغرهم سنا " ، بعد الأربعين بعام أو عامين - فقال : الحمد لله الذي بعث

محمدا " منا نبيا " ، وبعثه إلينا رسولا " ، فنحن بيت النبوة ، ومعدن الحكمة ، وأمان أهل الأرض ، ونجاة لمن طلب ، لنا حق ، إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ، ولو طال السرى ، لو عهد إلينا رسول الله عهدا " لأنفذنا عهده ،

ولو قال لنا قولا " لجادلنا عليه حتى نموت ، لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق ، وصلة رحم ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، اسمعوا كلامي ، وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر ، بعد هذا المجمع تنتضي فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتى تكونوا جماعة ، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلال ، وشيعة لأهل الجهالة ( 1 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري 4 / 229 - 230 ، الكامل لابن الأثير 3 / 67 - 68 .
( 2 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 73 . ( * )

 

 

 ص 362

وبعد أن انتهوا جميعا " من كلامهم ، قال عبد الرحمن بن عوف : أيكم يطيب نفسا " أن يخرج نفسه من هذا الأمر ، ويوليه غيره ، فأمسكوا عنه ولم يجبه أحد ، فقال : أنا أنخلع منها ، فقال عثمان : أنا أول من رضي ، فقالوا : رضينا ، ولم يقل

الإمام علي شيئا " ، فظل يفكر فيما عسى أن يصنعه عبد الرحمن ، فهو صهر عثمان ، وابن عم سعد ، أيؤثر أحدهما ؟ فقال عبد الرحمن : ما تقول يا أبا الحسن ، فقال علي : أعطني موثقا " لتؤثرن الحق ، ولا تخص ذا رحم ، ولا تألو الأمة نصحا"

، قال عبد الرحمن : أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدل وغير ، وأن ترضوا من اخترت لكم ، وعلى ميثاق الله ألا أخص ذا رحم لرحمه ، ولا آلو الأمة نصحا " ، وأعطاهم موثقا " ، وأعطوه موثقا " . واختلى عبد الرحمن بالإمام

علي ثم بعثمان ، وبين لكل منهما حقه ، ثم قال لكل منهما : إذا صرف عنك هذا الأمر ، من تراه أحق به ؟ فأجاب علي : عثمان ، وأجاب عثمان : علي ، ثم قال الإمام علي لسعد بن أبي وقاص : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وأسألك

برحم بني هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورحم عمي حمزة ( وهو خال سعد )، ألا تكون مع عبد الرحمن ظهيرا " لعثمان علي . ومضى عبد الرحمن إلى رؤساء الجند ، وأشراف الناس يشاورهم ، حتى إذا ما كانت الليلة التي في صبيحتها

يستكمل الأجل المضروب - وهو ثلاثة أيام - أتى إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة في آخر الليل ، فأيقظه وقال له : انطلق فادع الزبير وسعدا " ، فلما حضرا حاول أن يقنعهما بالبيعة لعثمان ، وطبقا " لرواية الطبري قال لسعد : أنت وأنا

كلالة ، فاجعل نصيبك لي فأختار ، قال : إن اخترت نفسك فنعم ، وإن اخترت عثمان ، فعلي أحب إلي ، وأما الزبير فقال : نصيبي لعلي ، ثم دعا عبد الرحمن عليا " وعثمان ، وانصرف علي - كرم الله وجهه في الجنة - وهو لا يشك أنه صاحب الأمر . فلما صلى الصبح بهم صهيب جمع عبد الرحمن أهل الشورى الخمسة

 ص 363

- وكان طلحة ما زال غائبا " لم يحضر بعد - كما بعث إلى المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار ، حتى امتلأ بهم المسجد ، ثم قال : أيها الناس ، إن الناس قد أحبوا أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم ، وقد عرفوا من إمامهم ، فأشيروا

علي . فقال عمار بن ياسر : إذا أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا " ، فقال المقداد : صدق عمار ، إن بايعت عليا " قلنا : سمعا " وطاعة ، فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح ( أخو عثمان من الرضاعة ، ووالي مصر في عهد عثمان ) : إذا أردت

ألا تختلف قريش فبايع عثمان ، فقال عمار بن ياسر ، لعبد الله بن سعد بن أبي سرح : متى كنت تنصح المسلمين ، وتكلم بنو هاشم وبنو أمية ، وأوشكت أن تحدث بينهما شحناء . فقال عمار : أيها الناس ، إن الله أكرمنا بنبيه ، وأعزنا بدينه ، فأنى

تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ، فقام رجل من بني مخزوم فقال : لقد عدوت طورك يا ابن سمية ، وما أنت و تأمير قريش لنفسها ، وأوشكت النعرات الجاهلية أن تثور بين القوم ، فقال سعد : يا عبد الرحمن ، أفرغ قبل أن يفتتن الناس .

فارتقى عبد الرحمن المنبر وقال : أيها الناس ، إني سألتكم سرا " وجهرا " ، من إمامكم ؟ فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين - علي وعثمان - فدعا عليا " وقال له : عليك عهد الله و ميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسول الله ، وسيرة الخليفتين

بعده ، قال : أرجو أن أفعل ، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي ، ودعا عثمان فقال : له مثل ما قال لعلي ، فقال : نعم ، فبايعه ، ودعا الناس إلى بيعته . فقال علي : ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علي ، فصبر جميل ، والله المستعان على ما تصفون ، أما و الله ما وليت عثمان ، إلا ليرد الأمر إليك ( 1 ) ،

  * هامش *  
 

( 1 ) روي أن عثمان اعتل علة ، فدعا حمران بن أبان ، وكتب عهدا " لمن بعده ، وترك موضع الاسم ، ثم كتبه بيده عبد الرحمن بن عوف ، وربطه وبعثه إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان ، فقرأه حمران في الطريق ، فأتى عبد الرحمن فأخبره ، فقال عبد الرحمن - وقد غضب غضبا " شديدا " - استعملته علانية ويستعملني سرا " ، وانتشر الخبر في المدينة ، وغضب بنو أمية ، فدعا عثمان بمولاه حمران ، فضربه مائة سوط ، وسيره إلى البصرة ، فكان ذلك سبب العداوة بين عبد الرحمن وعثمان ( تاريخ اليعقوبي 2 / 169 ) . ( * )

 

 

 ص 364

والله كل يوم هو في شأن ، فقال عبد الرحمن : يا علي ، لا تجعل على نفسك سبيلا " ، فإن نظرت وشاورت الناس ، فإذا هم لا يعدلون بعثمان ، فقال علي : سيبلغ الكتاب أجله .


وروى ابن الأثير بسنده عن أبي بكر عن عياش عن عاصم عن أبي وائل قال : قلت لعبد الرحمن بن عوف : كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا " ؟ فقال : ما ذنبي ؟ قد بدأت بعلي فقلت : أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر ، قال فقال :

فيما استطعت ، قال : ثم عرضتها على عثمان فقبلها ( رواه ابن حنبل في مسنده 1 / 57 ) . وقال المقداد : أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق ، وبه يعدلون : فقال : يا مقداد : والله لقد اجتهدت للمسلمين ، قال : إن كنت أردت بذلك الله ، فأثابك الله ثواب المحسنين .


وروى اليعقوبي في تاريخه : ومال قوم مع علي بن أبي طالب ، وتحاملوا في القول على عثمان ، فروى بعضهم قال : دخلت مسجد رسول الله ، فرأيت رجلا " جاثيا " على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها ، وهو يقول : واعجبا "

لقريش ، ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيهم ، وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله ، أعلم الناس وأفقههم في دين الله ، وأعظمهم عناء في الإسلام ، وأبصرهم بالطريق ، وأهداهم للصراط المستقيم ، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي ، الطاهر

النقي ، وما أرادوا إصلاحا " للأمة ، ولا صوابا " في المذهب ، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة ، فبعدا " وسحقا " للقوم الظالمين ، فدنوت منه فقلت : من أنت يرحمك الله ، ومن هذا الرجل ؟ . فقال : أنا المقداد بن عمرو ، وهذا الرجل ، علي

بن أبي طالب ، قال : فقلت : ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه ؟ فقال : يا ابن أخي ، إن هذا الأمر لا يجري فيه الرجل ولا الرجلان ، ثم خرجت ، فلقيت أبا ذر ، فذكرت له ذلك ،

 ص 365

فقال : صدق أخي المقداد ، ثم آتيت عبد الله بن مسعود ، فذكرت له ذلك ، فقال : لقد أخبرنا فلم نأل . وروي أن الإمام علي قال : إن الناس ينظرون إلى قريش ، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول : إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا " ، وما

كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم . وسرعان ما حدث هرج ومرج ، ورأى الإمام علي أن اختلاف الناس قد يؤدي إلى الفتنة ، فشق الناس حتى بايع ، وهو يقول : خدعة أيما خدعة ، ثم ارتقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : لقد

علمتم أني أحق الناس من غيري ، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور ، إلا علي خاصة ، التماسا " لأجر ذلك وفضله .


وفي أسد الغابة بسنده عن يحيى بن عروة المرادي قال: سمعت عليا " رضي الله عنه يقول : قبض النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا أرى أني أحق بهذا الأمر ، فاجتمع المسلمون على أبي بكر ، فسمعت وأطعت ، ثم إن أبا بكر أصيب ، فظننت أنه لا

يعدلها عني ، فجعلها في عمر ، فسمعت وأطعت ، ثم إن عمر أصيب ، فظننت أنه لا يعدلها عني ، فجعلها في ستة أنا أحدهم ، فولوها عثمان ، فسمعت وأطعت ، ثم إن عثمان قتل ، فجاءوا فبايعوني - طائعين غير مكرهين - ثم خلعوا بيعتي ، فوالله ما

وجدت إلا السيف أو الكفر بما أنزل ، عز وجل ، على محمد صلى الله عليه وسلم . وهكذا بايع الإمام علي الخليفة الجديد - رغم اقتناعه أنه أحق الناس بالخلافة - بل ودعا الناس إلى بيعته ، وخاصة أولئك الذين رأوا في اختيار عثمان ظلما " للإمام

علي ، سواء أكانوا من بني هاشم ، أو من أهل الورع والسابقة في الإسلام - مثل سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وغيرهم من رواد شيعة الإمام - حتى لا يتحول هذا الشعور في أعماقهم إلى مرارة ، وربما إلى نقمة على عثمان ، وحرصا " على أن يطيع الجميع ولي الأمر الجديد ، وأن يكون الإمام علي

 ص 366

لعثمان ، كما كان لأبي بكر وعمر ، كما يكون له في قلوب هؤلاء النفر من أهل السبق والفضل والتقوى ، ما كان لأبي بكر وعمر أيضا " .


وروى الطبري وابن الأثير : أن المغيرة بن شعبة قال لعبد الرحمن بن عوف : يا أبا محمد ، قد أصبت إذا بايعت عثمان ، وقال لعثمان : لو بايع عبد الرحمن غيرك ما رضينا ، فقال عبد الرحمن : كذبت يا أعور ، لو بايعت غيره لبايعته ، ولقلت هذه المقالة ، وعلى أية حال ، فلقد تمت البيعة بحضور طلحة من سفره ، ومبايعته لعثمان ( 1 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى عدة نقاط تتصل بقصة الشورى ، وبيعة عثمان خليفة للمسلمين :

منها ( أولا " ) أن الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، إنما كان يريد اختيار الإمام علي - رضي الله عنه . وكرم الله وجهه في الجنة - لأن الإمام - فيما يرى - أحرى أن يحملهم على الحق ، ولكنه تردد أخيرا " ، حتى لا يتحمل مسؤولية الخلافة حيا "

وميتا " ، ومن ثم فقد لجأ إلى الشورى ، ومع ذلك فإنه يقول - حين أوصى بالشورى - لو ولوها الأحيلج لحملهم على الجادة ، أو إنه أحراهم - إن كان عليهم - أن يقيمهم على طريقة من الحق ، ولعله كان في هذا مقتديا " بقوله صلى الله عليه وسلم :

وإن تؤمروا عليا " - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هاديا " مهديا " ، يأخذ بكم الصراط المستقيم . هذا فضلا " عما يتحلى به الإمام علي - رضوان الله عليه - من فضائل كثيرة ،

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر عن قصة الشورى ( تاريخ الطبري 3 / 227 - 239 ، الكامل لابن الأثير 3 / 65 - 75 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 162 - 163 ، ابن قتيبة : الإمامة والسياسة 1 / 39 - 745 الماوردي : الأحكام السلطانية ص 11 - 13 ، تاريخ ابن خلدون 2 / 993 - 998 ،
شرح نهج البلاغة
1 / 185 - 197 ، ابن كثير : البداية والنهاية 7 / 158 - 161 ، البلاذري : أنساب الأشراف 5 / 16 - 22 ،
ابن دقماق : الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين ص 39 - 40 ، السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 153 - 154 ،
العقاد : ذو النورين - عثمان بن عفان ص 126 - 152 ، ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 26 - 36 أسد الغابة 3 / 592 - 593 ، 4 / 112 ، محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي طالب 1 / 163 - 173 ، شرح نهج البلاغة 12 / 256 - 281 ، طبقات ابن سعد 3 / 41 - 42 ، طه حسين : الفتنة الكبرى - الجزء الأول - عثمان - القاهرة 1984 ص 48 - 49 ، 58 - 64 . ( * )

 

 

 ص 367

سنتعرض لها بالتفصيل فيما بعد ، وهي على أية حال ، فضائل يعرفها له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، على اختلافهم ، ويعرفها له خيار المسلمين من التابعين ، ويؤمن له بها أهل السنة ، كما يؤمن له بها الشيعة ، والدارس للتاريخ -

عن حيدة ونزاهة - إنما يعرف المشكلات والقضايا الكثيرة التي عرضت للإمام علي ، والتي تدل - دونما لبس أو غموض - أن سيدنا ومولانا الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان أهلا " لكل الفضائل التي عرفت عنه ، ولأكثر منها ، وأنه كان أجدر الناس بأن يسير بالمسلمين إلى الصراط المستقيم - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .


ولا ريب في أن الفاروق عمر إنما كان صاحب فراسة صادقة ، وحدس يكاد لا يخطئ ، أو نادرا " ما يخطئ حين أشار بتولية الإمام علي ، فقد كان يراه أشبه الناس به - أو هو أشبه الناس به - في شدته في الحق ، و إذعانه للحق ، وغلظته على الذين ينكرون الحق أو يضيقون به ، ولكن القوم لم يولوا الإمام بعد الفاروق ، حين كانت الدنيا مقبلة ، والنشاط قويا " ، و الإقدام قارحا " ، والبصائر نافذة ، والأمور تجري بالمسلمين على ما أحبوا ، و إنما ولوا خلافتهم عثمان ، فكان من أمرهم معه ، وأمره معهم ما كان .


ومنها ( ثانيا " ) أن أصحاب الشورى الخمسة الذين حضروا مجلس الشورى- وهم علي وعثمان والزبير وسعد وعبد الرحمن - كان ثلاثة منهم مع علي - وهم علي والزبير وسعد - وقد ذكرنا من قبل : أن عبد الرحمن طلب أن يعطيه سعد نصيبه ،

فقال : إن اخترت نفسك فنعم ، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي ، وأن الزبير أعطى نصيبه لعلي ، هذا إذا سلمنا أن عبد الرحمن كان في صف صهره عثمان ، وطبقا " لوصية عمر في الشورى فصاحب الأغلبية هو الخليفة ، وعلي هو صاحب

الأغلبية . ومن ثم فإن هاشم - فضلا " عن شيعة الإمام علي - رأوا فيما فعله عبد الرحمن خدعة لإقصاء الإمام علي وبني هاشم عن الخلافة .

 ص 368

هذا وربما يقول البعض : إن الإمام علي لم يتعهد لعبد الرحمن - كما تعهد عثمان - بأن يعمل بكتاب الله وسنة نبيه ، وسيرة الخليفتين - أبي بكر وعمر - من بعده ، وإنما قال : أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي ، والحق أن جواب الإمام علي

جواب حكيم ، ولا يدل أبدا " على أنه يعدل عنهما ، وإنما يدل على أنه يعمل جهد طاقته ، ولا يقول ذلك في الغالب الأعم ، إلا عالم متواضع ، وليس الإمام علي هو الذي يشك في أنه سيقود السفينة - التي بدأت الأمواج والرياح تأخذ بها من كل جانب - إلى بر الأمان .


على أن الدكتور جمال سرور ، من ناحية أخرى ، إنما يذهب إلى أن طلب عبد الرحمن من الإمام علي ، أن يتعهد بأن يسير بسيرة الخليفتين - أبي بكر وعمر - وهو يعلم أن عليا " لا يرضى أن يتقيد بسياستهما ، إنما أراد أن يحرجه ، ليفسح المجال

لاختيار عثمان ، وسرعان ما تحقق غرضه ، فقد تحرج الإمام علي من أن يعطي هذا العهد خشية أن تضطره الظروف إلى عدم الوفاء به ، وعبر عن رفضه له بقوله : اللهم لا ، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ، وفي رواية : أرجو أن أفعل ،

فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي . ثم دعا عبد الرحمن عثمان ، وقال له مثل ما قال لعلي ، فقال عثمان : اللهم نعم ، فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ، ويده في يد عثمان ، ثم قال : اللهم اسمع واشهد ، إني جعلت ما في رقبتي في رقبة

عثمان ، فازدحم الناس على عثمان يبايعونه . وهكذا كان انتخاب عثمان مصطبغا " بصبغة التحيز للأمويين ، وقد وجدت هذه النتيجة - من أول الأمر - معارضة من الهاشميين ، فضلا " عن أهل الورع والسبق في الإسلام ، مثل سلمان وعمار

وأبي ذر والمقداد وغيرهم من رواد شيعة الإمام ، حتى ذهب البعض إلى أن التشيع إنما بدأ منذ تلك اللحظة . هذا ويذهب الدكتور أحمد صبحي ( 1 ) إلى أن عبد الرحمن بن عوف قد بنى

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد محمود صبحي : الزيدية - الإسكندرية 1980 ص 10 . ( * )

 

 

 ص 369

اختياره على قاعدة غير معروفة في الشرع ، إذ قرن سيرة الشيخين - أبي بكر وعمر - بكتاب الله وسنة رسوله ، شرطا " على كل من علي وعثمان ، ولم يقل أحد من قبل ، ولا من بعد ، أن سيرة الشيخين تقترن بكتاب الله وسنة رسوله في المسائل

السياسية ، وحين أراد الإمام على أن ينبهه إلى ذلك - كتاب الله وسنة رسوله فقط ، وأن أجتهد ، كما اجتهدا - نحاه عبد الرحمن ، ليختار عثمان ، حتى إذا اعترض الإمام علي ، قال عبد الرحمن ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، فأضاف خطأ آخر باستشهاده بالآية الشريفة في غير موضعها ، فضلا " عن أنها لا تقال لمثل الإمام علي .


ومنها ( ثالثا " ) ما ذهب إليه الأستاذ الخطيب ( 1 ) ، من أن انتقال الخلافة من شخص إلى شخص ، ومن بيت إلى بيت ، من شأنه أن يحدث في مشاعر الناس وفي أفكارهم شيئا " جديدا " ، يتولد من نظرتهم لهذا الشخص وتقديرهم له ، وصلتهم

النفسية أو النسبية به وبأهله ، وقد حدث شئ من هذا في خلافة الصديق والفاروق ، فرضي أناس ، وسخط آخرون ، ولكن سرعان ما فاء الساخطون إلى الرضا ، ، فقد كان الناس قريبي عهد بالنبوة ، وأمرهم لم يزل قائما " لحساب الدين وفي ظله ، أكثر من قيامه لحساب العصبية وفي ظلها .


غير أن خلافة ذي النورين - عثمان بن عفان - إنما كان الأمر فيها مختلفا " ، لأسباب ، منها أن الزمن كان قد تراخى قليلا " بعهد النبوة ، فانطلقت النفوس على طبيعتها ، وتحركت النزوات والأطماع التي كان الدين قد اعتقلها زمنا " ،

ومنها أن الصديق أبا بكر والفاروق عمر ، لم يكونا من البيوت المتنازعة على زعامة قريش ، بعكس عثمان - وهو أموي - ومن ثم فقد تحركت العصبية التي كانت قائمة قبل الإسلام بين بني أمية وبني هاشم ، بل لقد ظن الأمويون أن هذه فرصتهم للحاق ببني هاشم ، وأن الخلافة ستعيد إليهم مكانتهم التي كانت لهم

  * هامش *  
 

( 1 ) عبد الكريم الخطيب : علي بن أبي طالب - بقية النبوة وخاتم الخلافة - بيروت 1975 . ( * )

 

 

 ص 370

في الجاهلية ،

روى المسعودي أن أبا سفيان قال - عقب اختيار عثمان خليفة - يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زالت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة ، فانتهره عثمان وساءه ما قال . ونمي هذا القول إلى المهاجرين

والأنصار ، وغير ذلك الكلام ، فقام عمار ابن ياسر في المسجد ، فقال : يا معشر قريش ، أما إذ صرفتم هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم ، ههنا مرة ، وههنا مرة ، فما أنا ينزعه الله منكم ، فيضعه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله ، ووضعتموه في

غير أهله . وقال المقداد : ما رأيت مثل ما أوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : وما أنت وذاك يا مقداد بن عمر ، فقال المقداد : إني والله لأحبهم ، لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم ، وإن الحق معهم وفيهم ،

يا عبد الرحمن ، أعجب من قريش - وإنما تطولهم على الناس بفضل أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعده من أيديهم ، أما وأيم الله يا عبد الرحمن ، لو أجد على قريش أنصارا " لقاتلهم ، كقتالي إياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام ، يوم بدر ( 1 ) .


ومنها أن عثمان كان سخي اليد ، سمح النفس ، قريب الرضا ، بعيد الغضب ، كما كان فيه حياء حي ، يملك عليه أمره ، إنه يلقى أحدا " بما يسوؤه أو يحرجه أو يخزيه ، هذا إلى أنه - كما وصفه الإمام علي - إنه أوصلنا للرحم ، وفي طبقات

ابن سعد عن الزهري قال : لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميرا " ، يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئا " ، وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب ، لأن عمر كان شديدا " عليهم ، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم ، ثم توانى في أمرهم ، واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر ،

  * هامش *  
 

( 1 ) المسعودي : مروج الذهب ومعادن الجوهر 1 / 633 ( بيروت 1982 ) . ( * )

 

 

 ص 371

وكتب لمروان بخمس مصر ، وأعطى أقرباءه المال ، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها ، واتخذ المال ، واستلف من بيت المال . وقال : إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما ، وإني أخذته فقسمته في أقربائي ، فأنكر الناس عليه ،

وعن أم بكر بنت المسور عن أبيها عن أبيها قال : سمعت عثمان يقول : أيها الناس ، إن أبا بكر وعمر كانا يتأولان في هذا المال ظلف أنفسهما وذوي أرحامهما وإني تأولت فيه صلة رحمي ( 1 ) .


ومن عجب أن صلة رحم عثمان بأهله وبره بهم ، إنما كانت من الأسباب التي أدت إلى تغيير مجرى الأحداث ، حتى انتهت بقتله شهيدا " بين يدي كتاب الله ، فلقد استغل بنو أمية أدب ذي النورين في صلة رحمه ، أسوأ استغلال ، فكان عثمان - وهو القانت ذو النورين - يصوم الدهر ، وما يكاد يشبع من طعام ، ثم يمنح أبا سفيان مائتي ألف دينار ( 2 ) ، ويسمح لأعوانه أن يتخذوا

  * هامش *  
 

( 1 ) طبقات ابن سعد 3 / 44 ( دار التحرير - القاهرة 1969 ) .
( 2 ) ليس صحيحا " ما ذهبت إليه بعض المراجع عن غنى أبي سفيان وثروته الطائلة من التجارة على أيام الجاهلية وأول الإسلام ، ودليلنا أن ولده معاوية بن أبي سفيان كان على أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيرا " وربما معدما " ، وقد روى أهل الفقه والحديث والمغازي

وأصحاب الطبقات ما يدل على ذلك في قصة فاطمة بنت قيس ، حيث روى الأئمة مالك ومسلم وأبو داود وابن قيم الجوزية وابن سعد وابن الأثير وابن حجر العسقلاني ، واللفظ هنا للإمام مالك ، حيث يروي في الموطأ ( باب ما جاء في نفقة المطلقة ) بسنده عن أبي سلمة بن

عبد الرحمن بن عوف ، عن فاطمة بنت قيس : أن أبا عمر بن حفص طلقها البتة - وهو غائب بالشام - فأرسل إليها وكيلة بشعير فسخطته ، فقال : والله ما لك علينا من شئ ، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فقال : ليس لك عليه نفقة ، وأمرها أن

تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتد عند عبد الله بن أم مكتوم ، فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك عنده ، فإذا حللت فأذنيني ، قالت : فلما حللت ذكرت له : أن معاوية بن أبي سفيان ، وأبا جهم بن هشام ، خطباني ، فقال رسول الله صلى الله عليه

وسلم : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية فصعلوك ، لا مال له ، انكحي أسامة بن زيد ، فنكحته ، فجعل الله في ذلك خيرا " ، واغتبطت به ( الموطأ ص 358 - 359 ، صحيح مسلم 10 / 94 - 98 ، سنن أبي داود 1 / 531 - 532 ،
ابن الأثير : أسد الغابة 7 / 230 ، ابن حجر : الإصابة في معرفة الصحابة 3 / 497 - 498 ،
ابن قيم الجوزية : زاد المعاد 5 / 185 - 186 ، ابن سعد : الطبقات الكبرى 8 / 200 . =>

 

 

 ص 372

القصور والضياع ، ويلبسوا الديباج ، وهو بعد يبيحهم من ألوان الترف والمتاع كل ما حرمه عليهم أبو بكر وعمر ، واستهجنه علي . وكان عثمان قد أخذ نفسه بورع الخلافة والإمامة والسنة الشريفة ، ولكن عماله وأقاربه قد تسلطوا على

رقاب الناس ، فأخذوا الرعية بسياسة الملك العضوض ، و ليس بسياسة الإمامة الورعة ، ثم رأى الخليفة أنه من البر بذوي القربى ألا يسوءهم فتمادوا في مظالمهم ، يحبسون مخالفيهم ويضربونهم بالسياط ، وهم من خيرة الصحابة البررة الأمر الذي

أثار ثائرة الناس على الخليفة ، وسرعان ما وجد أعداء الإسلام من تفرق الشمل ، ثغرة تسللوا منها ، ومن ثم فليت الخليفة الشهيد أخذ عماله بسياسة عمر ، ولكنه كان رفيقا " بهم ، فرتعوا حتى سخطت الرعية ، وانتهت الأمور بقتل الخليفة المظلوم ، رضوان الله عليه - .


بقيت الإشارة إلى أن ابن خلدون ، رغم أنه إنما يرى أن بداية التشيع إنما كان عندما توفي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غير أن الشيعة إنما وضح أمرها في أيام الشورى ، حيث يقول : كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ، ويرون

  * هامش *  
 

=> وروى الطبري وابن الأثير وابن أبي الحديد بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قالوا : إن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف درهم ، تتجر فيها وتضمنها ، فأقرضها ، فخرجت فيها إلى بلاد كلب ، فاشترت

وباعت ، فبلغها أن أبا سفيان وعمرو بن أبي سفيان قد أتيا معاوية ( وكان أميرا " في الشام ) فعدلت إليه من بلاد كلب ، فأتت معاوية - وكان أبو سفيان قد طلقها ، قال : ما أقدمك أي أمة ؟ قالت النظر إليك أي بني ، إنه عمر ، وإنما يعمل لله ، وقد أتاك أبوك فخشيت أن

تخرج إليه من كل شئ ، وأهل ذلك هو ، فلا يعلم الناس من أين أعطيته فيؤنبونك ، عمر ، فلا يستقيلها أبدا " ، فبعث إلى أبيه وأخيه بمائة دينار ، وكساهما و حملهما ، فتعظمها عمر ، فقال أبو سفيان : لا تعظمها ، فإنه عطاء لم تغب عنه هند ، ومشورة قد حضرتها هند ،

ورجعوا جميعا " ، فقال أبو سفيان لهند : أربحت ؟ فقالت : الله أعلم ، معي تجارة إلى المدينة ، فلما أتت المدينة وباعت شكت الوضيعة ، فقال لها عمر : لو كان مالي لتركته لك ، ولكنه مال المسلمين ، هذه مشورة لم يغب عنها أبو سفيان ، فبعث إليه ، فحبسه حتى أوفته ، وقال

لأبي سفيان : بكم أجازك معاوية ، فقال : بمائة دينار ( تاريخ الطبري 4 / 221 ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 3 / 62 ،
ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 12 / 98 ) . ( * )

 

 

 ص 373

استحقاقه على غيره ، ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك و أسفوا له ، مثل الزبير وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود وغيرهم ، إلا أن القوم لرسوخ قدمهم في الدين ، وحرصهم على الألفة ، لم يزيدوا في ذلك وعلى النجوى بالتأفف والأسف ( 1 ) .

 

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ ابن خلدون 3 / 364 - 365 .  ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب