- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 391 -

سادسا " : منذ التحكيم :


استشهد الصحابي الجليل عمار بن ياسر في معارك صفين بين الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - ومعاوية بن أبي سفيان ، وكان لاستشهاد عمار تأثير كبير على المتحاربين ، ولأنه يبين أصحاب الحق من الفريقين المقاتلين ،

ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم المسلمين من قبل أن عمار تقتله الفئة الباغية ، وقد روت معظم كتب الحديث هذا الحديث الشريف ، جاء في صحيح البخاري بلفظ ويح عمار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ، ويدعونه إلى النار ( 2 ) ، كما جاء أيضا " بلفظ ويح عمار ، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله ، ويدعونه إلى النار ( 3 ) ،

وجاء في صحيح مسلم بلفظ بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية ( 4 ) ، وبلفظ تقتلك الفئة الباغية ( 5 ) .

ورواه النسائي في الخصائص ( 6 ) ، والترمذي في مناقب عمار ، والحاكم في المستدرك ( 7 ) ، والإمام أحمد في المسند والفضائل ( 8 ) ، وأبو داود الطيالسي في مسنده ( 9 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 ) .

  * هامش *  
 

( 2 ) صحيح البخاري 1 / 121 - 122 . ( 3 ) صحيح البخاري 4 / 25 .
( 4 ) صحيح مسلم 18 / 39 - 40 .
( 5 ) صحيح مسلم 18 / 41 .
( 6 ) النسائي : تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه - بيروت 1983 ص 89 - 92 .
( 7 ) المستدرك للحاكم 2 / 148 ، 3 / 385 ، 386 ، 387 .
( 8 ) مسند الإمام أحمد 2 / 161 ، 164 ، 4 / 197 ، 6 / 289 ، فضائل الصحابة لابن حنبل 2 / 858 - 861 .
( 9 ) مسند أبي داود الطيالسي 3 / 90 .
( 10 ) حلية الأولياء 4 / 172 . ( * )

 

 

 ص 392

ورواه الطبري في تاريخه ( 1 ) ، والخطيب البغدادي في تاريخه ( 2 ) ، وابن سعد في طبقاته ( 3 ) ، وابن الأثير في أسد الغابة ( 4 ) ، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة ( 5 ) ، وابن حجر في الإصابة ( 6 ) ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ( 7 ) ، والشبلنجي في نور الأبصار ( 8 ) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ( 9 ) ، والهيثمي في مجمعه ( 10 ) ، وغيرهم ( 11 ) .


وكان عبد الله بن الخطاب يأسف أنه لم يقاتل الفئة الباغية مع الإمام علي ، وكان يقول : ما آسى على شئ إلا تركي قتال الفئة الباغية مع علي ( 12 ) ، ولعل هذا هو الذي دفع المقدسي إلا أن يراه من الموالين للإمام علي ( 13 ) ، كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يأسف أنه كان بجوار أبيه مع الفئة الباغية ( 14 ) .


وفي الإصابة في ترجمة زبيد بن عبد الخولاني قال : له إدراك وشهد فتح

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 41 .
( 2 ) تاريخ بغداد 5 / 315 ، 7 / 414 ، 13 / 186 .
( 3 ) طبقات ابن سعد 3 / 177 ، 180 ، 181 .
( 4 ) أسد الغابة 2 / 217 ، 4 / 133 .
( 5 ) الإمامة والسياسة ص 106 .
( 6 ) الإصابة في معرفة الصحابة 2 / 512 .
( 7 ) الرياض النضرة 1 / 14 .
( 8 ) نور الأبصار ص 89 .
( 9 ) كنز العمال 7 / 72 ، 73 ، 74 .
( 10 ) مجمع الزوائد 7 / 240 - 242 ، 9 / 396 - 397 .
( 11 ) الفيروزآبادي : فضائل الخمسة 2 / 377 - 393 ، ابن عبد البر : الإستيعاب في معرفة الأصحاب 2 / 480 - 481 ،
تحفة الأحوذي
10 / 300 - 301 .
( 12 ) أنظر : المستدرك للحاكم 3 / 115 ، أسد الغابة 3 / 342 ، 4 / 115 ، طبقات ابن سعد 4 / 136 - 137 ،
مجمع الزوائد
3 / 182 ، الرياض النضرة 2 / 242 ، الإستيعاب 2 / 345 - 346 .
( 13 ) المقدسي : البدء والتأريخ 5 / 124 .
( 14 ) طبقات ابن سعد 2 / 12 ، الإستيعاب 2 / 348 - 349 ، أسد الغابة 3 / 350 . ( * )

 

 

 ص 393

مصر ، ثم شهد صفين مع معاوية : وكانت معه الراية ، فلما قتل عمار تحول إلى عسكر الإمام علي ( 1 ) ،
 

وفي أسد الغابة قال : روى عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : شهد خزيمة بن ثابت الجمل ، وهو لا يسل سيفا " ، وشهد صفين ولم يقاتل ، وقال : لا أقاتل حتى يقتل عمار ، فانظر من يقتله ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : تقتله الفئة الباغية ، فلما قتل عمار قال خزيمة : ظهرت لي الضلالة ، ثم تقدم فقاتل حتى قتل ( 2 ) ،


وفي الإصابة عن محمد بن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال : ما زال جدي كافا " سلاحه حتى قتل عمار بصفين ، فسل سيفه وقاتل حتى قتل ( 3 ) .


وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : لما كان يوم صفين نادى مناد من أصحاب معاوية أصحاب علي : أفيكم أويس القرني ؟ قالوا : نعم ، فضرب دابته حتى دخل معهم ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير التابعين أويس القرني ( 4 ) .


وعلى أية حال ، فإن النصر كاد أن يتم لمعسكر الإمام علي ، لولا خدعة التحكيم المشهورة ( 5 ) ، وقد أصبحت لفظة شيعة علي ، مقابلة هنا للفظة شيعة معاوية - كما جاء في وثيقة التحكيم .

هذا ويذهب البعض إلى أن التشيع إنما بدا بعد التحكيم ، يرى " فان فلوتن " أن الشيعة تفرعت من ذلك الحزب السياسي الذي قضى عليه الأمويون بحروراء ، ثم انتشرت وقامت بحركة دينية واسعة النطاق ضمت إليها جميع

  * هامش *  
  ( 1 ) الإصابة في تمييز الصحابة 1 / 576 .
( 2 ) أسد الغابة 4 / 135 .
( 3 ) الإصابة 1 / 426 .
( 4 ) المستدرك للحاكم 3 / 402 ، وانظر : حلية الأولياء 2 / 76 ، طبقات ابن سعد 6 / 112 .
( 5 ) أنظر عن خدعة التحكيم ( محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي طالب 2 / 97 - 124 - بيروت 1990 ) . ( * )
 

 

 ص 394

العناصر الإسلامية المعادية للأمويين وللعرب جميعا " ( 1 ) .
 

وقد أخطأ فان فلوتن في هذا ، فالخوارج لم يكونوا أبدا " شيعة ، بل هم أعداء الإمام علي ، الذين خرجوا عليه بعد رجوعه من صفين إلى الكوفة ، وانحازوا إلى حروراء ، وهم يومئذ اثنا عشر ألفا " أو ثمانية آلاف ، ولذا سميت الخوارج حرورية ( 2 ) ، وكانوا يقولون لا حكم إلا لله فلما بلغ الإمام علي ذلك قال : كلمة حق أريد بها باطل ، ولما فشلت المفاوضات معهم ، اضطر الإمام إلى قتالهم في وقعة النهروان سنة 39 ه‍ ( 3 ) .


ثم إن ظهور الشيعة إنما كان سابقا " لهذه الفترة - كما رأينا من قبل - الأمر الذي يدل على أن فان فلوتن إنما يخلط بين الشيعة والخوارج ، فضلا " عن الخلط بين الشيعة العلوية وبين من استظل برايتهم من الغلاة ( 4 ) .


وعلى أية حال ، فإن هناك من يرد نشأة التشيع إلى أول خلاف حول المبادئ الإسلامية ، عندما نادى الخوارج لا حكم إلا لله ( 5 ) ، فكان الخوارج أول طائفة في الإسلام تثير مشكلة الإمامة على نحو لم يسبق له ، حين تراها عامة بالاختيار ، لا

فضل فيها لعربي على عجمي ، ولا لقرشي على حبشي ، وكان لا بد أن تظهر مبادئ أخرى معارضة تدعم حق الإمام علي في الإمامة ، ولا شك أن الانشقاق السياسي بين شيعة الإمام علي بعد موقعة صفين ، وقيامه على أساس فكري ، وهو نحو يختلف تماما " عن خروج طلحة أو الزبير على الإمام علي ، ونكثهما بيعته ، أو بمخالفة معاوية بن أبي سفيان وطلبه بدم

  * هامش *  
 

( 1 ) فان فلوتن : السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات - ترجمة حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي إبراهيم - القاهرة 1934 ص 74 .
( 2 ) أنظر عن الخوارج ( البغدادي : الفرق بين الفرق ص 72 - 113 ) ( دار المعرفة - بيروت ) .
( 3 ) أنظر ( محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي طالب 2 / 124 - 131 ) .
( 4 ) نبيلة عبد المنعم داود : المرجع السابق ص 63 - 64 .
( 5 ) أنظر عن الخلاف حول التحكيم ( نصر بن مزاحم المنقري : وقعة صفين - تحقيق عبد السلام محمد هارون ص 512 - 527 ( ط ثالثة - القاهرة 1981 ) . ( * )

 

 

 ص 395

عثمان ، إنه نهج فكري أيديولوجي يزعزع الأسس التي اجتمع عليها أنصار الإمام علي حوله ، فكان لا بد من مواجهة الخوارج - لا كقوة سياسية - وإنما كعقيدة سياسية ، تسعى إلى ضياع حق الإمام علي . وفي الواقع أن التشيع - كرد فعل

للخوارج - يتضح فيه مدى المقابلة بين العقيدتين ، فبينما جعل الخوارج الإمامة عامة ، هي عند الشيعة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي ذرية الإمام علي ، وبنص من النبي على ذلك ، فهي إذن من صميم الدين ، وبينما طائفة من الخوارج ترى الإمامة غير واجبة ، ولا يلزم نصب الإمام ، هي عند الشيعة واجبة ، وعلى الله تعالى .


وهكذا - فيما يقول الدكتور صبحي - يظهر رد فعل التشيع كعقيدة لآراء الخوارج في الإمامة ، ويجب الاعتراف بأن الخوارج كمذهب عقائدي له نظرياته في الإمامة ، سابق في وجوده على التشيع كعقيدة ، ولا يستبعد أن يكون كثير من عقائد الشيعة قد

صيغت متأثرة في ذلك بنظرية الخوارج في الإمام علي نحو عكسي ، ولا سيما أن كارثة انشقاق الخوارج هي أكبر ما حل بأنصار الإمام من كوارث ، ثم تبعها مصرع الإمام نفسه ، على يد واحد منهم ، ثم جرأتهم على الحق حتى ذهبوا إلى تكفير

الإمام - وهو ما لم يذهب إليه ألد أعدائه كمعاوية - فكان لا بد أن يقابل ذلك تقديس للإمام علي ، ورفع مقامه إلى مرتبة وصي النبي صلى الله عليه وسلم ، وخليفته بالنص الإلهي ( 1 ) .


ثم يقول : هذا وقد نقل الخوارج الاختلاف من مجرد خلاف بين الأشخاص - كما هو الحال بين الإمام علي ومعاوية - إلى خلاف حول المبادئ ، ومن ثم فقد أعلنوا لا حكم إلا لله ، وقد وصف الإمام علي ذلك بأن القوم طلبوا الحق فأخطأوه ، وقال - كرم الله وجهه في الجنة - ردا " على ذلك كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا الله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 40 - 41 . ( * )

 

 

 ص 396

إمرة ، وإنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفئ ، ويقاتل به العدو ، وتؤمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح بر ، أو يستراح من فاجر ( 1 ) .


وهكذا أثبت الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وجوب الإمامة ، تلك القضية التي تشغل أول الأبحاث في النظريات السياسية في الفكر الإسلامي ، ولقد سبق أن اختلف المسلمون يوم السقيفة حول شخص من يخلف الرسول

صلى الله صلى الله عليه وسلم فبحثوا في الإمامة ، وجعلوها محور تفكيرهم السياسي ، ثم أثار الخوارج التشكيك في ضرورة وجود الإمام ، فالتفت معظم فرق المسلمين عند القول بوجوب وجود الإمام في بداية أبحاثهم السياسية ( 2 ) .


على أن الخوارج إنما يمثلون - من ناحية أخرى - جموح الهوى ، وغلو الاجتهاد في الرأي ، ثم سرعان ما تنعزل هذه الفرقة عن الناس ، وتتخذ لها جبهة خاصة بها ، فتنحرف عما عليه جماعة المسلمين ، وحتى يحملها العناد والشقاق ، على أن تشتط

، وتمعن في الشطط ، وإذا هي خارج دائرة الإسلام ، تستحل دماء المسلمين ، وتستبيح أموالهم وأعراضهم ، دونما تقية أو حرج ، وكانوا يلقون الواحد من المسلمين فيسألونه : ألم يكن قبول التحكيم كفرا " ؟ ألم يأثم علي بقبول التحكيم ؟ ألسنا في

حل من طاعته وبيعته حتى يقر بإثمه ويتوب ؟ فإن أجاب المسؤول بنعم ، تركوه ينجوه ، وإن أجاب بلا ، سفكوا دمه ، وأزهقوا روحه .


وروى البخاري في صحيحه ( 3 ) ( كتاب بدء الخلق - باب علامات النبوة في الإسلام ) بسنده عن أبي سعيد الخدري قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم قسما " ، أتاه ذي الخويصرة ، وهو رجل من بني تميم ، فقال : يا

  * هامش *  
 

( 1 ) شرح نهج البلاغة 2 / 307 ( بيروت 1979 ) .
( 2 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 42 .
( 3 ) صحيح البخاري 4 / 343 - 224 . ( * )

 

 

 ص 397

رسول الله إعدل ، فقال : ومن يعدل إذا لم أعدل ؟ قد خبت وخسرت ، إن لم أكن أعدل ، فقال عمر : يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه ، قال : دعه فإن له أصحابا " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرأون القرآن

لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى رصافه ، فما يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى نضيه ، وهو قدحه ، فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ ، قد

سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود ، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ، ويخرجون على خير فرقة من الناس . قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم ، وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل ، فالتمس فأتي به ، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي نعته .


وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، منصرف من حنين ، وفي ثوب بلال فضة ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقبض منها يعطي الناس ، فقال :

يا محمد أعدل ، قال : ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ، لقد خبت وخسرت ، إن لم أكن أعدل ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق ، فقال : معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي : إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ( 1 ) .


وفي رواية لمسلم أيضا " عن ابن شهاب قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك الهمداني أن أبا سعيد الخدري قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يقسم قسما " ، أتاه ذو الخويصرة ، وهو رجل من بني تميم ، فقال : يا رسول الله أعدل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويلك ومن يعدل ، إن لم أعدل ،

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 7 / 159 ، وانظر روايات أخرى 7 / 159 - 165 . ( * )

 

 

 ص 398

قد خبت وخسرت ، إن لم أعدل ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله ، إئذن لي فيه أن أضرب عنقه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه ، فإن له أصحابا " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرأون

القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام ، كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شئ - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ ،

سبق الفرث والدم ، آيتهم رجل أسود ، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر يخرجون على خير فرقة من الناس ، قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله

عنه ، قاتلهم وأنا مع ، فأبر بذلك الرجل فالتمس فوجد ، فأتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي نعت ( 1 ) .


وفي رواية لمسلم أيضا " بسنده عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينها مارقة ، يلي قتلهم أولاهم بالحق ( 2 ) .


وفي رواية لمسلم أيضا " بسنده عن بسر بن سعيد عن عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الحرورية لما خرجت - وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قالوا : لا حكم إلا لله ، قال علي : كلمة حق أريد بها

باطل ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصف ناسا " إني لأعرف صفتهم من هؤلاء ، يقولون الحق بألسنتهم ، لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه - من أبغض خلق الله إليه ، منهم أسود ، إحدى يديه طي شاة ، أو حلمة ثدي ، فلما قتلهم علي

بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أنظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا " ، فقال : ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت - مرتين أو ثلاثا " - ثم وجدوه في خربة حتى وضعوه بين يديه ، قال عبيد الله ، وأنا حاضر ذلك من أمرهم ، وقول علي فيهم ، زاد يونس في

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 7 / 165 - 167 ، وانظر روايات أخرى في 7 / 167 - 168 .
( 2 ) صحيح مسلم 7 / 168 ، وانظر روايات أخرى في 7 / 168 - 173 . ( * )

 

 

 ص 186

روايته ، قال بكير : وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال : رأيت ذلك الأسود ( 1 ) .

هذا وقد روى الحديث الشريف النسائي في الخصائص ( 2 ) ، وابن الأثير في أسد الغابة ( 3 ) ، والطبري في تفسيره ( 4 ) والإمام أحمد في المسند ( 5 ) ، والهيثمي في مجمعه ( 6 ) ، والذهبي في ميزان الاعتدال ( 7 ) ، والحاكم في المستدرك ( 8 ) ، وابن سعد في طبقاته ( 9 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 10 ) ، والخطيب البغدادي في تاريخه ( 11 ) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ( 12 ) ، والشوكاني في نيل الأوطار ( 13 ) .


ويذهب الدكتور أحمد صبحي إلى أن الخوارج لم يفسدوا على الإمام علي أمره في مجال السياسة والحرب فحسب ، بل وفي مجال المبادئ والعقائد التي استنفر أصحابه ليحاربوا من أجلها ، ولم يكن جدال الإمام معهم بكاف لإقناعهم ، بل لا بد من

الانقياد للإمام لكبت الأهواء الجامحة ، فالفوضى المطلقة الناجمة عن الغلو في الاجتهاد ، وتحكيم الرأي ، لا بد وأن تقابلها سلطة مطلقة لحاكم في مجتمع في مجتمع يدين بالثيوقراطية ، أو بالسياسة المستندة إلى الدين ،

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 7 / 173 - 175 .
( 2 ) النسائي : تهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ص 92 - 108 . ( 3 ) أسد الغابة 2 / 172 .
( 4 ) تفسير الطبري 10 / 109 .
( 5 ) مسند الإمام أحمد 1 / 88 ، 91 ، 3 / 26 ، 32 ، 45 ، 48 ، 56 ، 70 ، 82 ، 95 .
( 6 ) مجمع الزوائد 5 / 239 ، 6 / 341 .
( 7 ) ميزان الاعتدال 2 / 263 .
( 8 ) المستدرك للحاكم 2 / 145 ، 147 ، 148 ، 154 .
( 9 ) طبقات ابن سعد 4 / 36 .
( 10 ) حلية الأولياء 4 / 186 ، 6 / 21 ، 7 / 31 .
( 11 ) تاريخ بغداد 1 / 159 ، 7 / 237 .
( 12 ) كنز العمال 1 / 92 .
( 13 ) الشوكاني : نيل الأوطار ، شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخبار 8 / 287 - 288 ( دار الكتب العملية - بيروت ) . ( * )

 

 

 ص 400

إلا إذا كانت مؤيدة من الله تعالى ، فظهر لدى الشيعة مبدأ وجوب الإمامة ، وهكذا أنكر الخوارج الإمامة ، فأوجبها الشيعة ، واستبعد الخوارج تحكيم الرجال ، فأقر الشيعة ولاية الإمام ، وكفر الخوارج الإمام ( والعياذ بالله ) فقدسه الشيعة .


وعلى أية حال ، فإذا كانت حركة الخوارج لها أهميتها في صياغة العقيدة الشيعية ، فإن ردوا بداية التشيع إلى هذا الزمن ، أو إلى زمن خلافة الإمام علي ، إنما قصدوا الحكم على أنصار الإمام في حرب الجمل ، ثم في صفين ، فالذين يرجعون الحركة

الشيعية إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، إنما يقصدون عمارا " وسلمان وأبا ذر وغيرهم ، والذين يرجعونها إلى زمن خلافة الإمام علي إنما يعتبرون المسلمين قد تفرقوا شيعا " ، ولم يجمعوا على خلافة الإمام علي ، فكان شيعة الإمام علي هم أنصاره ومؤيدوه في حرب الجمل ثم صفين ( 1 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن كلمة الوصي إنما تتردد أيضا " في معركة صفين - كما ترددت في معركة الجمل - يقول النضر بن عجلان الأنصاري :

كيف التفرق والوصي إمامنا * لا كيف إلا حيرة وتخاذلا
لا تعتبن عقولكم لا خير في * من لم يكن عنده البلابل عاقلا
وذروا معاوية الغوي وتابعوا * دين الوصي تصادفوه عاجلا


ويقول عبد الرحمن بن ذؤيب الأسلمي :

ألا أبلغ معاوية بن حرب * أما لك لا تنيب إلى الصواب
يقودهم الوصي إليك حتى * يردك عن عوائك وارتياب


ويقول المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب :

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : المرجع السابق ص 42 - 43 . ( * )

 

 

 ص 401

فيكم وصي رسول الله قائدكم * وأهله وكتاب الله قد نشرا


ويقول الفضل بن عباس بن عبد المطلب :

وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه إن قيل هل من منازل


ويقول المنذر بن أبي خميصة الوادعي - فارس همدان - :

ليس منا من لم يكن لك في الله * يا ذا الولا والوصية


وقال جرير بن عبد الله :

وصي رسول الله من دون أهله * وفارسه الأولى به يضرب المثل ( 1 )


بل إن ابن عباس - رضي الله عنهما - إنما يصف الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - بأنه حب النبي ونفسه ، وذلك في رده على عمرو بن العاص ، حين فخر بخديعته لأبي موسى الأشعري في قصة خديعة التحكيم المشهورة - يقول ابن عباس ( 2 ) :

وتزعم أن الأمر منك خديعة * إليه وكل القول في شأنكم فضلا
فأنتم ورب البيت قد صار دينكم * خلافا " لدين المصطفى الطيب العدلا
أعاديتم حب النبي ونفسه * فما لكم من سابقات ولا فضلا
( 3 )


وعلى أية حال ، فهناك ما يثبت أن الشيعة كانت معروفة على أيام خلافة علي ،

  * هامش *  
 

( 1 ) المنقري : وقعة صفين ص 49 ، 365 ، 382 ، 385 ، 416 ، 436 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 550 .
( 3 ) كان الإمام علي أحب الرجال إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنظر : المستدرك للحاكم 3 / 130 - 131 ، 155 ، 154 ، 157 ، خصائص النسائي ص 29 ، الإستيعاب لابن عبد البر 2 / 751 ، كنز العمال 6 / 84 ، 400 ،
صحيح الترمذي
2 / 299 ، 319 ، ذخائر العقبى ص 35 ، مسند الإمام أحمد 4 / 257 ،
مجمع الزوائد
9 / 126 ، أسد الغابة 4 / 30 ، 5 / 547 ، حلية الأولياء 6 / 339 )
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر الإمام علي كنفسه ( أنظر المستدرك للحاكم 3 / 122 ) . ( * )

 

 

 ص 402

روى ابن الأثير بسنده عن سويد بن غفلة قال : مررت بقوم من الشيعة يشتمون أبا بكر وعمر ، وينتقصونهما ، فأتيت علي بن أبي طالب ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إني مررت بقوم من الشيعة يشتمون أبا بكر وعمر وينتقصونهما ، ولولا أنهم يعلمون أنك تضمر لهما على ذلك لما اجترؤوا عليه ، فقال علي : معاذ الله أن أضمر لهما إلا على الجميل ، ألا لعنة الله على من يضمر لهما إلا الحسن ( 1 ) .


 

  * هامش *  
 

( 1 ) أسد الغابة 4 / 164 ، وانظر 4 / 166 - 167 .  ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب