يقول الأستاذ محمد جواد مغنية : قال الذين يتبعون
الظن ، ويقيسون الشاهد على الغائب : أن السبب الأول للتشيع إنما هو سبب سياسي
محض ، لا يمت إلى الدين بصلة ، وهذا خطأ ، فإن سبب التشيع إنما هو ديني صرف ،
ولا صلة له بالسياسة من قريب أو بعيد ، إنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله
.
أما الفعل ، فلقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم
الإمام علي بن أبي طالب ، أخا " له ونجيا " ، وقام بتربيته وتنشئته منذ عهده
بالحياة ، واهتم بتعليمه وتهذيبه ، حتى أصبح كما يشاء النبي الرسول ، لم يؤاخذ
أو يعاتبه على شئ في حياته كلها .
هذا وقد اعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مهمات وفي ساعة العسرة ، فبلغ
عنه سورة براءة ، وندبه إلى قتال عمرو بن ود ، ومرحبا ، وباهل نصارى نجران به
وبزوجه فاطمة الزهراء ، وبولديه الحسن والحسين ، وارتقى على كتفيه لكسر
الأصنام ، وانضوى إياه - ومعهم إياه - ومعهم فاطمة والحسن
والحسين - تحت كساء واحد ، إلى غير ذلك من المناقب - التي أشرنا إليها من قبل ،
والتي سنشير إليها فيما بعد - والتي لا يبلغها الحصر ، والتي لو كانت منقبة
واحدة منها لصحابي
آخر - غير الإمام علي - لدقوا له الطبول ، ورفعوا له الأعلام ،
وكادوا أن يبلغوا به سدرة المنتهى ، وكتبوه بماء الذهب ، وأكثروا فيه الحواشي
والشروح . وأما القول ، فلقد نص النبي صلى الله عليه وسلم ، عليه في مناسبات
شتى ، أولها حين نزلت الآية : * ( وأنذر عشيرتك الأقربين
) * ، حيث جمع من أهله ثلاثين رجلا " ،
فأكلوا وشربوا ، وقال لهم النبي صلى الله عليه
وسلم : هذا وارثي ووزيري ووصيي وخليفتي عليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا ،
وآخرها حديث الغدير من كنت مولاه فعلي مولاه ، وبين هذين الحديثين ، صدرت
أحاديث كثيرة ، كحديث : أنت
مني بمنزلة هارون من موسى ، وحديث علي مع الحق ،
والحق مع علي ، وحديث الثقلين ، إلى غير ذلك مما أثبته أهل السنة - وقد أوردنا
الكثير منها في الفصل الخاص بأدلة إمامة الإمام علي رضوان الله عليه - .
غير أن
علماء السنة - وإن كانوا لا يشككون في سنة أحاديث الولاية والوصية للإمام علي -
فإنهم إنما يفسرون الولاء بالحب والإخلاص ، وليس الحكم والسلطان ، فضلا " عن
الوصية بالعهد إلى الإمام بتجهيز النبي ودفنه ، إذن فالأحاديث ثابتة ، والخلاف
على التفسير ، وهو - على أية حال ، اجتهاد ، وما يلزمنا هنا قول النبي صلى الله
عليه وسلم ، وليس ما درج المفسرون أن يقدموا من اجتهادات وتأويلات ، وفوق كل ذي
علم عليم ( 1 ) .
وهكذا والى الشيعة سيدنا الإمام علي ، وقالوا بالنص عليه ،
وأوجبوا له العصمة، اعتمادا " على أحاديث كثيرة ، ذكرنا كثيرا " منها في الفصل
الخاص بأدلة الإمام علي ، ونضيف الآن إليها ، قوله صلى الله عليه وسلم لا سيف
إلا ذو الفقار ، ولا فتى
إلا علي ، فلقد روى الإمام الطبري - وكذا ابن الأثير -
في أحداث غزوة أحد ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده ، قال :
لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية ، أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم
جماعة من مشركي
قريش ، فقال لعلي : أحمل عليهم ، فحمل عليهم ، ففرق جمعهم ،
وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي ، قال : ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم
جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي : أحمل عليهم ، فحمل عليهم ففرق جماعتهم ،
وقتل شيبة بن مالك - أحد بني عامر بن لؤي - فقال جبريل : يا رسول الله ، إن هذه
للمواساة ، فقال
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة والحاكمون
ص 15 -
16 ( دار الهلال - دار الجواد - بيروت ط خامسة - 1981 ) . ( * )
|
|
|
رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه مني ، فقال
جبريل : وأنا منكما ، قال : فسمعوا صوتا " : لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى
إلا علي ( 1 )
وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن علي ، وفيه قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم . رحم الله عليا " ، اللهم أدر الحق معه حيث دار ( 2 ) ،
وروى
الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أبي ثابت ، مولى أبي ذر ، قال : دخلت على
أم سلمة فرأيتها تبكي ، وتذكر عليا " عليه السلام ، وقالت : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول : علي مع الحق ، والحق مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا على
الحوض يوم القيامة ( 3 ) .
وهكذا اعتمدت الشيعة على هذه الأحاديث - وغيرها كثير
في ولائها للإمام علي ، ولم يعتمدوا على الظن والتخمين ، وليس على العاطفة
والتعصب ، ولا التقليد ولا الوراثة ، ومن ثم فالسبب إذن ديني ، لا سياسي ، وعلم
، لا أهواء ( 4 ) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين والصلاة والسلام على
مولانا وسيدنا
وجدنا محمد رسول الله ، وعلى آله الطيبين الطاهرين
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري 2 / 514 (دار المعارف - القاهرة 1977) ، ابن الأثير :
الكامل في التاريخ 2 / 154 ( دار صادر - بيروت
1965 )
( 2 )
صحيح الترمذي 2 /
298 ، ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 124 ، وانظر : المظفر :
دلائل الصدق 3 /
303 ( ط 1953 ) .
( 3 ) تاريخ بغداد 14 / 321 ( ط السعادة - القاهرة 1329 ه )
.
( 4 ) محمد جواد مغنية : الشيعة والحاكمون ص 16 ( بيروت 1981 ) . ( * )
|
|
|