- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 428 -

( 3 ) أسباب التشيع


يقول الأستاذ محمد جواد مغنية : قال الذين يتبعون الظن ، ويقيسون الشاهد على الغائب : أن السبب الأول للتشيع إنما هو سبب سياسي محض ، لا يمت إلى الدين بصلة ، وهذا خطأ ، فإن سبب التشيع إنما هو ديني صرف ، ولا صلة له بالسياسة من قريب أو بعيد ، إنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله .


أما الفعل ، فلقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم الإمام علي بن أبي طالب ، أخا " له ونجيا " ، وقام بتربيته وتنشئته منذ عهده بالحياة ، واهتم بتعليمه وتهذيبه ، حتى أصبح كما يشاء النبي الرسول ، لم يؤاخذ أو يعاتبه على شئ في حياته كلها .


هذا وقد اعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في مهمات وفي ساعة العسرة ، فبلغ عنه سورة براءة ، وندبه إلى قتال عمرو بن ود ، ومرحبا ، وباهل نصارى نجران به وبزوجه فاطمة الزهراء ، وبولديه الحسن والحسين ، وارتقى على كتفيه لكسر

الأصنام ، وانضوى إياه - ومعهم إياه - ومعهم فاطمة والحسن والحسين - تحت كساء واحد ، إلى غير ذلك من المناقب - التي أشرنا إليها من قبل ، والتي سنشير إليها فيما بعد - والتي لا يبلغها الحصر ، والتي لو كانت منقبة واحدة منها لصحابي

آخر - غير الإمام علي - لدقوا له الطبول ، ورفعوا له الأعلام ، وكادوا أن يبلغوا به سدرة المنتهى ، وكتبوه بماء الذهب ، وأكثروا فيه الحواشي والشروح . وأما القول ، فلقد نص النبي صلى الله عليه وسلم ، عليه في مناسبات شتى ، أولها حين نزلت الآية : * ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) * ، حيث جمع من أهله ثلاثين رجلا " ،
 

 ص 429

فأكلوا وشربوا ، وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : هذا وارثي ووزيري ووصيي وخليفتي عليكم بعدي ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وآخرها حديث الغدير من كنت مولاه فعلي مولاه ، وبين هذين الحديثين ، صدرت أحاديث كثيرة ، كحديث : أنت

مني بمنزلة هارون من موسى ، وحديث علي مع الحق ، والحق مع علي ، وحديث الثقلين ، إلى غير ذلك مما أثبته أهل السنة - وقد أوردنا الكثير منها في الفصل الخاص بأدلة إمامة الإمام علي رضوان الله عليه - .


غير أن علماء السنة - وإن كانوا لا يشككون في سنة أحاديث الولاية والوصية للإمام علي - فإنهم إنما يفسرون الولاء بالحب والإخلاص ، وليس الحكم والسلطان ، فضلا " عن الوصية بالعهد إلى الإمام بتجهيز النبي ودفنه ، إذن فالأحاديث ثابتة ، والخلاف على التفسير ، وهو - على أية حال ، اجتهاد ، وما يلزمنا هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ما درج المفسرون أن يقدموا من اجتهادات وتأويلات ، وفوق كل ذي علم عليم ( 1 ) .


وهكذا والى الشيعة سيدنا الإمام علي ، وقالوا بالنص عليه ، وأوجبوا له العصمة، اعتمادا " على أحاديث كثيرة ، ذكرنا كثيرا " منها في الفصل الخاص بأدلة الإمام علي ، ونضيف الآن إليها ، قوله صلى الله عليه وسلم لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى

إلا علي ، فلقد روى الإمام الطبري - وكذا ابن الأثير - في أحداث غزوة أحد ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده ، قال : لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية ، أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي

قريش ، فقال لعلي : أحمل عليهم ، فحمل عليهم ، ففرق جمعهم ، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي ، قال : ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش ، فقال لعلي : أحمل عليهم ، فحمل عليهم ففرق جماعتهم ، وقتل شيبة بن مالك - أحد بني عامر بن لؤي - فقال جبريل : يا رسول الله ، إن هذه للمواساة ، فقال

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة والحاكمون ص 15 - 16 ( دار الهلال - دار الجواد - بيروت ط خامسة - 1981 ) . ( * )

 

 

 ص 430

رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه مني ، فقال جبريل : وأنا منكما ، قال : فسمعوا صوتا " : لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي ( 1 )
 

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن علي ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . رحم الله عليا " ، اللهم أدر الحق معه حيث دار ( 2 ) ،
 

وروى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن أبي ثابت ، مولى أبي ذر ، قال : دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي ، وتذكر عليا " عليه السلام ، وقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : علي مع الحق ، والحق مع علي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض يوم القيامة ( 3 ) .


وهكذا اعتمدت الشيعة على هذه الأحاديث - وغيرها كثير في ولائها للإمام علي ، ولم يعتمدوا على الظن والتخمين ، وليس على العاطفة والتعصب ، ولا التقليد ولا الوراثة ، ومن ثم فالسبب إذن ديني ، لا سياسي ، وعلم ، لا أهواء ( 4 ) .


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين والصلاة والسلام على مولانا وسيدنا
وجدنا محمد رسول الله ، وعلى آله الطيبين الطاهرين


 

  * هامش *  
 

( 1 ) تاريخ الطبري 2 / 514 (دار المعارف - القاهرة 1977) ، ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 154 ( دار صادر - بيروت 1965 )
( 2 ) صحيح الترمذي 2 / 298 ، ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 124 ، وانظر : المظفر : دلائل الصدق 3 / 303 ( ط 1953 ) .
( 3 ) تاريخ بغداد 14 / 321 ( ط السعادة - القاهرة 1329 ه‍ ) .
( 4 ) محمد جواد مغنية : الشيعة والحاكمون ص 16 ( بيروت 1981 ) . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب