- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 30 -

ثانيا " : حكم الإمامة


وحكم الإمامة أو الخلافة ( 1 ) في الإسلام الوجوب ، قال الإمام علي رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة في نهج البلاغة : وإنما الأئمة قوام الله على خلقه ، وعرفاؤه على عباده ، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه .

وعندما نادى الخوارج بمقولتهم المشهورة لا حكم إلا بالله ، رد عليها سيدها الإمام علي عليه السلام ، فقال : كلمة حق يراد بها باطل ، نعم إنه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله ، وإنه لا بد للناس من أمير ، بر أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفئ ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح بر ، ويستراح من فاجر ( 2 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الخلافة : لغة مصدر خلف ، يقال : خلفه خلافة ، كان خليفته وبقي بعده ، والجمع خلائف وخلفاء ( القاموس المحيط 3 / 142 - القاهرة 1952 ) ،
وفي تفسير النسفي : الخليفة من يخلف غيره - على وزن فعيلة بمعنى فاعلة ، وزيدت للمبالغة ، وفي تفسير قوله تعالى : * ( إني جاعل في الأرض خليفة ) * المعنى خليفة منكم ، لأنهم كانوا سكان الأرض ، فخلفهم فيها آدم وذريته ، ولم يقل خلائف أو خلفاء ، لأنه أريد بالخليفة آدم ، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه ، كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم ، أو أريد من يخلفكم ، أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك ، أو خليفة مني ، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه ، وكذلك كل نبي ، قال تعالى : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) * ( تفسير النفسي 1 / 40 ) .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 2 / 307 . ( * )

 

 

 ص 31

وقال الإمام أحمد بن سليمان في كتاب حقائق المعرفة : إعلم أنه لما كانت النبوة لا تحصل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الله تعالى قد ختم به الرسل ، وكان الناس محتاجين إلى من يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، ينفذ الأحكام ،

ويحل الحلال ، ويحرم الحرام ، ويكفل الضعفاء والأيتام ، وينصف المظلوم ، ويدعو إلى عز الإسلام ، ونيل المكارم ، ويدفع كل خائن وغاشم ، ويدعو إلى الجهاد في سبيل رب العالمين ، ويعز المؤمنين ، ويذل الفاسقين ، فإن العقل يحكم بوجوب قيام إمام من المؤمنين لصلاح الإسلام والمسلمين .


ويحكم العقل إنه لم يقم ، فإن الإسلام يضعف ، وأن الكفر يقوى ، وأن الفساد يلحق جميع الناس ، فوجب قيام الإمام ، بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا مات الإمام أو قتل ، يجب قيام إمام بعده ، ويحكم العقل بأن الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ينبغي أن لا يكون في الأمة من هو أجمع منه للمحامد .


ويجب على كل المسلمين في كل عصر ، إعانة من يصلح لها ، من أجل حفظ بيضة الإسلام ، ودفع التظالم ، وإنصاف المظلومين ، وإقامة الحدود ، ولا يختص بذلك وقت ، دون وقت ( 1 ) .


ويقول إمام الحرمين الجويني : وأما نصب الإمام عند الإمكان فواجب ، وقد ذهب عبد الرحمن بن كيسان ( 2 ) إلى أنه لا يجب ، ويجوز ترك الناس أخيافا " ( أي مختلفين ) ، يلتطمون ائتلافا " واختلافا " ، لا يجمعهم ضابط ، ولا يربط شتات

 

* هامش *

 
 

( 1 ) أحمد صبحي : المذهب الزيدي ص 42 - 43 ( الإسكندرية 1981 ) .
( 2 ) عبد الرحمن بن كيسان - الأصم المعتزلي - غير حاتم الأصم الصوفي ، وقد ذكره السيد ( علي بن محمد 740 - 816 ه‍ / 1339 - 1413 م ) في شرح المواقف بلقب أبي بكر ، وجمع أحمد بن يحيى المرتضى ( ت 1039 ه‍ / 1930 م ) بين اسمه ولقبه فقال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم ( محمد عمارة : المرجع السابق ص 238 ،

وانظر كتاب : المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ص 32 - ط حيدر آباد 1316 ه‍ ) ، وكان عبد الرحمن بن كيسان - الملقب بالأصم - يعرف أيضا " بتلميذ العلاف ( تاريخ بغداد 2 / 192 ، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1 / 448 ) . ( * )

 

 

 ص 32

رأيهم رابط ، وهذا الرجل هجوم على شق العصا ، ومقابلة الحقوق بالعقوق ، لا يهاب حجاب الإنصاف ، ولا يستوعر أصواب الاعتساف ، ولا يسمى إلا عند الإنسلال عن ربقة الإجماع ، والحيد عن سنن الاتباع . وهو مسبوق بإجماع من أشرقت عليه الشمس شارقة وغاربة ، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة .


أما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأوا البدار إلى نصب الإمام حقا ، فتركوا لسبب التشاغل به ، تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودفنه ، مخافة أن تتغشاهم هاجمة محنة . ولا يرتاب من معه مسكة من عقل ، أن الذب عن

الحوزة ، والنضال دون حفظ البيضة محتوم شرعا " ، ولو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع ، ولا يزعهم وازع ، ولا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع ، مع تفنن الآراء ، وتفرق الأهواء ، لانتشر النظام ، وهلك العظام ،

وتوثبت الطغام والعوام ، وتحزبت الآراء المتناقضة ، وتفرقت الإرادات المتعارضة ، وملك الأرذلون سراة الناس ، وفضت المجامع ، واتسع الخرق على الراقع ، وفشت الخصومات ، واستحوذ على أهل الدين ذوو العرامات ( أي أهل الشراسة والقسوة ) ، وتبددت الجماعات ، ولا حاجة إلى الإطناب بعد حصول البيان ، وما يزع الله بالسلطان ، أكثر مما يزع بالقرآن ( 1 ) .


ويقول الأستاذ محمد جواد مغنية : اختلف المسلمون في وجوب نصب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم وجوبه ، وافترقوا في ذلك إلى فرق .

قالت الشيعة : يجب على الله تعالى أن ينصب إماما " للناس ، وقالت السنة : لا يجب ذلك على الله ، ولكن يجب على الناس ،

وقالت الخوارج : لا يجب نصب الإمام مطلقا " ، لا على الله ، ولا على الناس . وقال القوشجي ( ت 879 ه‍ ) - من علماء السنة - في كتاب شرع التجريد : استدل أهل السنة على قولهم بإجماع الصحابة - وهو العمدة - حتى

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الجويني : الغياثي ص 22 - 24 . ( * )

 

 

 ص 33

جعلوا ذلك أهم الواجبات ، واشتغلوا به عن دفن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وكذا عقيب موت كل إمام ، روي أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ، خطب أبو بكر فقال : يا أيها الناس ، من كان يعبد محمدا " ، فإن محمدا " ، فإن محمدا "

قد مات ، ومن كان يعبد رب محمد ، فإنه حي لا يموت ، لا بد لهذا الأمر من يقوم به ، فانظروا ، وهاتوا آراءكم ، رحمكم الله ، فبادروا من كل جانب ، وقالوا : صدقت ، لكننا ننظر في هذا الأمر ، ولم يقل أحد أنه لا حاجة إلى إمام ( 1 ) .


وقال البغدادي : وقالوا - أي أهل السنة والجماعة - إن الإمامة فرض واجب على الأمة ، لأجل إقامة إمام ، ينصب لهم القضاة والأمناء ، ويضبط ثغورهم ، ويغزي جيوشهم ، ويقسم الفئ بينهم ، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم ( 2 ) .

والوجوب ثابت بالكتاب والسنة والإجماع :

فأما الكتاب ، فلقد قال الله تعالى : * ( وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) * ( 3 )

وقال تعالى : * ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ، كما استخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) * ( 4 )

وقال تعالى : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ، فاحكم بين الناس بالحق ) * ( 5 ) .

ويقول القرطبي في تفسيره لآية البقرة ( 30 ) * ( وإذ قال ربك للملائكة إني

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 333 - 334 .
( 2 ) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي - الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ص 349 ( دار المعرفة - بيروت ) .
( 3 ) سورة البقرة : آية 30 ، وانظر : تفسير الطبري 1 / 439 - 480 ، تفسير ابن كثير 1 / 106 - 111 ، تفسير النسفي 1 / 40 ، تفسير المنار 1 / 210 - 218 ، تفسير القرطبي ص 223 - 234 .
( 4 ) سورة النور : آية 55 .
( 5 ) سورة ص : آية 26 . ( * )

 

 

 ص 34

جاعل في الأرض خليفة ) * : إن هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع ، لتجتمع به الكلمة ، وتنفذ به أحكام الخليفة ، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ، ولا بين الأئمة ، إلا ما روي عن الأصم ، حيث كان عن الشريعة أصم ،

وكذلك كل من قال بقوله ، واتبعه على رأيه ومذهبه ، قال : إنها غير واجبة في الدين ، بل يسوغ ذلك وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم ، وتناصفوا فيها بينهم ، وبذلوا الحق من أنفسهم ، وقسموا الغنائم والفئ والصدقات على أهلها ، و أقاموا الحدود على من وجبت عليه ، أجزاهم ذلك ، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما " يتولى ذلك .


ودليلنا على إقامة إمام ، قول الله تعالى : * ( إني جاعل في الأرض خليفة ) *
وقوله تعالى : * ( يا داود إنا جعلناك في الأرض خليفة ) * ،
وقوله تعالى : * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ) * ، أي يجعل منهم خلفاء ، إلى غير ذلك من الآي ( 1 ) .

ويقول ابن كثير : وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية ( آية البقرة : 30 ) على وجوب نصب الإمام ( الخليفة ) ، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ويقطع تنازعهم ، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم الحدود ، ويزجر عن تعاطي الفواحش ، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها ، إلا بالإمام ، وما لا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ( 2 ) .


 2 - وأما السنة : فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن محمد عن نافع قال : جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع - حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية - فقال : إطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة ، فقال : إني لم آتك لأجلس ، أتيتك لأحدثك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير القرطبي 1 / 226 .
( 2 ) تفسير ابن كثير ( تفسير القرآن العظيم - بيروت 1986 ) 1 / 110 . ( * )

 

 

 ص 35

 يقول : من خلع يدا " من طاعة ، لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة ، مات ميتة جاهلية ( 1 ).

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إنما الإمام جنة ، يقاتل من ورائه ، ويتقي ، فإن أمر بتقوى الله عز وجل ، وعدل ، كان له بذلك أجر ، وإن يأمر بغيره ، كان عليه منه ( 2 ) .

وروى الشوكاني ( محمد بن علي بن محمد - ت 1255 ه‍ ) في نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار ( باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما ) عن عبد الله بن عمرو : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض ، إلا أمروا عليهم أحدهم قال : رواه أحمد .
 

وعن أبي سعيد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا خرج ثلاثة في سفر ، فليؤمروا عليهم أحدهم - قال : رواه أبو داود ، وله من حديث أبي هريرة مثله .

هذا وحديث عبد الله بن عمرو ، وحديث أبي سعيد ، قد أخرج نحوهما البزار بإسناد صحيح من حديث عمر بن الخطاب بلفظ إذا كنتم ثلاثة من سفر ، فأمروا أحدكم ، ذاك أمير ، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم .


وأخرج البزار أيضا " بإسناد صحيح ، من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا " ، بلفظ إذا كانوا ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم - وأخرجه بهذا اللفظ الطبراني من حديث ابن مسعود ، بإسناد صحيح ، وهذه الأحاديث يشهد بعضها لبعض ( 3 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح مسلم بشرح النووي - دار الكتب العلمية - بيروت 1983 ) 12 / 240 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 230 .
( 3 ) محمد بن علي بن محمد الشوكاني : نيل الأوطار - شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار 8 / 255 - 256 ( دار الكتب العلمية - بيروت - نسخة قوبلت على طبعة المطبعة الأميرية القاهرة 1297 ه‍ ) . ( * )

 

 

 ص 36

هذا وقد سكت أبو داود والمنذري عن حديث أبي سعيد وأبي هريرة ، وكلاهما رجالهما رجال الصحيح ، إلا علي بن بحر ، وهو ثقة ، ولفظ حديث أبي هريرة إذا خرج ثلاثة في سفر ، فليؤمروا أحدهم ، وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدا " ، أن يؤمروا عليهم أحدهم ، لأن في ذلك السلامة من الخلاف ، الذي يؤدي إلى التلاف ، فمع عدم التأمير يستبد كل واحد برأيه ، ويفعل ما يطابق هواه فيهلكون ، ومع التأمير يقل الخلاف ، وتجتمع الكلمة .


وبديهي أنه إذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون ، فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ، ويحتاجون لدفع التظالم ، وفصل التخاصم ، أولى وأحرى ، ومن ثم ففي هذا دليل لقول من قال : إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام .


هذا وقد ذهب الأكثر إلى أن الإمامة واجبة ، لكنهم اختلفوا : هل الوجوب عقلا " أم شرعا " ؟ فعند العترة ، وأكثر المعتزلة والأشعرية ، تجب شرعا " ، وعند الإمامية تجب عقلا " فقط ، وعند الجاحظ ، والبلخي ، والحسن البصري ، تجب عقلا " وشرعا " ، وعند ضرار ، والأصم ، وهشام القوطي والنجدات لا تجب ( 1 ) .


ويقول الإمام علي رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة في رده على الخوارج - كما أشرنا من قبل - أنه لا بد للناس من أمير - بر أو فاجر - يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويجمع به الفئ ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح بر ، أو يستراح في فاجر .

وقال : أما لإمرة البرة فيعمل فيها التقي ، وأما الإمرة الفاجرة فيتمتع فيها الشقي ، إلى أن تنقطع مدته ، وتدركه منيته ( 2 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) نيل الأوطار 8 / 256 .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 2 / 307 ( دار الفكر - بيروت - الطبعة الثالثة - 1973 ) . ( * )

 

 

 ص 37

ويقول القرطبي : إن الإمام إنما نصب لدفع العدو ، وحماية البيضة ، وسد الخلل ، واستخراج الحقوق وإقامة الحدود ، وجباية الأموال لبيت المال ، وقسمتها على أهلها ( 1 ) .

ويقول ابن تيمية : يجب أن يعرف أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها ، فإن بني آدم لا تتم مصالحهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس ( 2 ) ، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا خرج ثلاثة من سفر ، فليؤمروا أحدهم - رواه أبو داود عن نافع عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري - ( 3 ) .

وروى أبو داود أيضا " عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان ثلاثة في سفر ، فليؤمروا أحدهم ، قال نافع : فقلنا لأبي سلمة : فأنت أميرنا ( 4 ) .


ومن ثم فقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر ، تنبيها " بذلك على سائر أنواع الاجتماع ، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة ، وكذلك سائر ما أوجبه - من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ، ونصر المظلوم - وإقامة الحدود ، لا تتم إلا بالقوة والإمارة .

ومن ثم فقد روى أن السلطان ظل الله في الأرض ( 5 ) ، كما قيل : ستون

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير القرطبي ص 232 .
( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 160 ( مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - 1379 ه‍ / 1960 ) .
( 3 ) سنن أبي داود 2 / 34 ( ط الحلبي - القاهرة 1952 ) .
( 4 ) سنن أبي داود 2 / 34 .
( 5 ) يجب أن يكون واضحا " أن هذا لا يعني أبدا " ، أن الخلافة الإسلامية إنما كانت تمثل حكومة ثيوقراطية ( دينية ) ، كما أنها لم تكن حكومة أرستقراطية ( حكومة الخاصة ) ولا حكومة ديمقراطية =>

 

 

 ص 38

سنة من إمام جائر ، أصلح من ليلة بلا سلطان ، والتجربة تبين ذلك ، ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياض ، وأحمد بن حنبل وغيرهما يقولون : لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان ( 1 ) .
 

ويقول ابن حزم الأندلسي ( 384 - 456 ه‍ / 994 - 1064 م ) - من أئمة الظاهرية - اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة ، وجميع الشيعة ، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة ، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل ، يقيم فيها أحكام الله ،

ويسوسهم بأحكام الشريعة ، التي أتى بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حاشا النجدات من الخوارج ( أصحاب نجدة بن عامر الحروري - أحد بني حنيفة ) ( 2 ) ، فإنهم قالوا : لا يلزم الناس فرض الإمام ، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم ،

  * هامش *  
 

=> ( حكومة الشعب ) ، وإنما كانت حكومة شورى ، والخليفة فيها حاكم سياسي يجمع بين السلطتين الزمنية والدينية أو الروحية ، ولا تتعدى وظيفته الدينية المحافظة على الدين ، ويستطيع باعتباره حامي الدين أن يعلن الحرب على الكفار ، ويعاقب الخارجين على الدين ،

ويؤم الناس في الصلاة ، ويلقي خطبة الجمعة ، كما أن الخليفة لم يكن يستمد سلطة الحكم من الله تعالى ، بل من الذين بايعوه ، وقد انقضى نزول الوحي ، منذ اختار الله رسوله إليه ، وبقي كتاب الله بين المسلمين هدى لهم جميعا " وحجة عليهم جميعا " ، فهو ميثاقهم الذي آمنوا به

وارتضوه ، وهو دستور الحكم ، يسير الحاكم في حدوده لا يتعداه ، فإن فعل وجبت طاعته ، وإلا فلا طاعة له على مسلم . وهكذا فحكومة الإسلام لم تعرف السلطان المطلق ، ولم يكن للكهنة وجود فيها ، ولا يمكن أن تكون حكومة ثيوقراطية اللون ، وهي لم تكن حكومة أستقراطية ، ولم يكن استئثار المهاجرين والأنصار باختيار الخليفة من الأستقراطية في شئ ، فقد كان هؤلاء رجالات من طبقات شتى ،

وهم إنما استأثروا بالأمر ، صونا " للنظام القائم ، ودفاعا " عنه : ثم إنهم كانوا طبقة مؤقتة تزول بزوال أفرادها ، لا يرثها أحد ، ولا تقوم مقامها طبقة أخرى ، كما أنها لم تكن حكومة ديمقراطية ( حكومة الشعب ) لأن الشعب لا يملك أن يقرر ما يشاء ، إن كان ما يشاء يتعارض

مع كتاب الله ، وسنة رسوله ، ومن ثم فهي حكومة شورى بين المسلمين ، الناس فيها سواسية كأسنان المشط ، ورأسها الأعلى يعلن أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإن عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي عليكم ( حسن إبراهيم : تاريخ الإسلام السياسي 1 / 429 د محمد حسين هيكل الصديق أبو بكر ص 335 ، 337 ) .
( 1 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 160 - 161 .
( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ( أنظر عن النجدات ص 87 - 90 ) . ( * )

 

 

 ص 39

وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد ، وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي ، القائم باليمامة ( 1 ) .

ويقول ابن خلدون : أن نصب الإمام واجب ، قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين ، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عند وفاته ، بادروا إلى بيعة أبي بكر ، رضي الله عنه ، وتسليم النظر إليه في أمورهم ، وكذا في كل عصر من بعد ذلك ، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار ، واستقر ذلك إجماعا " ، دالا " على وجوب نصب الإمام .


وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل ، وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه ، قالوا : وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر ، واستحالة حياتهم ، ووجودهم منفردين ، ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام

الأغراض ، فما لم يكن الحاكم الوازع أفضى ذلك إلى الهرج المؤذن بهلاك البشر وانقطاعهم ، مع أن حفظ النوع من مقاصد الشرع الضرورية ، وهذا المعنى هو الذي لحظه الحكماء في وجوب النبوءات في البشر ، وقد نبهنا على فساده ، وأن إحدى

مقدماته أن الوازع إنما يكون بسطوة الملك ، وقهر أهل الشوكة ، أو لم يكن شرع ، كما في أمم المجوس ، وغيرهم ممن ليس له كتاب ، أو لم تبلغه الدعوة .


أو نقول يكفي في دفع التنازع معرفة كل واحد بتحريم الظلم عليه ، بحكم العقل ، فادعاؤهم أن ارتفاع التنازع إنما يكون بوجود الشرع هنا ، ونصب الإمام هنا غير صحيح ، بل كما يكون بنصب الإمام ، يكون بوجود الرؤساء وأهل الشوكة ، أو بامتناع الناس عن التنازع والتظالم ، فلا ينهض دليلهم العقلي المبني على هذه المقدمة ، فدل على أن مدرك وجوبه إنما هو بالشرع ، وهو الإجماع الذي قدمناه .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن حزم : الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 106 . ( * )

 

 

 ص 40

وقد شذ بعض الناس ، فقال بعدم وجود هذا النصب رأسا " ، لا بالعقل ولا بالشرع ، ومنهم الأصم من المعتزلة وبعض الخوارج وغيرهم ، والواجب عند هؤلاء ، إنما هو إمضاء لحكم الشرع ، فإذا تواطأت الأمة على العدل ، وتنفيذ أحكام الله تعالى ، لم يحتج إلى إمام ، ولا يجب نصبه ، وهؤلاء محجوجون بالإجماع ( 1 ) .


هذا ويقول القلقشندي ( 756 - 821 ه‍ ) : اختلف العلماء في أصل وجوب الإمامة ( 2 ) ، فذهب قوم إلى أن وجوبها ثابت بالعقل ، لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ، ويفصل بينهم عند التنازع ، ولو لا ذلك لكانوا فوضى مهملين ، وقد قال الأفوه الأودي - وهو شاعر جاهلي - :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهالهم سادوا ( 3 )


وذهب آخرون إلى أنها إنما وجبت بالشرع ، ولا أثر للعقل في ذلك ، لأن الإمام إنما يقوم بأمور شرعية ، كان يجوز في العقل أن لا يرد التعبد بها ، فلم يكن العقل موجبا " لها .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 191 - 192 ( دار القلم - بيروت 1981 ) .
( 2 ) القلقشندي : هو القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي ، ولد في عام 756 ه‍ ( 1353 م ) في قرية قلقشندة مركز قليوب بمحافظة القليوبية ، واشتغل بالفقه وغيره ، ومهر في الأدب ، وبرع في العربية نظما " ونثرا " وكتب في الإنشاء ، وناب في الحكم ،

وعاش مفضالا " وقورا " ، وكان متواضعا " ، ذا مروءة ، إلى أن توفي يوم السبت عاشر جمادى الآخرة سنة 821 ه‍ ( 1418 م ) ، وأما أشهر مؤلفاته فهي صبح الأعشى في صناعة الإنشا ، وقد أورد فيه ما يحتاجه الكاتب من الفنون والعلوم ، فهو دائرة معارف تنتظم كل ما

كان يعرفه معاصروه ، وله قيمته الكبيرة فيما يتصل بتاريخ مصر والشام وجغرافيتهما ، كما ألف القلقشندي أيضا " نهاية الأرب في معرفة قبائل العرب ثم كتابه الذي نرجع إليه الآن في موضوع الخلافة وعنوانه مآثر الإنافة في معالم الخلافة ، وقام بتحقيقه عبد الستار أحمد فراج

، ونشرته وزارة الإرشاد الكويتية في ثلاثة أجزاء - عام 1964 ، وأما أصل القلقشندي فهو عربي من قبيلة فزارة من ذبيان من غطفان ، وانظر عنه ( عبد اللطيف حمزة : القلقشندي ( رقم 12 من أعلام العرب ) ، شذرات الذهب 7 / 149 ، مقدمة كتبه ) .
( 3 ) ديوان الأفوه : الطرائف الأدبية ص 12 . ( * )

 

 

 ص 41

وقد احتج لذلك بأنه لا بد للأمة من إمام يقيم الدين ، وينصر السنة ، وينصف المظلومين من الظالمين ، ويستوفي الحقوق ، ويضعها مواضعها ،

يقول الماوردي : وهي فرض كفاية ، كالجهاد وطلب العلم ، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط فرضها على كافة الناس ، لأن فرضها على الكفاية ، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان ، أحدهما : أهل الاختيار ، حتى يختاروا للناس إماما " ، والثاني : أهل الإمامة ، حتى ينتصب أحدهم للإمامة ، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة جرح ولا مأثم ( 1 ) .


وقال النووي في روضته فإن لم يكن من يصلح ، إلا واحد ، تعينت عليه ، ولزمه طلبها ، إن لم يبتدوه ( 2 ) .


ومن هنا تنكشف الضرورة الملحة في نصب الإمام بما ذكر من حكم العقل ، ومن ثم فقد بادر الأصحاب إلى نصب الخليفة ، فقالت الأنصار : منا الخليفة ، واحتج المهاجرون عليهم بالقرابة ، كما بادر قسم آخر من الأنصار ، وقالوا : منا أمير ، ومنكم أمير ، وقال بنو هاشم - ويؤيدهم جمع كبير من المسلمين - : ليس لها إلا أبو حسن ، الإمام علي ، صاحب الوصية ، وكل هذه الأقوال ، إنما تكشف جميعا " عن الباعث العقلي لهم على نصب الخليفة .


هذا فضلا " عن اختلافهم كان ممن يختار الخليفة : من بني هاشم ؟ أم من الأنصار ؟ أم من المهاجرين ؟ ولم يناقش أحد منهم ضرورة نصب الإمام ، وذلك لوجود الحاجة الماسة إلى ذلك ، فضلا " عن أنها ضرورة يدرك العقل مدى الحاجة الشديدة إليها .

على أن هناك من يرى أن الإمامة - أو الخلافة - ليست واجبة ، وإلا ما

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الماوردي : الأحكام السلطانية ص 5 - 6 .
( 2 ) القلقشندي : مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الجزء الأول - الكويت 1964 ص 29 - 31 . ( * )

 

 

 ص 42

تركت لاختيار الناس ، يقول الشيخ الأصم - ومن تابعه على رأيه - إن نصب الإمام غير واجب في الدين ، وإن كان سائغا " ، فمتى استطاعت الأمة أن تقيم حجها وجهادها ، وأن تتناصف فيما بينها ، وأن تبذل الحق من أنفسها ، وأن تقسم الغنائم والفئ والزكوات على أهلها ، وأن تقيم الحدود يمكن من وجبت عليه الحدود ، فإن ذلك يجزئهم ، ولا يجب عليهم نصب إمام يتولى ذلك منهم ( 1 ) .


وقد اعتمد بعض من رأوا أن الخلافة ليست واجبة ، على أنه ليس في القرآن ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يشير إلى نظام معين في اختيار الخليفة ، مما يشير إلى أن للأمة مطلق الحرية في اختيار الخليفة ، ومن النظام الذي يتبع في اختياره ، ما دام ذلك في إطار الدين ، وفي حدود كتاب الله ، وسنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .


ومن ثم يذهب الدكتور صبحي الصالح إلى أن كل من ظن المسلمون به خيرا " ، لا ضير أن يتولى أمرهم ، ويوجه حياتهم الدنيوية ، وإن كان سرعان ما يعقب على كلامه بهذا الاستثناء ، فيقول : غير أننا إذا رجعنا إلى التاريخ نستنطق فلسفة الأحداث فيه ، لا حظنا أن الطريقة التي انتخب بها بعض الخلفاء ، كان دون ما قصد ، سببا " من أسباب استمرار الخلاف لأسباب شخصية ، وأخرى قبلية ، لا تزال فيها نعرة جاهلية ( 2 ) .


ولعل أشهر الدراسات التي ظهرت في العصر الحديث - والتي تعارض وجوب نصب الإمام - إنما هي كتاب الإسلام وأصول الحكم - بحث في الخلافة والحكومة في الإسلام ( 3 ) - عام 1925 م ، وقد أصدره الشيخ علي

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد حسن الباقوري : مع القرآن - القاهرة 1970 ص 4 .
( 2 ) صبحي الصالح : النظم الإسلامية : نشأتها وتطورها ص 85 .
( 3 ) ربما لم يثر كتاب في العصر الحديث ضجة كالتي أحدثها كتاب الإسلام وأصول الحكم ذلك =>

 

 

 ص 43

عبد الرازق - القاضي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية - . وكانت الفكرة الجوهرية في الكتاب - بل الخطيرة - هي دعوى الشيخ علي عبد الرازق أن الإسلام دين ، لا دولة ، ورسالة روحية ، لا علاقة لها بالحكومة والسياسة الدنيوية ،

وعمارة الكون ، وتنظيم المجتمعات ، وأن نبي الإسلام - محمدا "- صلى الله عليه وسلم ، لم يؤسس دولة ، ولم يرأس حكومة ، ولم يسس مجتمعا " ، ولم يدع إلى شئ من ذلك ، بل كان رسولا " فقط ، ما عليه إلا البلاغ . ولما كان الأمر كذلك ،

فليس للإسلام رأي - يجب علينا أن نلتمسه من مصادر الدين وأصوله - في نوع الحكومة ، فلا رأي للإسلام في هذا الموضوع ، وعلى المسلمين - كأمة أو أمم - أن يلتمسوا لسياستهم الحكومة الصالحة ، بمعايير العقل والمصلحة والتجريب ، دون أن يقيموا وزنا " لدعوة القائلين

  * هامش *  
 

=> أن تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ( 1298 - 1351 ه‍ / 1880 - 1938 م ) ألغت الخلافة في 22 رجب عام 1342 ه‍ ( 3 مارس 1924 م ) ، وبالتالي أصبح العالم الإسلامي - ولأول مرة في تاريخه - يخلو ممن يحمل لقب الخليفة أو حتى سلطان المسلمين ، ومن

ثم فقد تحركت قوى إسلامية لاحتلال المنصب ، ومنها ملك مصر أحمد فؤاد ( 1284 - 1355 ه‍ / 1869 - 1936 م ) بغية أن يصبح الخليفة ، وقامت لجان في المدن والقرى المصرية تدعو لذلك . وفي هذا الوقت صدر هذا الكتاب ، والذي لم يكن بحثا " أكاديميا " من أبحاث

السياسة أو علم الكلام ، وإنما كان بالدرجة الأولى جهدا " سياسيا " في معركة سياسية ضارية ، وتحديا " لملك ، ومناوئة لقطاعات عريضة وخطيرة في العالم الإسلامي كما أفسد على الاستعمار البريطاني فرصة الإفادة من لعبة الخلافة هذه . وهكذا تحركت قوى كبرى - الملك

والأزهر والاستعمار البريطاني - لمحاربة الشيخ على عبد الرازق ، وفي نفس الوقت وقف معه حزب الوفد بزعامة سعد زغلول باشا ( 1273 - 1346 ه‍ / 1857 - 1927 م ) ،

والكتاب الأحرار - وعلى رأسهم عباس محمود العقاد ( 1306 - 1384 ه‍ / 1889 - 1964 م ) ومحمد حسين هيكل باشا ( 1305 - 1375 ه‍ ( 1888 - 1956 م ) وأحمد حافظ عوض بك ( 1294 - 1370 ه‍ / 1877 - 1950 م ) ، وانتهت الأمور بصدور حكم هيئة كبار

العلماء بالأزهر في 22 محرم 1344 ه‍ / ( 12 / أغسطس 1925 م ) بإخراج الشيخ عبد الرازق من زمرة العلماء ، كما فصل من وظيفته ، فضلا " عن عزل وزير الحقانية ورئيس حزب الأحرار عبد العزيز فهمي باشا ( 1287 - 1370 ه‍ / 1870 - 1951 م ) والكتاب صدر في عام 1925 م ، ثم صدرت له طبعة في بيروت عام 1966 م ، وفي نوفمبر 1971 م نشرت مجلة الطليعة المصرية نصه الكامل . ( * )

 

 

 ص 44

بحكومة إسلامية ، ومن يتصورون أن هذه الحكومة الإسلامية ، هي نظام الخلافة بالذات ويقول : علي عبد الرازق ( 1 ) .

إن الناس لا يصلحون فوضى لا سراة لهم ، ويمكن أن يقال : إن المسلمين - إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم - كانوا كغيرهم من أمم العالم كله ، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم ، وترعى شؤونهم ، في أي صورة كانت الحكومة ، ومن أي نوع - مطلقة أو مقيدة ، فردية أو جمهورية ، استبدادية أو دستورية أو شورية ، ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية -

ومعاذ الله أن يجعل عز هذا الدين وذله ، منوطين بنوع من الحكومة ، ولا بصنف من الأمراء ، ولا يريد الله جل شأنه لعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة ، ولا تحت رحمة الخلفاء ( 1 ) .


ثم يذهب صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم إلى أنه لم ينعقد بين المسلمين - صحابة أو غيرهم - إجماع على وجوب نصب الإمام ، بالمعنى الذي اصطلح الفقهاء على تسميته بالخليفة ، وأنه في ذلك إنما يقف في صف جماعة

  * هامش *  
 

( 1 ) ولد علي عبد الرازق ( 1305 - 1386 ه‍ / 1887 - 1966 م ) في أبو جرج بمحافظة المنيا ، من أسرة ذات مكانة في الغنى والعلم والنفوذ ، كما كان بيت الأسرة في القاهرة ندوة لصفوة المفكرين كالشيخ محمد عبده ( 1266 - 1324 ه‍ / 1849 - 1905 م )

وأحمد لطفي السيد باشا ( 1289 - 1383 ه‍ / 1872 - 1963 م ) وغيرهم . و كان قد التحق بالأزهر ، بعد حفظه للقرآن الكريم - وعندما أنشئت الجامعة المصرية عام 1908 م ، التحق بها وجمع بين الدراسة في الجامعة والأزهر ، وفي عام 1912 م حصل على العالمية من

الأزهر ، ثم سافر إلى إنجلترا على نفقته للدراسة ، ولكنه عاد إلى مصر عام 1915 م بسبب الحرب العالمية الأولى ، وفي عام 1915 عين قاضيا " شرعيا " ، واستمر في القضاء حتى أصدر كتابه الإسلام وأصول الحكم ففصل من عمله ، حيث كان قاضيا " بمحكمة المنصورة ،

تنفيذا " لقرار هيئة كبار العلماء ، الصادر في 22 محرم عام 1344 ه‍ ( 12 أغسطس 1925 ) وعندما أصبح أخوه الشيخ مصطفى عبد الرازق باشا ( 1302 - 1366 ه‍ / 1885 - 1946 م ) شيخا " للأزهر عام 1945 م ، أعاد الأزهر للشيخ علي عبد الرازق اعتباره ،

فدخل ثانية في زمرة العلماء وفي 28 دسمبر 1948 م أصبح وزيرا " للأوقاف ، كما شغل عضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ وعين عضوا " بمجمع اللغة العربية ، ثم توفي في 7 جمادى الثاني 1386 ه‍ - ( 23 سبتمبر 1966 م ) ( أنظر : محمد عمارة : معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989 م ) . ( * )

 

 

 ص 45

غير قليلة من أهل القبلة ، ومن سلف هذه الأمة وعلمائها الصالحين ، الذين لا يمكن الطعن في دينهم ، ولا في علمهم . ثم يقول بعد ذلك : وليس صحيحا " أننا ننكر إجماع الصحابة على أنه لا بد لأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا ، بل إنه لا بد لأمة منظمة - مهما كان معتقدها ، ومهما كان جنسها ولونها ولسانها - من حكومة تباشر شؤونها ، وتقوم بضبط الأمر فيها ،

وأن الناس لا يصلحون فوضى ، لا سراة لهم ولعل أبا بكر رضي الله عنه إنما كان يشير إلى ذلك الرأي - حين قال في خطبته لا بد لهذا الدين ممن يقوم به ، ولعل الكتاب الكريم ينحو ذلك المنحى أحيانا " ( 1 ) .


هذا ويمكن حينئذ أن يقال بحق : إن المسلمين ، إذا اعتبرناهم جماعة منفصلين وحدهم ، كانوا كغيرهم من أمم العالم كله ، محتاجين إلى حكومة تضبط أمورهم وترعى شؤونهم ، إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة - أو الخلافة - ذلك المعنى الذي يريده

علماء السياسة بالحكومة ، كان صحيحا " ما يقولون : من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة بمعنى الحكومة ، في أي صورة كانت الحكومة ، أما إذا أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفونه ، فدليلهم أقصر من دعواهم ، وحجتهم غير ناهضة ( 2 ) .


ثم ينكر الشيخ علي عبد الرازق وجود أدلة على الخلافة في القرآن الكريم ، وفي الحديث النبوي الشريف فيقول : إنه لعجب أن تأخذ بيدك كتاب الله الكريم ، وتراجع النظر فيما بين فاتحته وسورة الناس ، فترى فيه تصريف كل مثل ، وتفصيل كل شئ من أمر هذا الدين * ( ما فرطنا في الكتاب من

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد عمارة : معركة الإسلام وأصول الحكم - دار الشروق - القاهرة 1989 ص 25 ،
علي عبد الرازق : الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1925 م ص 34 - 35 ، 38 .
( 2 ) علي عبد الرازق : الإسلام وأصول الحكم ص 33 . ( * )

 

 

 ص 46

 شئ ) * ( 1 ) ، ثم لا تجد فيه ذكرا " لتلك الإمامة العامة أو الخلافة ، إن في ذلك لمجالا للمقال ( 2 ) .

وفي الواقع ، فإن اتجاه المؤلف غير صحيح ، وقد قدمنا من قبل الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية الشريفة التي اعتمد عليها العلماء في وجوب نصب الإمام ( 3 ) .

هذا إلى أنه حقيقة : أن في القرآن بيان كل شئ من أمور الدين وأحكام الواقع ، ولكن ليس معنى هذا التبيان أنه يذكر أحكام الأشياء على وجه التفصيل ، حتى إذا رجعنا إليه في قضية ، ولم نجد لها حكما " مفصلا " ، خالطت قلوبنا الريبة من حكمها الذي دلت عليه السنة ، أو انعقد عليه إجماع أهل العلم ، أو شهدت به القواعد المسلمة .


وإنما معنى تبيان لكل شئ : أنه أتى بكليات عامة ، وهي معظم ما نزل به ، وفصل بعض أحكام ، وأحال كثيرا " من آياته على بيان السنة النبوية ، ثم إن الكتاب والسنة أرشدا إلى أصول أخرى ، كالإجماع والقياس وغيرهما من القواعد المستفادة من استقراء جزئيات كثيرة ، كقاعدة المصالح المرسلة ، وقاعدة سد الذرائع ، قال أبو إسحاق الشاطبي في كتابة الموافقات : تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي ، لا جزئي .


وإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها المعنوية ، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال ، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات ومكمل كل واحد منها ، وهذا كله ظاهر أيضا " ، فالخارج من الأدلة عن الكتاب هو السنة

 

* هامش *

 
 

( 1 ) سورة الأنعام : آية 38 .
( 2 ) علي عبد الرازق المرجع السابق ص 35 ، محمد عمارة : المرجع السابق ص 99 .
( 3 ) أنظر : ( سورة البقرة : آية 30 ، سورة النور : آية 55 سورة ص : آية 26 ) ،
وانظر ( صحيح مسلم 12 / 230 ، 12 / 240 ، نيل الأوطار للشوكاني 8 / 255 - 256 ، سنن أبي داود 2 / 34 . ( * )

 

 

 ص 47

والإجماع والقياس ، وجميع ذلك ، إنما نشأ عن القرآن ( 1 ) .

وأما قول المؤلف أننا لا نجد في الأحاديث - بعد كل ذلك - ما ينهض دليلا " لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية ، وحكما " من أحكام الدين ( 2 ) .


فالواقع أن العلماء ما قالوا إن الخلافة من قبيل العقائد ، وأنما هي فرع من فروع الشريعة - كسائر أحكامها العملية ، قال سعد الدين التفتازاني ( 712 - 789 ه‍ / 1312 - 1389 م ) في شرح المقاصد : إن مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق ، لرجوعها

إلى أن القيام بالإمامة ، من نصب الإمام الموصوف بالصفات المخصوصة من فروض الكفايات ، ولا يخفى أن ذلك من الأحكام العملية - دون الاعتقادية - وقد ذكر في كتبنا الفقهية : أنه لا بد للأمة من إمام ، يحيي الدين ، ويقيم السنة ، وينتصف

للمظلومين ، ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها . ثم قال : ولكن لما شاعت بين الناس في باب الإمامة ، اعتقادات فاسدة واختلافات باردة . . . ومالت كل فئة إلى تعصبات تكاد تفضي إلى رفض كثير من قواعد الإسلام ، ونقض عقائد المسلمين ، والقدح في الخلفاء الراشدين . . . ألحق المتكلمون هذا الباب بأبواب الكلام ( 3 ) .


وقال السيد في شرح خطبة المواقف : إن الإمامة - وإن كانت من فروع الدين - فقد ألحقت بأصوله ، دفعا " لخرافات أهل البدع والأهواء ، وصونا " للأئمة المهديين عن مطاعنهم ، لئلا يفضي بالقاصرين إلى سوء اعتقاد فيهم - وهكذا

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد عمارة : المرجع السابق ص 241 - 242 ، أبو إسحاق الشاطبي : الموافقات 3 / 194 - 195 ( المطبعة التونسية ) .
( 2 ) علي عبد الرازق : الإسلام وأصول الحكم ص 18 .
( 3 ) سعد الدين التفتازاني : شرح المقاصد 1 / 199 ( طبع الآستانة ) ، محمد عمارة ، المرجع السابق ص 244 .

 

 

 ص 48

يبدو واضحا " أن الخلافة ليست من نوع العقائد ، وإنما حشروها في علم الكلام ، للعذر الذي أبداه شارح المقاصد وشارح المواقف ( 1 ) .

ومن ثم فقد استقر الرأي في علم الكلام الإسلامي ، على أن مباحث الخلافة - الإمامة - الدولة ، إنما هي من الفروع ، وليست من عقائد الدين ، ولا من أصوله ، ومن ثم فإن الخلاف والاختلاف فيها أليق به أوصاف الخطأ والصواب ، والضرر والنفع - وليس الكفر والإيمان أو الإلحاد ( 2 ) - إلخ إلخ .


يقول ابن جميع في عقيدة التوحيد : إن الإمامة مستخرجة من الرأي ، وليست مستخرجة من الكتاب أو السنة ( 3 ) ،

ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني : إن الكلام في الإمامة ، ليس من أصول الاعتقاد ( 4 ) ،

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي ( 450 - 505 ه‍ / 1058 - 1111 م ) : إن نظرية الإمام ليست من المهمات ، وليست من فن المعقولات فيها ، بل من الفقهيات ( 5 ) .


ويقول الإمام ابن تيمية ( 661 - 728 ه‍ / 1263 - 1328 م ) : إن الإمامة ليست من الأركان الخمسة ، ولا من أركان الإيمان الستة ، ولا هي من أركان الإحسان ( 6 ) ، وفوق ذلك ، وتبعا " له ، يقول الغزالي : والعلم أن الخطأ في أصل الإمامة تعيينها وشروطها وما يتعلق بها ، لا يوجب شئ منه الكفر ( 7 ) .


ويقول شيخ الأزهر محمد الخضر حسين ( 1293 - 1377 ه‍ / 1876 -

 

* هامش *

 
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 244 .
( 2 ) نفس المرجع السابق ص 204 .
( 3 ) أبو حفص عمر بن جميع : عقيدة التوحيد - القاهرة 1353 ه‍ - ص 506 .
( 4 ) الجويني : الإرشاد - القاهرة 1950 ص 410 .
( 5 ) الإمام الغزالي : الاقتصاد في الاعتقاد ص 134 ( ط صبيح - القاهرة ) .
( 6 ) ابن تيمية : منهاج السنة 1 / 70 - 72 ( القاهرة 1962 ) .
( 7 ) الغزالي : فصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص 15 ( القاهرة 1907 ) . ( * )

 

 

 ص 49

 1958 م ) في كتابه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم : إن الخلافة ليست من نوع العقائد ، والبحث فيها يرجع إلى النظر في حكم عملي ، لا في عقيدة من عقائد الدين ، ومن ثم فيكتفي من مسندها بالأدلة المفيدة ظنا " راجحا " ( 1 ) .


بقيت الإشارة إلى أن كتاب الشيخ علي عبد الرازق ( الإسلام وأصول الحكم ) إنما كان سببا " في صدور عدة دراسات جادة وهامة ، حول القضية التي عالجها - علاقة الدين بالدولة - وكان من أهمها :

 1 - كتاب الشيخ محمد رشيد رضا ( 1282 - 1354 ه‍ / 1865 - 1935 م ) الخلافة أو الإمامة العظمى ، حول إلغاء الخلافة العثمانية - وقد صدر هذا الكتاب قبيل صدور كتاب الإسلام وأصول الحكم 1925 م .

 2 - كتاب شيخ الأزهر الشيخ محمد الخضر حسين ( 1292 - 1377 ه‍ / 1875 - 1958 م ) ، ردا " على كتاب الشيخ علي عبد الرزاق ، وعنوانه نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم وقد صدر عام 1344 ه‍ / 1926 م .

 3 - كتاب الشيخ محمد بخيت المطيعي ( 1271 - 1354 ه‍ / 1854 - 1935 م ) - مفتي الديار المصرية ، وعنوانه حقيقة الإسلام وأصول الحكم ، وقد صدر عام 1344 ه‍ / 1926 م ، ردا " على كتاب الشيخ علي عبد الرازق .

هذا فضلا " عن مجموعة من المقالات العلمية الجادة شارك أصحابها في هذه المعركة الفكرية مؤيدين أو معارضين - للشيخ علي عبد الرازق .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد الخضر حسين : نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم - القاهرة 1926 ص 33 ، وانظر ص 74 - 75 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب