- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 50 -

ثالثا " : اختيار الإمام


اختلفت المذاهب الإسلامية فيمن يشغل منصب الخلافة ، فذهب فريق من العلماء إلى أن الأمة إنما تختار من تشاء ، متى رأوا فيه القدرة على حراسة الدين ، وسياسة الدنيا ، لا فرق بين قريشي وغيره ، وهذا كان رأي غالبية الأنصار ، حين رأوا في اجتماع السقيفة أن يبايعوا سعد بن عبادة ، قبل بيعة أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهما ، وقد أخذ بهذا الرأي - فيما بعد - المعتزلة ، وأكثر الخوارج ، وجماعة من الزيدية .


وقد احتج هذا الفريق بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه ، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن يعصني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير ، فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ( 1 ) .


وروى مسلم أيضا " في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع ، وإن كان عبدا " مجدع الأطراف ( 2 ) .

ومن ثم فقد أجاز الخوارج أن يكون الإمام من غير قريش ( 3 ) ، وأن من

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 12 / 223 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1403 ه‍ / 1983 ) .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 225 .
( 3 ) قال السيوطي : وأخرج عبد الرحمن بن أبزى عن عمر بن الخطاب أنه قال : هذا الأمر ( أي الخلافة ) في أهل بدر ، ما بقي منهم أحد ، ثم في أهل أحد ، ما بقي منهم أحد ، وفي كذا وكذا ، =>

 

 

 ص 51

يستحقها هو من قام بالكتاب والسنة - سواء أكان عربيا " أم أعجميا " - وبالغ ضرار بن عمرو فقال : إن تولية غير القرشي أولى ، لأنه يكون أقل عشيرة ، فإذا عصى أمكن خلعه ( 2 ) ،


قال الشهرستاني : وبدعتهم ( أي الخوارج ) في الإمامة : إذا جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش ، وكل من نصبوه برأيهم ، وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل ، واجتناب الجور ، كان إماما " ، ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه ، وإن غير السيرة ، وعدل عن الحق ، وجب عزله أو قتله ، وهم أشد الناس قولا " بالقياس ، كما جوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا " ، وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدا " أو حرا " أو نبطيا " أو قرشيا " ( 2 ) .


وقال ضرار بن عمرو ( 3 ) : إذا اجتمع حبشي وقرشي ، كلاهما قائم بالكتاب والسنة ، فالواجب أن يقدم الحبشي ، لأنه أسهل لخلعه ، إذا حاد عن الطريقة ( 4 ) .


ويقول البغدادي : وقالوا : من شرط الإمامة النسب إلى قريش - وهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان - على خلاف قول من زعم من الضرارية أن الإمامة تصلح في جميع أصناف العرب ،

وفي الموالي والعجم ، وخلاف قول الخوارج بإمامة زعمائهم الذين كانوا من ربيعة وغيرهم - كنافع بن الأزرق الحنفي ، ونجدة بن عامر الحنفي ، وعبد الله بن وهب الراسبي ، وحرقوص بن زهير البجلي ، وشبيب بن يزيد

 

* هامش *

 
 

=> وليس فيها لطليق ، ولا لولد طليق ، ولا لمسلمة الفتح شئ ( تاريخ الخلفاء ص 144 ) .
( 1 ) ذهب النظام والخوارج و نشوان الحميري وبعض الحشوية ، أنها تصح في جميع الناس مطلقا " فرق في ذلك بين عربي وعجمي وزنجي ( المذهب الزيدي ص 43 ) .
( 2 ) الشهرستاني : الملل والنحل 1 / 116 ( ط الحلبي - القاهرة 1387 ه‍ / 1968 ) .
( 3 ) ضرار بن عمرو : من رجال منتصف القرآن الثاني الهجري ، اختلف في نسبة إلى المعتزلة ، فابن الرواندي يثبت أنه من المعتزلة ، والخياط ينفي ذلك وأنه كان تلميذا " لواصل بن عطاء ، ثم انصرف عنه وأسس الضرارية ، وأنه كان حيا " حوالي عام 180 ه‍ .
( 4 ) ابن حزم الأندلسي : الفصل في الملل والأهواء والنحل 4 / 108 ( ط محمد علي صبيح - القاهرة 1384 ه‍ / 1964 م ) . ( * )

 

 

 ص 52

الشيباني وأمثالهم - عنادا " منهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : الأئمة من قريش ( 1 ) .

ورواية الأئمة من قريش ( 2 ) هذه ، إنما جاءت - كما يقول ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل - عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مجئ التواتر ، رواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، ومعاوية ، وروى جابر بن عبد الله ، وجابر بن سمرة ، وعبادة بن الصامت ، معناها ( 3 ) .


ويقول ابن حزم : ومما يدل على صحة ذلك ، إذعان الأنصار ، رضي الله عنهم يوم السقيفة ، وهم أهل الدار والمنعة والعدة والعدد والسابقة في الإسلام ، ومن المحال أن يتركوا اجتهادهم لاجتهاد غيرهم ، لولا قيام الحجة عليهم ، بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على أن الحق لغيرهم في ذلك ( 4 ) .


ومن ثم فقد ذهب فريق ثان إلى أن الخلفاء من قريش خاصة ، وهذا رأي غالبية المهاجرين ، وقد احتجوا بحديث الأئمة من قريش .

وروى البخاري في صحيحه ( كتاب الأحكام - باب الأمراء من قريش ) بسنده عن معاوية أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن هذا الأمر في قريش ، لا يعاديهم أحد ، إلا كبه الله على وجهه ، ما أقاموا الدين ( 5 ) .

وتابعه نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن محمد بن جبير - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا عاصم بن محمد : سمعت أبي يقول ، قال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال هذا الأمر في قريش ، ما بقي منهم اثنان ( 6 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن حزم الأندلسي : الفصل الملل والأهواء والنحل 4 / 87 - 88 .
( 2 ) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي : الفرق بين الفرق ص 349 ( دار المعرفة - بيروت ) .
( 3 ) أخرجه الطيالسي عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتمام الحديث : الأئمة من قريش ، ما حكموا ، فعدلوا ، ووعدوا فوفوا ، واسترحموا فرحموا ، - وأخرجه الإمام أحمد .
( 4 ) ابن حزم : الملل والأهواء والنحل 4 / 108 .
( 5 ) صحيح البخاري 9 / 77 - 78 .
( 6 ) صحيح البخاري 9 / 78 . ( * )

 

 

 ص 53

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عدة أحاديث ، منها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الناس تبع لقريش في هذا الشأن ، مسلمهم تبع لمسلمهم ، وكافرهم تبع لكافرهم ( 1 ) .

وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه قال : قال عبد الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يزال هذا الأمر في قريش ، ما بقي من الناس اثنان ( 2 ) .


ويقول الإمام النووي ( 3 ) في الشرح : قوله صلى الله عليه وسلم : الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم ، وكافرهم لكافرهم ، وفي رواية : الناس تبع لقريش في الخير والشر ، وفي رواية : لا يزال هذا الأمر في قريش ، ما بقي من الناس اثنان ، وفي رواية البخاري : ما بقي منهم اثنان ، هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش ، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم .


وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة ، وكذلك بعدهم ، ومن خالف فيه من أهل البدع ، أو عرض بخلاف من غيرهم ، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، بالأحاديث الصحيحة .


وقال القاضي : اشتراط كونه ( أي الخليفة ) قرشيا " هو مذهب العلماء كافة ، قال : وقد احتج به أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، على الأنصار يوم السقيفة ، فلم ينكره أحد ، قال القاضي : وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع ، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا ، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار .

وقال : ولا اعتداد بقول النظام ، ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع : أنه يجوز كونه من غير قريش ، ولا بسخافة ضرار بن

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح مسلم 12 / 200 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 201 .
( 3 ) الإمام النووي : صحيح مسلم بشرح النووي - 12 / 199 - 201 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1403 ه‍ / 1983 م ) . ( * )

 

 

 ص 54

عمرو في قوله : إن غير القرشي من النبط وغيرهم ، يقدم على القرشي ، لهوان خلعه ، إن عرض منه أمر ، وهذا الذي قاله من باطل القول وزخرفه ، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين ، والله أعلم .


وأما قوله صلى الله عليه وسلم : الناس تبع لقريش من الخير والشر ، فمعناه في الإسلام والجاهلية ، كما هو مصرح به في الرواية الأولى ، لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب ، وأصحاب حرم الله ، وأهل حج بيت الله ، وكانت العرب تنتظر

إسلامهم ، فلما أسلموا وفتحت مكة ، تبعهم الناس ، وجاءت وفود العرب من كل جهة ، ودخل الناس في دين الله أفواجا " ، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة ، والناس تبع لهم ، ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن هذا الحكم مستمر

إلى آخر الدنيا ، ما بقي من الناس اثنان ، وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم ، فمن زمنه صلى الله عليه وسلم ، إلى الآن ( زمن المؤلف ) ، الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها ، وتبقى كذلك ما بقي اثنان ، كما قاله صلى الله عليه وسلم .


وقال القاضي عياض : استدل أصحاب الشافعي بهذا الحديث على فضيلة الإمام الشافعي ، قال : ولا دلالة فيه لهم لأن المراد ، تقديم قريش في الخلافة فقط .

قال النووي : هو حجة في مزية قريش ، والشافعي قرشي ( 1 ) .

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال : دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعته يقول : إن هذا الأمر لا ينقضي ، حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة ، قال : ثم تكلم بكلام خفي علي قال : فقلت لأبي ما قال : قال : كلهم من قريش ( 2 ) .

وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ،

  * هامش *  
  ( 1 ) الإمام النووي : صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 199 - 201 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1403 ه‍ / 1983 م ) .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 201 . ( * )
 

 

 ص 55

يقول : لا يزال أمر الناس ماضيا " ، ما وليهم اثنا عشر رجلا " ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، بكلمة خفيت علي ، فسألت أبي : ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كلهم من قريش ( 1 ) .

وعن سماك بن حرب قال : سمعت جابر بن سمرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا يزال الإسلام عزيزا " ، إلى اثني عشر خليفة ، ثم قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي ما قال : فقال : كلهم من قريش ( 2 ) .


والحديث صحيح - وقد رواه الشيخان ، كما رواه - كما أشرنا من قبل - الترمذي ( 3 ) وأبو نعيم ( 4 ) والحاكم ( 5 ) وأحمد ( 6 ) والهيتمي ( 7 ) والهيثمي ( 8 ) والسيوطي ( 9 ) ، والمتقي الهندي ( 6 ) .


وروى أو داود الطيالسي بسنده عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الأئمة من قريش ، ما حكموا فعدلوا ، ووعدوا فوفوا ، واسترحموا فرحموا ( 10 ) .


وأخرج الإمام أحمد في مسنده روايات كثيرة ، صحيحة الإسناد تؤدي هذا ، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما بعد ، يا معشر قريش ، فإنكم أهل هذا الأمر ، ما لم تعصوا الله ، فإذا عصيتموه بعث إليكم من يلحاكم ، كما يلحى هذا القضيب - القضيب في يده ، ثم لحا قضيبه ، فإذا هو أبيض يصلد ( 11 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) صحيح مسلم 12 / 202 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 202 ، وانظر روايات أخرى 12 / 202 - 204 .
( 3 ) صحيح الترمذي 2 / 35 .
( 4 ) أبو نعيم الأصفهاني : دلائل النبوة ط 48 - 482 ( ط الباز - مكة المكرمة 1977 م ) .
( 5 ) المستدرك للحاكم 4 / 501 .
( 6 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 389 ، 406 ، 5 / 86 ، 92 ، 99 ، 106 ، 108 .
( 7 ) ابن حجر الهيتمي : الصواعق المحرقة .
( 8 ) الهيثمي : مجمع الزوائد 5 / 190 - 191 .
( 9 ) السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 9 - 11 .
( 10 ) كنز العمال 3 / 205 ، 6 / 160 ، 201
( 11 ) مسند الإمام أحمد - الجزء السادس ( رقم 4380 ) ، الجزء السابع ( رقم 4832 ) ، الجزء الثالث عشر ( رقم 7034 ، 7547 ) .

 

 

 ص 56

هذا ومن المعروف أن المهاجرين قد احتجوا على الأنصار ، بأن الإمامة في قريش ، لأنهم أولياء النبي وعشيرته ، وأحق الناس بالأمر من بعده ، وكما قال لهم عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : إنه والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ، ونبيها من غيركم ، وأن العرب لا تولي هذا الأمر ، إلا من كانت النبوة فيهم ، لا ينازعنا سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة ، ولقد أخذ بهذا الرأي فيما بعد عامة أهل السنة .


هذا وقد نص الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ( كتاب العلم ) في شرح قوله صلى الله عليه وسلم ، من كذب علي متعمدا " ، فليتبوأ مقعده في النار ، على أن حديث الأئمة من قريش متواتر ، - كأحاديث المسح على الخفين ورفع اليدين في الصلاة ، والحوض ، ورؤية الله في الآخرة ، ومن بنى لله مسجدا " وغيرها - ثم أفرد حديث الأئمة من قريش بجزء جمع فيه طرقه عن نحو أربعين صحابيا " ،


وقال في كتاب الأحكام من الفتح الباري ( الجزء 13 ) ما نصه : وإلى اشتراط كون الإمام قرشيا " ، ذهب جمهور أهل العلم . ثم قال : وقال عياض : اشترط كون الإمام قرشيا " مذهب العلماء كافة ، وقد عدوها في مسائل الإجماع ، ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف ، وكذلك من بعدهم في جميع الأمطار ، ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة ( 1 ) ، لما فيه من مخالفة المسلمين ( 2 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) كان القاضي أبو بكر الباقلاني ( ت 403 ه‍ ) ممن نفى اشتراط النسب القرشي ، لما أدرك عليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال ، واستبداد ملوك العجم من الخلفاء ، فأسقط شرط القرشية ، وإن كان موافقا " لرأي الخوارج ، لما رأى حال الخلفاء لعهده ،

وبقي الجمهور على القول باشتراطها ، وصحة الإمامة للقرشي ، ولو كان عاجزا " عن القيام بأمور المسلمين ، ورد عليهم سقوط شرط الكفاية التي يقوم بها على أمره ، لأنه إذ ذهبت الشوكة بذهاب العصبية ، فقد ذهبت الكفاية ، وإذا وقع الإخلال بشرط الكفاية ، تطرق ذلك أيضا " إلى العلم والدين ، وسقط اعتبار شروط هذا المنصب ، وهو خلاف الاجتماع ( مقدمة ابن خلدون ص 194 - 195 ) .

( 2 ) محمد العربي التباني : تحذير العبقري من محاضرات الخضري 1 / 186 - 187 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1404 ه‍ / 1984 ) .

 

 

 ص 57

وليس صحيحا " ما ذهب إليه ابن خلدون ( 1 ) من أن الحكمة من اشتراط النسب القرشي ، إنما هو ما كان لهم من العصبية ، وإنما الصحيح - فيما يرى التباني - هو مقام النبوة - لا العصبية والتقدم - وهي واضحة لكل من رزق فهما " مستقيما " في كلام الصديق - وكذا الفاروق - الذي قيل يوم السقيفة ، احتجاجا " على الأنصار ( 2 ) .


يروي البلاذري في أنساب الأشراف : قال أبو بكر للأنصار : ولن تعرف العرب الأمر ، إلا لهذا الحي من قريش ، وقال صلى الله عليه وسلم ، هذا الشأن بعدي في قريش ( 3 ) ،

وفي رواية الطبري : وإن العرب لا تعرف هذا الأمر ، إلا لهذا الحي من قريش ، وهم أوسط العرب دارا " ونسبا " ( 4 ) .

وقال عمر بن الخطاب : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن . والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ، ونبينا من غيركم ، ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها ، من كانت النبوة فيهم ، ولنا بذلك الحجة الظاهرة ، من ينازعنا سلطان محمد ، ونحن أولياؤه وعشيرته ( 5 ) .

على أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما كان رأيهم أن الخلافة يجب أن تكون في بيت النبوة ، والقدم فيهم ، سيدنا الإمام علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة ، وأبناؤه من السيدة فاطمة الزهراء ، سيدة نساء العالمين ، وبنت النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .


وقالت الشيعة الإثنا عشرية : أن الإمامة خاصة بالإمام علي وولديه - الحسن والحسين - ثم لأولاد الحسين فقط ( 6 ) ، واستدلوا على ذلك بما رواه

  * هامش *  
 

( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 195 - 197 .
( 2 ) محمد العربي التباني : المرجع السابق ص 195 .
( 3 ) البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 584 ( تحقيق محمد حميد الله دار المعارف - القاهرة 1959 ) .
( 4 ) تاريخ الطبري 3 / 205 - 206 ( تحقيق محمد أبو الفضل - دار المعارف - القاهرة 1979 ) .
( 5 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 329 - 330 ( بيروت 11385 ه‍ / 1965 م ) .
( 6 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 37 . ( * )

 

 

 ص 58

مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة ، قال : انطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعي أبي ، فسمعته يقول : لا يزال هذا الدين عزيزا " منيعا " ، إلى اثني عشر خليفة ، فقال كلمة صمنيها الناس ، فقلت لأبي : ما قال ، قال : كلهم من قريش ( 1 ) .

وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : كتبت إلى جابر بن سمرة ، مع غلامي نافع ، أن أخبرني بشئ سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فكتب إلي ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول : لا يزال الدين قائما " حتى تقوم الساعة ، أو يكون عليك اثنا عشر خليفة ، كلهم من قريش ( 2 ) .
 

ومن ثم فإن فكرة الاثني عشر ، فكرة إسلامية عامة - للسنة وللشيعة سواء بسواء - لا تختص بفريق دون الآخر، هذا ويذهب العلامة الحلي إلى أن المراد بـ 12 أميرا " هؤلاء ، إنما هم أئمة الشيعة الاثني عشر ، حيث ثبت بالتواتر : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال لسبطه الإمام الحسين : ابني هذا إمام ، ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمة تسعة ، تاسعهم قائمهم ( 3 ) .


وروى المحب الطبري في ذخائر العقبى : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوما " واحدا " ، لطول الله ذلك اليوم ، حتى يبعث رجلا " من ولدي ، اسمه كاسمي ، فقال سلمان : من أي ولدك يا رسول الله ؟ قال : من ولدي هذا ، وضرب بيده على الحسين ( 4 ) .


وأما حصر الإمامة في الإمام علي وولده ، فلقد أشرنا من قبل أن السنة حصرت الإمامة في قريش ، دون غيرهم ، وقالت الشيعة : أنه ما دام الأمر كذلك ، فبيت النبي صلى الله عليه وسلم ، هو أفضل بيوت قريش قاطبة ، ولولاه لم يكن لها هذا

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 12 / 203 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 203 .
( 3 ) الحلي : شرح التجريد ص 250 ( طبعة العرفان ) .
( 4 ) المحب الطبري : ذخائر العقبى ص 136 ( ط 1356 ه‍ ) . ( * )

 

 

 ص 59

الشأن ، بل لولا محمد وآله ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، لم يكن للعرب تاريخ أو ذكر ( 1 ) .

روى الإمام مسلم في صحيحه ( كتاب الفضائل ) : حدثنا محمد بن مهران الرازي ، ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم ، جميعا " عن الوليد قال ابن مهران ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد ، أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا " من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، و اصطفاني من بني هاشم ( 2 ) .


وأما حصر الأئمة في 12 ، فقد كانت تلك رواية الشيخين ( البخاري ومسلم ) ( 3 ) .

ويذهب السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي - إلى أن المقصود بالخلفاء أو الأمراء الاثني عشر ، إنما هم الأئمة الاثني عشر ( من الإمام علي وحتى الإمام المهدي الحجة ) ( 4 ) والسبب في ذلك أن الأحاديث الشريفة - الآنفة الذكر - لا تنطبق على

الخلفاء الراشدين الأربعة - أو حتى الخمسة بانضمام الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ، إليهم - لكونهم أقل عددا " ، أو خلافة من سواهم من بني أمية أو بني العباس ، لكونهم أكثر عددا " ، فضلا " عن أكثرهم من أهل الفسق والفجور ، كما أنها

لا تنطبق على ما تعتقده سائر فرق الشيعة غير الإمامية كالزيدية والإسماعيلية والفطحية وغيرهم - لكون أئمتهم أقل . ومن ثم فالرأي عند الشيعة الإمامية - أو الاثني عشرية - إنما يراد بهؤلاء

  * هامش *  
 

( 1 ) محمد جواد مغنية : الشيعة في الميزان ص 37 - 38 .
( 2 ) صحيح مسلم 15 / 36 .
( 3 ) صحيح البخاري 9 / 101 ، صحيح مسلم 12 / 202 - 203 .
( 4 ) الأئمة الاثني عشر هم : الإمام علي بن أبي طالب - الإمام الحسن بن علي - الإمام الحسين بن علي - الإمام علي زيد العابدين - الإمام محمد الباقر - الإمام جعفر الصادق - الإمام موسى الكاظم - الإمام علي الرضا - الإمام محمد الجواد - الإمام علي الهادي - الإمام الحسن العسكري - الإمام المهدي الحجة بن الحسن العسكري . ( * )

 

 

 ص 60

الاثني عشر أميرا " أو خليفة ، عترة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو لهم سيدنا الإمام علي ، وآخرهم المهدي الحجة بن الحسن العسكري ، عليهم السلام ( 1 ) .

هذا ويلخص ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ( 2 ) آراء الفرق المختلفة في كون الأئمة من قريش بقوله : اختلف الناس في اشتراط النسب القرشي في الإمامة ، فقال قوم من قدماء أصحابنا ( أي المعتزلة ) : إن النسب ليس شرطا " فيها أصلا " ، وأنها تصلح في القرشي وغير القرشي ، إذا كان فاضلا " مستجمعا " للشرائط المعتبرة ، واجتمعت الكلمة عليه ، وهو قول الخوارج .


وقال أكثر أصحابنا ( المعتزلة ) وأكثر الناس : أن النسب القرشي شرط في الإمامة ، وأنها لا تصلح إلا في العرب خاصة ، ومن العرب في قريش خاصة ، وقال أكثر أصحابنا : معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش ، إن القرشية شرط ، إذا وجد في قريش من يصلح للإمامة ، فإن لم يكن فيها من يصلح ، فليست القرشية شرطا " فيها .


وقال بعض أصحابنا ( المعتزلة ) : معنى الخبر أنه لا تخلو قريش أبدا " ممن يصلح للإمامة ، فأوحوا بهذا الخبر : أن هناك من يصلح للإمامة من قريش في كل عصر وزمان .


وقال معظم الزيدية : إنها في الفاطميين خاصة من الطالبيين ، لا تصلح في غير البطنين ( أبناء الحسن والحسين ) ، ولا تصلح إلا بشرط أن يقوم بها ، ويدعو بها ، ويدعو إليها ، فاضل ، زاهد ، عالم ، شجاع ، سائس ، هذا ومعظم الزيدية يجيز الإمامة في غير الفاطميين ، من ولد علي عليه السلام ، وهو من أقوالهم الشاذة .


وأما الرواندية فقد خصصوها للعباس بن عبد المطلب ، رحمه الله ، من بين

  * هامش *  
 

( 1 ) السيد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي : فضائل الخمسة من الصحاح الستة 2 / 25 - 26 ( مؤسسة الأعلى - بيروت 1393 ه‍ / 1973 م ) .
( 2 ) نهج البلاغة 9 / 77 - 88 ( دار الفكر بيروت 1967 ) . ( * )

 

 

 ص 61

بطون قريش كلها ، وهذا القول ظهر في أيام الخليفة العباسي المنصور ( 136 - 158 ه‍ / 754 - 775 م ) ثم المهدي ( 158 - 169 ه‍ / 775 - 785 م ) .


وأما الشيعة الإمامية ، فقد جعلوها سارية في ولد مولانا الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ، عليه السلام ، في أشخاص مخصوصين ، لا تصلح عندهم لغيرهم . على أن الكيسانية إنما قصروها على محمد بن الحنفية ابن الإمام علي بن أبي طالب ، من السيدة خولة بنت جعفر من بني حنيفة ، ثم في ولده ، ومنهم من نقلها منه إلى ولد غيره ( 1 ) .
 

هذا وقد روى القندوزي في ينابيع المودة حديث جابر بن سمرة ( 2 ) بشأن الاثني عشر خليفة أو أميرا " ، وقال : وفي آخره ، كلهم من بني هاشم ( 3 ) .
 

وروى الحافظ أبو نعيم في الحلية ( 4 ) بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن ، غرسها ربي ، فليوال عليا " من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتد بالأئمة من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، رزقوا فهما " وعلما " ، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، للقاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي .


وعن سلمان الفارسي قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا الحسين على فخذه ، وهو يقبل عينه ، ويقبل فاه ، ويقول : أنت سيد بن سيد ، وأنت إمام ، وابن إمام ، وأنت حجة وابن حجة ، وأنت أبو حجج تسعة ، تاسعهم قائمهم ( 5 ) .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 9 / 86 ( بيروت 1967 ) .
( 2 ) أنظر : صحيح مسلم 12 / 202 - 204 .
( 3 ) سليمان الحنفي القندوزي : ينابيع المودة ص 107 .
( 4 ) أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني : حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - الجز الثالث ص 86 ( دار الفكر - بيروت ) .
( 5 ) الشيخ مهدي السماوي : الإمامة في ضوء الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة 1977 م . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب