|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 62 - |
رابعا " : شروط الإمام
اشترطت
السنة في الإمام شروطا " أربعة : العلم ، والعدالة ، والكفاية ، وسلامة الحواس
والأعضاء
فأما العلم ، فلأنه منفذ أحكام
الله ، ومتى كان جاهلا " ، لا يمكنه تنفيذها .
وأما العدالة ، فلأن منصب
الإمام منصب ديني ، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة ، فأولى
بشروطها فيه .
وأما الكفاءة ، فأن يكون جريئا
" على إقامة الحدود ، واقتحام الحروب ، بصيرا " بها ، كفيلا " بحمل الناس عليها
، عالما " بأحوال الدهاء ، قويا " على معاندة السياسة ، ليصلح له ما أسند إليه
من حماية الدين ، وجهاد العدو ، وإقامة الأحكام ، وتدبير المصالح .
وأخيرا " أن يكون سليم الحواس
والأعضاء ، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل ، ويلحق بذلك العجز عن التصرف ،
لصغر أو شر أو غيرهما .
وهناك شرط خامس ، اختلف فيه - وهو النسب القرشي (
1 ) - وقد ناقشناه من قبل .
على أن الماوردي إنما يرى أنها سبعة
، فيقول : وأما أهل الإمامة ، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة ،
أحدها : العدالة على شروطها الجامعة ،
والثاني : العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر : مقدمة ابن خلدون ص 190 -
196 ( دار القلم - بيروت 1981 ) . ( * )
|
|
|
والثالث : سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ، ليصح معها
مباشرة ما يدرك بها .
والرابع : سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة ، وسرعة النهوض ،
والخامس : الرأي المفضي إلى سياسة الرعية ، وتدبير المصالح .
والسادس : النسب : وهو أن يكون من قريش ، لورود النص فيه ، وانعقاد الإجماع
عليه ، ولا اعتبار ب " ضرار " حين شذ ، فجوزها في جميع الناس ، لأن أبا بكر
الصديق ، رضي الله عنه ، احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة ،
لما بايعوا سعد بن عبادة عليها ، بقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش
، فأقلعوا عن التفرد بها ، ورجعوا عن
المشاركة فيها ، حين قالوا : منا أمير ، ومنكم أمير ، تسليما
" لروايته ، وتصديقا " لخبره ورضوا بقوله : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، وقال
النبي صلى الله عليه وسلم ، قدموا قريشا " ، ولا تقدموها ( 1 ) .
وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن
المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوم الجمعة فقال : يا أيها الناس : قدموا قريشا " ولا تقدموها ، وتعلموا منها ،
ولا تعلموها ، قوة رجل من قريش
تعدل قوة رجلين من غيرهم ، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة
رجلين من غيرهم ، يا أيها الناس ، أوصيكم بحب ذي أقربها ، أخي وابن عمي ، علي
بن أبي طالب فإنه لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق ، من أحبه فقد أحبني
، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني عذبه الله عز وجل ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي :
الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 ( دار الكتب العلمية -
بيروت 1402 ه 1982 ) .
( 2 ) الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل : كتاب
فضائل الصحابة الجزء الثاني - حققه وخرج
أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - ص 622 - 623 ( نشر مركز البحث العلمي
وإحياء والتراث الإسلامي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1403 ه /
1983 م ) .
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، ذكره ابن حجر في
المطالب العالية ( 4 / 139 ) وأخرجه
الإمام الشافعي في مسنده ص 278 ) عن
الزهري ، وعبد الرازق في مصنفه ( 11 / 55
) ، وأخرجه البيهقي في مناقب => |
|
|
ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في
معالم الخلافة : إلى أن أصحابه الشافعية إنما يرون في شروط عقد الإمامة
، أربعة عشر شرطا " في الإمام : أولها : الذكورة لحديث أبي بكرة ، الذي رواه
البخاري في صحيحه عن الحسن عن أبي بكرة قال :
لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم
، أيام الجمل ، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل ، فأقاتل معهم ، قال : لما بلغ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى ، قال : لن
يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( 1 ) .
وزاد الترمذي والنسائي : فلما
قدمت عائشة البصرة ،ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمني الله تعالى
به ( 2 )
يقول القلقشندي : والمعنى في
ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال ، والمشاورة معهم في الأمور ،
والمرأة ممنوعة من ذلك ، ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها ، حتى لا تملك النكاح
، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها .
والثاني : البلوغ فلا تنعقد إمامة الصبي ، لأنه مولى عليه ،
والنظر في أموره إلى غيره ، فكيف يجوز أن يكون ناظرا " في أمور الأمة ؟ على أنه
ربما أخل بالأمور ، قصدا " لعلمه بعدم التكليف .
والثالث : العقل : فلا تنعقد إمامة ذاهب العقل بجنون أو غيره
، لأن العقل آية التدبير ، فإذا فات العقل فات التدبير ، وقد قسم الماوردي زوال
العقل إلى ما لا يرجى زواله ، وما يرجى زواله ، فأما ما لا يرجى زواله -
كالجنون والخبل - فيمنع من عقد الإمامة - سواء أكان مطبقا " لا يتخلله إفاقة أو
يتخلله إفاقة وسواء
| |
* هامش * |
|
| |
=> الشافعي (
1 / 20 - 21 ) وفي مجمع الزوائد ( 10 /
25 ) ، وأشار إليه البخاري في المقاصد الحسنة
( ص 304 ) ،
وأبو نعيم في الحلية ( 9 / 64 ) ، وابن
أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ( 2 / 431
) .
( 1 ) صحيح البخاري 6 / 10 .
( 2 ) صحيح الترمذي 9 / 119 ،
سنن النسائي 8 / 227 . ( * )
|
|
|
كان زمن الجنون أكثر من زمن الإفاقة ، أو زمن الإفاقة أكثر من
زمن الجنون - . وأما ما يرجى زواله - كالأعضاء فلا يمنع من انعقاد الإمامة ،
لأنه مرض قليل اللبث ، سريع الزوال .
والرابع : البصر ، فلا تنعقد إمامة الأعمى ، لأنه منع ولاية
القضاء ، وجواز الشهادة ، فمنعه صحة الإمامة أولى .
والخامس : السمع ، فلا تنعقد إمامة الأصم ، الذي لا يسمع
البتة ، واختلف في ثقل السمع .
والسادس : سلامة الأعضاء من نقص يمنع استيفاء الحركة ، وسرعة
النهوض ، فلا تنعقد من ذهبت يداه أو رجلاه ، لعجزه عما يلحقه من حقوق الأمة .
والسابع : النطق ، فلا تنعقد إمامة الأخرس ، واختلف في تمتمة
اللسان فقيل يمنع ، وقيل لا يمنع .
والثامن : الحرية ، فلا تنعقد إمامة من فيه رق كالقن الكامل
العبودية ، والمبعض ، من فيه جزء حر ، وجزء رقيق ، والمكاتب ، المفروض عليه مال
، إن أداه أعتق ، والمدبر من شرط عتقه بعد موت سيده ، والمعلق عتقه بصفة ، لأن
الرقيق محجوز للسيد ، فأموره تصدر عن رأي غيره ، فكيف يصلح لولاية الأمة ؟
والتاسع : الإسلام : فلا تنعقد أبدا " إمامة الكافر ، لأنه لا
يراعي مصلحة الإسلام والمسلمين .
والعاشر : العدالة : فلا تنعقد إمامة الفاسق .
الحادي عشر : الشجاعة والنجدة ، فلا تنعقد إمامة الجبان .
الثاني عشر : العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام
، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك .
الثالث عشر : صحة الرأي والتدين ، فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي
، لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه ، ولا يتبين له طريق المصلحة
، إلا إذا كان ذا رأي صحيح ، وتدبير سائغ .
الرابع عشر : النسب : فلا تنعقد الإمامة بدونه ، والمراد أن
يكون من قريش ، لحديث الأئمة من قريش ، وقال الماوردي بالإجماع عليه ، وقال
الرافعي - من أئمة الشافعي - فإن لم يوجد قرشي مستجمع للشروط فكناني ، فإن لم
يوجد كناني ،
فرجل من ولد إسماعيل عليه السلام ، فإن لم يكن فيهم رجل
مستجمع للشروط ، ففي تهذيب البغوي : أنه يولى رجل من العجم ، وفي التتمة
للمتولي أنه يولي جرهمي ، ولا يشترط أن يكون الإمام هاشميا " ، لأن أبا بكر
وعمر وعثمان ، لم يكونوا من بني هاشم ( 1 ) .
ويقول البغدادي : وقالوا : ( أي أهل السنة
والجماعة ): ومن شروط الإمام : العلم ، والعدالة والسياسة ، وأوجبوا في العلم
ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وأوجبوا من عدالته أن يكون
ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته ، وذلك بأن يكون عدلا " في دينه ، مصلحا " لما له
وحاله ، غير مرتكب لكبيرة ، ولا مصر على صغيرة ، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه
، وليس من شرطه العصمة من الذنوب كلها ، خلاف قول الإمامية : أن الإمام يكون
معصوما " من الذنوب كلها ( 2 )
وأما الزيدية ، فشروط الإمامة عندهم أربعة عشر
شرطا " . الأول : البلوغ والعقل إجماعا " ، فلا وصية لصبي ولا لمجنون ، إذ لا
ولاية لهما على نفسيهما ، فالأولى ألا يكون على غيرهما .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) القلقشندي : مآثر الإنافة في معالم
الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الكويت 1964 ص 31 - 39
. ( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص
349 - 350 ( دار المعرفة - بيروت ) . ( * )
|
|
|
والثاني : الذكورة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، - فيما
يروي البخاري عن أبي بكرة - قال : لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، أيام الجمل ، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل
معهم ، قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن أهل فارس قد ملكوا
عليهم بنت كسرى قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( 1 ) ، وذلك لأن المرأة لا
تتولى بعض أمور نفسها ، فكيف تتولى أمور غيرها ، ولأنها ممنوعة من مخالطة
الرجال .
الثالث : الحرية ، إذ العبد مملوك الرقبة والتصرف .
الرابع : المنصب ، إذ لا تصح الإمامة ، في منصب مخصوص ، أي أن
يكون الإمام على صفة مخصوصة ، وبإذن من الشارع ، واختيار منه ، وإلا لوقع
الفساد . قالت العترة وشيعتهم : الوصي والحسنان ( أي الإمام علي والحسن والحسين
) وذريتهما ، ويجب على جميع المكلفين العلم بذلك ، والعمل به ، أي موالاتهم
ونصرتهم .
الخامس : الاجتهاد لقوله تعالى : * (
أفمن يهدي إلى الحق * أحق أن يتبع * أمن لا يهدي إلا أن يهدى * فما لكم كيف
تحكمون ) * ( 2 ) ، والذي يهدي إلى الحق ، لا يكون إلا مجتهدا " ، ولا
يخلو الزمان من مجتهد ، متمكن من استنباط الأحكام ، يشترط فيه أن يجمع علوما "
خمسة : علم العربية ، وآيات الأحكام ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ،
ومسائل الإجماع ، وعلم أصول الفقه ، أما علم أصول الدين فمن
تمام الدين . السادس : الورع ، وحجتنا قوله تعالى : * (
لا ينال عهدي الظالمين ) * ( 3 ) ، فلا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 6 / 10 . ( 2 ) سورة
يونس : آية 35 . ( 3 ) سورة
البقرة : آية 124 . ( * )
|
|
|
تصح إمامة الفاسق ، وإنما يشترط في الإمام إتيان الواجبات ،
واجتناب المحرمات ، ولا يشترط الإمام يحيى بن حمزة : بلوغ أعلى درجات الورع ،
وإنما مقدار ما يحصل به اجتناب الكبائر .
السابع : اجتناب الحرف الدنيئة ، لأنها تخل بالعدالة ، على أن
هناك من يرى في العدالة أمرا " خلقيا " ، لا صلة له بالحرفة ، ما دامت حلالا "
.
الثامن : الأفضلية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ولى
رجلا " ، وهو يعلم أن غيره أفضل منه ، فقد خان الله في أرضه . وهذا قول الزيدية
وبعض المعتزلة والإمامية ، وقد ذهب بعض المعتزلة والزيدية أن الإمامة يستحقها
الأفضل ، إلا أنه قد يحدث أمر ، يكون نصب المفضول فيه أصلح ، فيجب نصبه في
الحال - على أن رأينا أن إمامة المفضول غير جائزة .
التاسع : الشجاعة ، أي أن يكون من رباطة الجأش ، ما يتمكن
معها من تدبير الحروب عند فشل الجموع ، لئلا تتحطم جيوش المسلمين .
العاشر : التدبير ، فتكون آراؤه صالحة ، وأنظاره ثاقبة ،
وسياسته حسنة ، ولا يشترط أن لا يخطئ في ذلك ، بل يكون أغلب أحواله السلامة .
الحادي عشر : القدرة على القيام بمهام الإمامة وأمور المسلمين
، وهذا يقتضي أن لا يكون عاجزا "، ضعيفا " ، ضيقا " قلبه
الثاني عشر : السخاء ، يوضع الحقوق في مواضيعها ، فلا يمنع
أهل الحقوق حقوقهم ، وعليه التحري في ذلك ، لأن منع المستحق حيف وميل عن الحق ،
تسقط به العدالة .
الثالث عشر : السلامة من المنفرات كالجذام والبرص ، وغير ذلك
مما ينفر ، ليتمكن من مخالطة المسلمين .
الرابع عشر : سلامة الحواس والأطراف ، فلا يكون أعمى ، ولا
أصم ، ولا أشل ، ولا أعرج ، ولا على صفة تعجزه عن أمر تدبير أمور المسلمين ،
إلا الأمر اليسير ، الذي لا يمنع القيام بأمور الأمانة ( 1 ) .
وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله
الجويني ( 2 ) ( 419 - 478 ه / 1028 - 1085 م ) ، فيقول : فمنها النسب
، فالشرط أن الإمام قرشي ، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو ، وليس
ممن يعتبر خلافه ووفاته ، وقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
الأئمة من قريش وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض ، المقطوع
بثبوته ، من حيث أن الأمة تقبلته بالقبول .
ثم يقول الجويني : وهذا مسلك لا أؤثره ، فإن نقلة هذا الحديث معدودون ، لا
يبلغون مبلغ عدد التواتر ، والذي يوضح الحق في ذلك ، أننا لا نجد من أنفسنا ثلج
الصدور ، واليقين المبتوت ، بصدر هذا من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط
النسب في الإمامة .
والوجه في إثبات ما نحاوله في ذلك : أن الماضين
ما زالوا بايحين باختصاص هذا المنصب بقريش ، ولم يتشوق قط أحد من غير قريش إلى
الإمامة على تمادي الآماد ، وتطاول الأزمان ، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكنا "
لطلبه ذوو النجدة والبأس ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : المذهب الزيدي -
الإسكندرية 1981 ص 43 - 45 .
( 2 ) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني :
الغياثي - غياث
الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة - قطر
- 1400 ه ص 76 - 82 .
( 3 ) كان شرط النسب القرشي مرعيا " كل الرعاية في سائر أحوال الدولة
الإسلامية ، والخلافة لم يتطلبها غير القرشيين قط ، ومع كل ما انتاب
الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف ، واستبداد الأمراء فيهم ،
حتى جردوهم من كل قوة دنيوية ، وأنشأوا الدول دونهم ، ولقبوا أنفسهم
بالسلاطين ، رغم ذلك كله ، لم يخطر ببال أحد منهم أن يدعي الخلافة أو
أن ينصب نفسه خليفة . =>
|
|
|
على أن الإمام الجويني إنما يتردد كثيرا " في إثبات شرط النسب
القرشي ، فيقول : ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب ، ثم يعود
فيقول : ولكن خصص الله هذا المنصب العلي ، والمرقب السني بأهل بيت النبي صلى
الله عليه وسلم ، فكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء .
وهكذا يقف إمام الحرمين - كما يقول الدكتور عبد العظيم الديب محقق الكتاب -
تجاه اشتراط النسب في الإمام ، فلا يرى له مستندا " من النقل ، ولا من العقل ،
بل إنه قد أعلن تردده صراحة في كتابه الإرشاد حيث قال : ومن شرائط الإمام عند
أصحابنا ( يعني الشافعية ) أن يكون الإمام قرشيا " ، إذ قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم الأئمة من قريش ، وقال : قدموا قريشا " ولا تقدموها وهذا ما يختلف
فيه الناس ، وللاحتمال فيه عندي مجال ، والله أعلم بالصواب .
فهو يحكي هذا الشرط ، والاستدلال عليه عن أصحابنا - أي عن الشافعية - ثم يقول
صراحة : وللاحتمال فيه عندي مجال ، ونحن إذ نسجل لإمام الحرمين عدم ارتياحه
لهذا الشرط ، نذكر أن من القائلين به ، شيخ الإسلام ابن تيمية ( 661 - 728 ه /
1263 - 1328 م ) ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
=> وهكذا نرى
دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم قد
استقلوا في دولهم ، بل منهم من غلب على الخلفاء ، ولكنهم لم يتطاولوا
إلى أكثر من لقب السلطان ، بل كانوا يتزلفون إلى الخلفاء ليثبتوهم في
الحكم ، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في
مصر ، فقد استولى على الحكم بعد آخر خليفة فاطمي ، وعندما أراد أن
يستقل بمصر ، دعا على المنابر للخليفة العباسي ، ولم يسم نفسه خليفة ،
وإنما لقب بالسلطان . وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش
السلطان سليم الفاتح العثماني عام 922 ه ( 1517 م ) بعد
أن تنازل له الخليفة محمد المتوكل على الله الثالث عن الخلافة ، وبذلك
جعل سليم الأول ( 1467 - 1521 م ) ، سلطان تركيا ( 1512 - 21521 م )
نفسه خليفة للمسلمين ، وورث خلفاؤه من آل عثمان هذا اللقب .
هذا ويحتج الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان ( 922 - 21342 ه /
1517 - 1924 م ) أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق ( حق السيف - حق
الانتخاب - حق الوصاية - حماية الحرمين - الاحتفاظ بالأمانات - وهي
المخلفات النبوية الشريفة ، المحفوظة في الأستانة ( أنظر : جرجي زيدان
تاريخ التمدن الإسلامي 1 / 121 - 122 - مكتبة الحياة - بيروت ) .
( 1 ) الجويني : الغياثي ص 82 . ( * )
|
|
|
وعلى أية حال ، فإن من الشروط اللازمة المعتبرة - عند الجويني
- في الإمام ، الذكورة والحرية ونحيزة العقل والبلوغ ، ولا حاجة إلى الإطناب في
نصب الدلالات على إثبات هذه الصفات .
وأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة :
فالعلم والورع .
فأما العلم : فالشرط أن يكون
الإمام مجتهدا " ، بالغا " مبلغ المجتهدين ، مستجمعا " صفات المفتين ، ولم يؤثر
في اشتراط ذلك خلاف ، والدليل عليه أن أمور معظم أصول الدين تتعلق بالأئمة ،
فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر ، فلا شك في ارتباطه بالإمام ، وأما ما عداه
من أحكام الشرع ، فقد يتعلق به من جهة انتدابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
، فلو لم يكن الإمام مستقلا " بعلم الشريعة لاحتاج لمراجعة العلماء في تفاصيل
الوقائع ، وذلك يشتت رأيه ، ويخرجه عن رتبة الاستقلال .
وأما التقوى والورع ، فلا بد منهما ، إذ لا يوثق
بفاسق في الشهادة على فلس ، فكيف يولى أمور المسلمين كافة ، والأب الفاسق - مع
حدبه وإشفاقه على ولده - لا يعتمد في مال ولده ، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى
فاسق ، لا يتقي الله ، ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء ، ولم
ينتهض رأيه بسياسة نفسه ، فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام ( 1 ) .
وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه
وسلم ، أنه قال : أحب الخلق إلى الله إمام عادل ، وأبغضهم إليه إمام جائر ( 2 )
.
وروى الإمام مسلم في صحيحه في
حديث زهير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على
منابر من نور ، عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نفس المرجع السابق ص 82 - 88 . ( 2 ) ابن تيمية :
السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية
ص 25 ( مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1379 ه / 1960 م )
. ( * )
|
|
|
يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ( 1 ) .
وروى الإمام مسلم في صحيحه
بسنده عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سبعة
يظلهم الله في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله ، الإمام العادل ، وشاب نشأ بعبادة الله
، ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله ، اجتمعا عليه ، وتفرقا
عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق
بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، ورجل ذكر الله خاليا " ،
ففاضت عيناه ( 2 ) .
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عياض بن حماد ، رضي
الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أهل الجنة ثلاثة ، سلطان
مقسط ، ورجل رحيم ، رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، ورجل غني عفيف متصدق ( 3 )
.
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن خبيب بن عبد
الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله يوم
القيامة في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ،
ورجل ذكر الله في خلاء ، ففاضت عيناه ، ورجل قلبه معلق في المسجد ، ورجلان
تحابا في الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها ، قال : إني أخاف ،
ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ، ما صنعت يمينه ( 4 ) .
وأما الصفة الثالثة اللازمة للإمام ، فهي توقد
الرأي في عظائم الأمور ، والنظر في مغبات العواقب وهذه الصفة ينتجها نحيزة
العقل ، ويهذبها التدرب في طريق التجارب .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 12 / 211 .
( 2 ) صحيح مسلم 7 / 120 - 122 ( دار
الكتب العلمية - بيروت 1403 ه / 1983 ) .
( 3 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 25
.
( 4 ) صحيح البخاري 8 / 203 . ( * )
|
|
|
وهناك النجدة والكفاية ، ذلك لأن الغرض الأعظم من الإمامة ،
إنما هو جمع شتات الرأي ، واستتباع رجل . . . فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق
إلى الأحوال من اضطراب الآراء ، فإذا لم يكن الناس مجمعين على رأي واحد ، لم
ينتظم تدبير ،
ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير . . . . وإذا تبين
الغرض من نصب الإمام ، لاح أن المقصود لا يحصل ، إلا بذي كفاية ودراية ، وهداية
إلى الأمور ، واستقلال بالمهمات ، وجر الجيوش ، على ترك الرقة والإشفاق ، ثم لا
يكفي أن يسمى
كافيا " ، فرب مستقل بأمر قريب ، لا يستقل بأمر فوقه ،
فلتعتبر مقاصد الإمامة ، وليشترط استقلال الإمام بها ، فهذا معنى النجدة
والكفاية ( 1 ) .
وسئل الإمام أحمد بن حنبل ( 164 - 240 ه / 780 -
805 م ) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو ، وأحدهما قوي فاجر ، والآخر صالح
ضعيف ، مع أيهما يغزي ؟ فقال : أما الفاجر القوي ، فقوته للمسلمين ، وفجوره على
نفسه ، وأما الصالح الضعيف ، فصلاحه لنفسه ، وضعفه على المسلمين ، فيغزي مع
القوي الفاجر .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر - وروي
: بأقوام لا خلاق لهم ، فإذا لم يكن فاجرا " ، كان أولى بإمارة الحرب ، ممن هو
أصلح منه في الدين ، إذا لم يسد مسده ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم ، وقال : إن خالدا " سيف سله الله
على المشركين ، مع أنه كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ( 2 ) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : بعث النبي صلى
الله عليه وسلم ، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الجويني : الغياثي ص 88 - 91 .
( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 18
- 19 . ( * )
|
|
|
أسلمنا ، فقالوا : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يقتل ويأسر ، ودفع
إلى كل رجل منا أسيره ، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره ، فقلت : والله لا أقتل
أسيري ، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره ، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ،
فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين ( 1 ) .
ولعل سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أدرك أن فعل خالد هذا
، لم يكن من الإسلام ، ولعله رأى أنه بقية من بقايا الجاهلية ، ومن ثم فقد أسرع
إلى رأب الصدع ، ومداواة القلوب بالديات ،
روى ابن إسحاق بسنده عن الإمام
محمد الباقر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعا علي بن أبي طالب ، رضوان
الله عليه ، فقال : يا علي ، أخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل
أمر الجاهلية تحت قدميك ، فخرج علي ، حتى
جاءهم ، ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فودى لهم الدماء ، وما أصيب لهم من الأموال ، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب ،
حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال ، إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال
لهم علي ، رضوان
الله عليه ، حين فرغ منهم ، هل بقي لكم بقية من دم أو مال ،
لم يود لكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال ،
احتياطا " لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما يعلم ولا تعلمون ، ففعل ، ثم
رجع إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فأخبره الخبر ، فقال : أصبت وأحسنت ، قال : ثم قام
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستقبل القبلة قائما " ، شاهرا " يديه ، حتى
إنه ليرى مما تحت منكبيه ، يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد
ثلاث مرات ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 9 / 91 - 92 .
( 2 ) سيرة ابن هشام 4 / 326 ،
مغازي الواقدي 3 / 875 - 884 ( تحقيق
مارسدن جونس - عالم الكتب - بيروت 1404 ه / 1984 ) . ابن قيم الجوزية
: زاد المعاد في هدى خير العباد 3 / 415
- 416 ( تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط - ط مؤسسة الرسالة - بيروت
1405 ه / 1985 م ) ، ابن سعد : الطبقات الكبرى
2 / 110 ( دار التحرير - القاهرة 1968 ) ، محمد أبو زهرة :
خاتم النبيين 2 / 1018 - 1021 ( دار
الفكر العربي . ( * )
|
|
|
ويختم الجويني حديثه في صفات
الإمام القوام على أهل الإسلام ، بأنه الرجل ، الحر ، القرشي ، المجتهد ، الورع
، ذو النجدة والكفاية .
ثم يقول : ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين ، فيقال : الورع
الاستقلال والنسب ، ويدخل تحت الاستقلال الكفاية ، والعلم ، والورع ، والحرية ،
والذكورة تدخل أيضا " ، فإن المرأة مأمورة بإن تلزم جدرها ، ومعظم أحكام الإمام
تستدعي الظهور والبروز ، فلا تستقل المرأة إذن ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الجويني : المرجع السابق ص 90 - 91 . ( * )
|
|
|
|