- الإمامة وأهل البيت : المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 62 -

رابعا " : شروط الإمام
 

اشترطت السنة في الإمام شروطا " أربعة : العلم ، والعدالة ، والكفاية ، وسلامة الحواس والأعضاء

فأما العلم ، فلأنه منفذ أحكام الله ، ومتى كان جاهلا " ، لا يمكنه تنفيذها .

وأما العدالة ، فلأن منصب الإمام منصب ديني ، ينظر في سائر الأحكام التي تشترط فيها العدالة ، فأولى بشروطها فيه .

وأما الكفاءة ، فأن يكون جريئا " على إقامة الحدود ، واقتحام الحروب ، بصيرا " بها ، كفيلا " بحمل الناس عليها ، عالما " بأحوال الدهاء ، قويا " على معاندة السياسة ، ليصلح له ما أسند إليه من حماية الدين ، وجهاد العدو ، وإقامة الأحكام ، وتدبير المصالح .

وأخيرا " أن يكون سليم الحواس والأعضاء ، مما يؤثر فقدانه في الرأي والعمل ، ويلحق بذلك العجز عن التصرف ، لصغر أو شر أو غيرهما .


وهناك شرط خامس ، اختلف فيه - وهو النسب القرشي ( 1 ) - وقد ناقشناه من قبل .

على أن الماوردي إنما يرى أنها سبعة ، فيقول : وأما أهل الإمامة ، فالشروط المعتبرة فيهم سبعة ،
أحدها : العدالة على شروطها الجامعة ،
والثاني : العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام .

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر : مقدمة ابن خلدون ص 190 - 196 ( دار القلم - بيروت 1981 ) . ( * )

 

 

 ص 63

والثالث : سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ، ليصح معها مباشرة ما يدرك بها .
والرابع : سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة ، وسرعة النهوض ،
والخامس : الرأي المفضي إلى سياسة الرعية ، وتدبير المصالح .

والسادس : النسب : وهو أن يكون من قريش ، لورود النص فيه ، وانعقاد الإجماع عليه ، ولا اعتبار ب‍ " ضرار " حين شذ ، فجوزها في جميع الناس ، لأن أبا بكر الصديق ، رضي الله عنه ، احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة ، لما بايعوا سعد بن عبادة عليها ، بقول النبي صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش ، فأقلعوا عن التفرد بها ، ورجعوا عن

المشاركة فيها ، حين قالوا : منا أمير ، ومنكم أمير ، تسليما " لروايته ، وتصديقا " لخبره ورضوا بقوله : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ، قدموا قريشا " ، ولا تقدموها ( 1 ) .


وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسنده عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال : يا أيها الناس : قدموا قريشا " ولا تقدموها ، وتعلموا منها ، ولا تعلموها ، قوة رجل من قريش

تعدل قوة رجلين من غيرهم ، وأمانة رجل من قريش تعدل أمانة رجلين من غيرهم ، يا أيها الناس ، أوصيكم بحب ذي أقربها ، أخي وابن عمي ، علي بن أبي طالب فإنه لا يحبه إلا مؤمن ، ولا يبغضه إلا منافق ، من أحبه فقد أحبني ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، ومن أبغضني عذبه الله عز وجل ( 2 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي : الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1402 ه‍ 1982 ) .
( 2 ) الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل : كتاب فضائل الصحابة الجزء الثاني - حققه وخرج أحاديثه وصي الله بن محمد عباس - ص 622 - 623 ( نشر مركز البحث العلمي وإحياء والتراث الإسلامي - جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1403 ه‍ / 1983 م ) .

والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، ذكره ابن حجر في المطالب العالية ( 4 / 139 ) وأخرجه الإمام الشافعي في مسنده ص 278 ) عن الزهري ، وعبد الرازق في مصنفه ( 11 / 55 ) ، وأخرجه البيهقي في مناقب =>

 

 

 ص 64

ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة : إلى أن أصحابه الشافعية إنما يرون في شروط عقد الإمامة ، أربعة عشر شرطا " في الإمام : أولها : الذكورة لحديث أبي بكرة ، الذي رواه البخاري في صحيحه عن الحسن عن أبي بكرة قال :

لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيام الجمل ، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل ، فأقاتل معهم ، قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى ، قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( 1 ) .

وزاد الترمذي والنسائي : فلما قدمت عائشة البصرة ،ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمني الله تعالى به ( 2 )

يقول القلقشندي : والمعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال ، والمشاورة معهم في الأمور ، والمرأة ممنوعة من ذلك ، ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها ، حتى لا تملك النكاح ، فلا تجعل إليها الولاية على غيرها .

والثاني : البلوغ فلا تنعقد إمامة الصبي ، لأنه مولى عليه ، والنظر في أموره إلى غيره ، فكيف يجوز أن يكون ناظرا " في أمور الأمة ؟ على أنه ربما أخل بالأمور ، قصدا " لعلمه بعدم التكليف .

والثالث : العقل : فلا تنعقد إمامة ذاهب العقل بجنون أو غيره ، لأن العقل آية التدبير ، فإذا فات العقل فات التدبير ، وقد قسم الماوردي زوال العقل إلى ما لا يرجى زواله ، وما يرجى زواله ، فأما ما لا يرجى زواله - كالجنون والخبل - فيمنع من عقد الإمامة - سواء أكان مطبقا " لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة وسواء

  * هامش *  
 

=> الشافعي ( 1 / 20 - 21 ) وفي مجمع الزوائد ( 10 / 25 ) ، وأشار إليه البخاري في المقاصد الحسنة ( ص 304 ) ،
وأبو نعيم في الحلية ( 9 / 64 ) ، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ( 2 / 431 ) .
( 1 ) صحيح البخاري 6 / 10 .
( 2 ) صحيح الترمذي 9 / 119 ، سنن النسائي 8 / 227 . ( * )

 

 

 ص 65

كان زمن الجنون أكثر من زمن الإفاقة ، أو زمن الإفاقة أكثر من زمن الجنون - . وأما ما يرجى زواله - كالأعضاء فلا يمنع من انعقاد الإمامة ، لأنه مرض قليل اللبث ، سريع الزوال .

والرابع : البصر ، فلا تنعقد إمامة الأعمى ، لأنه منع ولاية القضاء ، وجواز الشهادة ، فمنعه صحة الإمامة أولى .

والخامس : السمع ، فلا تنعقد إمامة الأصم ، الذي لا يسمع البتة ، واختلف في ثقل السمع .

والسادس : سلامة الأعضاء من نقص يمنع استيفاء الحركة ، وسرعة النهوض ، فلا تنعقد من ذهبت يداه أو رجلاه ، لعجزه عما يلحقه من حقوق الأمة .

والسابع : النطق ، فلا تنعقد إمامة الأخرس ، واختلف في تمتمة اللسان فقيل يمنع ، وقيل لا يمنع .

والثامن : الحرية ، فلا تنعقد إمامة من فيه رق كالقن الكامل العبودية ، والمبعض ، من فيه جزء حر ، وجزء رقيق ، والمكاتب ، المفروض عليه مال ، إن أداه أعتق ، والمدبر من شرط عتقه بعد موت سيده ، والمعلق عتقه بصفة ، لأن الرقيق محجوز للسيد ، فأموره تصدر عن رأي غيره ، فكيف يصلح لولاية الأمة ؟

والتاسع : الإسلام : فلا تنعقد أبدا " إمامة الكافر ، لأنه لا يراعي مصلحة الإسلام والمسلمين .

والعاشر : العدالة : فلا تنعقد إمامة الفاسق .

الحادي عشر : الشجاعة والنجدة ، فلا تنعقد إمامة الجبان .

الثاني عشر : العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام ، فلا تنعقد إمامة غير العالم بذلك .

 ص 66

الثالث عشر : صحة الرأي والتدين ، فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي ، لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه ، ولا يتبين له طريق المصلحة ، إلا إذا كان ذا رأي صحيح ، وتدبير سائغ .

الرابع عشر : النسب : فلا تنعقد الإمامة بدونه ، والمراد أن يكون من قريش ، لحديث الأئمة من قريش ، وقال الماوردي بالإجماع عليه ، وقال الرافعي - من أئمة الشافعي - فإن لم يوجد قرشي مستجمع للشروط فكناني ، فإن لم يوجد كناني ،

فرجل من ولد إسماعيل عليه السلام ، فإن لم يكن فيهم رجل مستجمع للشروط ، ففي تهذيب البغوي : أنه يولى رجل من العجم ، وفي التتمة للمتولي أنه يولي جرهمي ، ولا يشترط أن يكون الإمام هاشميا " ، لأن أبا بكر وعمر وعثمان ، لم يكونوا من بني هاشم ( 1 ) .


ويقول البغدادي : وقالوا : ( أي أهل السنة والجماعة ): ومن شروط الإمام : العلم ، والعدالة والسياسة ، وأوجبوا في العلم ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وأوجبوا من عدالته أن يكون ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته ، وذلك بأن يكون عدلا " في دينه ، مصلحا " لما له وحاله ، غير مرتكب لكبيرة ، ولا مصر على صغيرة ، ولا تارك للمروءة في جل أسبابه ، وليس من شرطه العصمة من الذنوب كلها ، خلاف قول الإمامية : أن الإمام يكون معصوما " من الذنوب كلها ( 2 )


وأما الزيدية ، فشروط الإمامة عندهم أربعة عشر شرطا " . الأول : البلوغ والعقل إجماعا " ، فلا وصية لصبي ولا لمجنون ، إذ لا ولاية لهما على نفسيهما ، فالأولى ألا يكون على غيرهما .

 

* هامش *

 
 

( 1 ) القلقشندي : مآثر الإنافة في معالم الخلافة - تحقيق عبد الستار أحمد فراج - الكويت 1964 ص 31 - 39 . ( 2 ) البغدادي : الفرق بين الفرق ص 349 - 350 ( دار المعرفة - بيروت ) . ( * )

 

 

 ص 67

والثاني : الذكورة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، - فيما يروي البخاري عن أبي بكرة - قال : لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيام الجمل ، بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم ، قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ( 1 ) ، وذلك لأن المرأة لا تتولى بعض أمور نفسها ، فكيف تتولى أمور غيرها ، ولأنها ممنوعة من مخالطة الرجال .


الثالث : الحرية ، إذ العبد مملوك الرقبة والتصرف .

الرابع : المنصب ، إذ لا تصح الإمامة ، في منصب مخصوص ، أي أن يكون الإمام على صفة مخصوصة ، وبإذن من الشارع ، واختيار منه ، وإلا لوقع الفساد . قالت العترة وشيعتهم : الوصي والحسنان ( أي الإمام علي والحسن والحسين ) وذريتهما ، ويجب على جميع المكلفين العلم بذلك ، والعمل به ، أي موالاتهم ونصرتهم .

الخامس : الاجتهاد لقوله تعالى : * ( أفمن يهدي إلى الحق * أحق أن يتبع * أمن لا يهدي إلا أن يهدى * فما لكم كيف تحكمون ) * ( 2 ) ، والذي يهدي إلى الحق ، لا يكون إلا مجتهدا " ، ولا يخلو الزمان من مجتهد ، متمكن من استنباط الأحكام ، يشترط فيه أن يجمع علوما " خمسة : علم العربية ، وآيات الأحكام ، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ،

ومسائل الإجماع ، وعلم أصول الفقه ، أما علم أصول الدين فمن تمام الدين . السادس : الورع ، وحجتنا قوله تعالى : * ( لا ينال عهدي الظالمين ) * ( 3 ) ، فلا

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري 6 / 10 . ( 2 ) سورة يونس : آية 35 . ( 3 ) سورة البقرة : آية 124 . ( * )

 

 

 ص 68

تصح إمامة الفاسق ، وإنما يشترط في الإمام إتيان الواجبات ، واجتناب المحرمات ، ولا يشترط الإمام يحيى بن حمزة : بلوغ أعلى درجات الورع ، وإنما مقدار ما يحصل به اجتناب الكبائر .

السابع : اجتناب الحرف الدنيئة ، لأنها تخل بالعدالة ، على أن هناك من يرى في العدالة أمرا " خلقيا " ، لا صلة له بالحرفة ، ما دامت حلالا " .

الثامن : الأفضلية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم من ولى رجلا " ، وهو يعلم أن غيره أفضل منه ، فقد خان الله في أرضه . وهذا قول الزيدية وبعض المعتزلة والإمامية ، وقد ذهب بعض المعتزلة والزيدية أن الإمامة يستحقها الأفضل ، إلا أنه قد يحدث أمر ، يكون نصب المفضول فيه أصلح ، فيجب نصبه في الحال - على أن رأينا أن إمامة المفضول غير جائزة .

التاسع : الشجاعة ، أي أن يكون من رباطة الجأش ، ما يتمكن معها من تدبير الحروب عند فشل الجموع ، لئلا تتحطم جيوش المسلمين .

العاشر : التدبير ، فتكون آراؤه صالحة ، وأنظاره ثاقبة ، وسياسته حسنة ، ولا يشترط أن لا يخطئ في ذلك ، بل يكون أغلب أحواله السلامة .

الحادي عشر : القدرة على القيام بمهام الإمامة وأمور المسلمين ، وهذا يقتضي أن لا يكون عاجزا "، ضعيفا " ، ضيقا " قلبه

الثاني عشر : السخاء ، يوضع الحقوق في مواضيعها ، فلا يمنع أهل الحقوق حقوقهم ، وعليه التحري في ذلك ، لأن منع المستحق حيف وميل عن الحق ، تسقط به العدالة .

الثالث عشر : السلامة من المنفرات كالجذام والبرص ، وغير ذلك مما ينفر ، ليتمكن من مخالطة المسلمين .

 ص 69

الرابع عشر : سلامة الحواس والأطراف ، فلا يكون أعمى ، ولا أصم ، ولا أشل ، ولا أعرج ، ولا على صفة تعجزه عن أمر تدبير أمور المسلمين ، إلا الأمر اليسير ، الذي لا يمنع القيام بأمور الأمانة ( 1 ) .


وأما إمام الحرمين - أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني ( 2 ) ( 419 - 478 ه‍ / 1028 - 1085 م ) ، فيقول : فمنها النسب ، فالشرط أن الإمام قرشي ، ولم يخالف في اشتراط النسب غير ضرار بن عمرو ، وليس ممن يعتبر خلافه ووفاته ، وقد نقل الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الأئمة من قريش وذكر بعض الأئمة أن هذا الحديث في حكم المستفيض ، المقطوع بثبوته ، من حيث أن الأمة تقبلته بالقبول .


ثم يقول الجويني : وهذا مسلك لا أؤثره ، فإن نقلة هذا الحديث معدودون ، لا يبلغون مبلغ عدد التواتر ، والذي يوضح الحق في ذلك ، أننا لا نجد من أنفسنا ثلج الصدور ، واليقين المبتوت ، بصدر هذا من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما لا نجد ذلك في سائر أخبار الآحاد فإذا لا يقتضي هذا الحديث العلم باشتراط النسب في الإمامة .


والوجه في إثبات ما نحاوله في ذلك : أن الماضين ما زالوا بايحين باختصاص هذا المنصب بقريش ، ولم يتشوق قط أحد من غير قريش إلى الإمامة على تمادي الآماد ، وتطاول الأزمان ، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكنا " لطلبه ذوو النجدة والبأس ( 3 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) أحمد صبحي : المذهب الزيدي - الإسكندرية 1981 ص 43 - 45 .
( 2 ) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني : الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم - تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة - قطر - 1400 ه‍ ص 76 - 82 .

( 3 ) كان شرط النسب القرشي مرعيا " كل الرعاية في سائر أحوال الدولة الإسلامية ، والخلافة لم يتطلبها غير القرشيين قط ، ومع كل ما انتاب الخلفاء في أواخر الدولة العباسية من الضعف ، واستبداد الأمراء فيهم ، حتى جردوهم من كل قوة دنيوية ، وأنشأوا الدول دونهم ، ولقبوا أنفسهم بالسلاطين ، رغم ذلك كله ، لم يخطر ببال أحد منهم أن يدعي الخلافة أو أن ينصب نفسه خليفة . =>

 

 

 ص 70

على أن الإمام الجويني إنما يتردد كثيرا " في إثبات شرط النسب القرشي ، فيقول : ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب ، ثم يعود فيقول : ولكن خصص الله هذا المنصب العلي ، والمرقب السني بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان ذلك من فضل الله يؤتيه من يشاء .


وهكذا يقف إمام الحرمين - كما يقول الدكتور عبد العظيم الديب محقق الكتاب - تجاه اشتراط النسب في الإمام ، فلا يرى له مستندا " من النقل ، ولا من العقل ، بل إنه قد أعلن تردده صراحة في كتابه الإرشاد حيث قال : ومن شرائط الإمام عند أصحابنا ( يعني الشافعية ) أن يكون الإمام قرشيا " ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش ، وقال : قدموا قريشا " ولا تقدموها وهذا ما يختلف فيه الناس ، وللاحتمال فيه عندي مجال ، والله أعلم بالصواب .


فهو يحكي هذا الشرط ، والاستدلال عليه عن أصحابنا - أي عن الشافعية - ثم يقول صراحة : وللاحتمال فيه عندي مجال ، ونحن إذ نسجل لإمام الحرمين عدم ارتياحه لهذا الشرط ، نذكر أن من القائلين به ، شيخ الإسلام ابن تيمية ( 661 - 728 ه‍ / 1263 - 1328 م ) ( 1 ) .

  * هامش *  
 

=> وهكذا نرى دول بني بويه والسلاجقة والغزنوية والطاهرية والأيوبية وغيرهم قد استقلوا في دولهم ، بل منهم من غلب على الخلفاء ، ولكنهم لم يتطاولوا إلى أكثر من لقب السلطان ، بل كانوا يتزلفون إلى الخلفاء ليثبتوهم في الحكم ، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي في

مصر ، فقد استولى على الحكم بعد آخر خليفة فاطمي ، وعندما أراد أن يستقل بمصر ، دعا على المنابر للخليفة العباسي ، ولم يسم نفسه خليفة ، وإنما لقب بالسلطان . وأول من تولى الخلافة الإسلامية من غير قريش السلطان سليم الفاتح العثماني عام 922 ه‍ ( 1517 م ) بعد

أن تنازل له الخليفة محمد المتوكل على الله الثالث عن الخلافة ، وبذلك جعل سليم الأول ( 1467 - 1521 م ) ، سلطان تركيا ( 1512 - 21521 م ) نفسه خليفة للمسلمين ، وورث خلفاؤه من آل عثمان هذا اللقب .

هذا ويحتج الأئمة الحنفية في صحة خلافة بني عثمان ( 922 - 21342 ه‍ / 1517 - 1924 م ) أن الخليفة يتولى الخلافة بخمسة حقوق ( حق السيف - حق الانتخاب - حق الوصاية - حماية الحرمين - الاحتفاظ بالأمانات - وهي المخلفات النبوية الشريفة ، المحفوظة في الأستانة ( أنظر : جرجي زيدان تاريخ التمدن الإسلامي 1 / 121 - 122 - مكتبة الحياة - بيروت ) .
( 1 ) الجويني : الغياثي ص 82 . ( * )

 

 

 ص 71

وعلى أية حال ، فإن من الشروط اللازمة المعتبرة - عند الجويني - في الإمام ، الذكورة والحرية ونحيزة العقل والبلوغ ، ولا حاجة إلى الإطناب في نصب الدلالات على إثبات هذه الصفات .


وأما الصفات المكتسبة المرعية في الإمامة : فالعلم والورع .

فأما العلم : فالشرط أن يكون الإمام مجتهدا " ، بالغا " مبلغ المجتهدين ، مستجمعا " صفات المفتين ، ولم يؤثر في اشتراط ذلك خلاف ، والدليل عليه أن أمور معظم أصول الدين تتعلق بالأئمة ، فأما ما يختص بالولاة وذوي الأمر ، فلا شك في ارتباطه بالإمام ، وأما ما عداه من أحكام الشرع ، فقد يتعلق به من جهة انتدابه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلو لم يكن الإمام مستقلا " بعلم الشريعة لاحتاج لمراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع ، وذلك يشتت رأيه ، ويخرجه عن رتبة الاستقلال .


وأما التقوى والورع ، فلا بد منهما ، إذ لا يوثق بفاسق في الشهادة على فلس ، فكيف يولى أمور المسلمين كافة ، والأب الفاسق - مع حدبه وإشفاقه على ولده - لا يعتمد في مال ولده ، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق ، لا يتقي الله ، ومن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء ، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه ، فأنى يصلح لسياسة خطة الإسلام ( 1 ) .


وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : أحب الخلق إلى الله إمام عادل ، وأبغضهم إليه إمام جائر ( 2 ) .

وروى الإمام مسلم في صحيحه في حديث زهير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور ، عن يمين الرحمن عز وجل ، وكلتا

 

* هامش *

 
 

( 1 ) نفس المرجع السابق ص 82 - 88 . ( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص 25 ( مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1379 ه‍ / 1960 م ) . ( * )

 

 

 ص 72

يديه يمين ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ( 1 ) .
 

وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : سبعة يظلهم الله في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله ، الإمام العادل ، وشاب نشأ بعبادة الله ، ورجل قلبه معلق في المساجد ، ورجلان تحابا في الله ، اجتمعا عليه ، وتفرقا عليه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال ، فقال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله ، ورجل ذكر الله خاليا " ، ففاضت عيناه ( 2 ) .


وروى مسلم في صحيحه بسنده عن عياض بن حماد ، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أهل الجنة ثلاثة ، سلطان مقسط ، ورجل رحيم ، رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، ورجل غني عفيف متصدق ( 3 ) .


وروى البخاري في صحيحه بسنده عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله ، إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل ذكر الله في خلاء ، ففاضت عيناه ، ورجل قلبه معلق في المسجد ، ورجلان تحابا في الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها ، قال : إني أخاف ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ، ما صنعت يمينه ( 4 ) .


وأما الصفة الثالثة اللازمة للإمام ، فهي توقد الرأي في عظائم الأمور ، والنظر في مغبات العواقب وهذه الصفة ينتجها نحيزة العقل ، ويهذبها التدرب في طريق التجارب .

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح مسلم 12 / 211 .
( 2 ) صحيح مسلم 7 / 120 - 122 ( دار الكتب العلمية - بيروت 1403 ه‍ / 1983 ) .
( 3 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 25 .
( 4 ) صحيح البخاري 8 / 203 . ( * )

 

 

 ص 73

وهناك النجدة والكفاية ، ذلك لأن الغرض الأعظم من الإمامة ، إنما هو جمع شتات الرأي ، واستتباع رجل . . . فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء ، فإذا لم يكن الناس مجمعين على رأي واحد ، لم ينتظم تدبير ،

ولم يستتب من إيالة الملك قليل ولا كثير . . . . وإذا تبين الغرض من نصب الإمام ، لاح أن المقصود لا يحصل ، إلا بذي كفاية ودراية ، وهداية إلى الأمور ، واستقلال بالمهمات ، وجر الجيوش ، على ترك الرقة والإشفاق ، ثم لا يكفي أن يسمى

كافيا " ، فرب مستقل بأمر قريب ، لا يستقل بأمر فوقه ، فلتعتبر مقاصد الإمامة ، وليشترط استقلال الإمام بها ، فهذا معنى النجدة والكفاية ( 1 ) .


وسئل الإمام أحمد بن حنبل ( 164 - 240 ه‍ / 780 - 805 م ) عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو ، وأحدهما قوي فاجر ، والآخر صالح ضعيف ، مع أيهما يغزي ؟ فقال : أما الفاجر القوي ، فقوته للمسلمين ، وفجوره على نفسه ، وأما الصالح الضعيف ، فصلاحه لنفسه ، وضعفه على المسلمين ، فيغزي مع القوي الفاجر .


وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر - وروي : بأقوام لا خلاق لهم ، فإذا لم يكن فاجرا " ، كان أولى بإمارة الحرب ، ممن هو أصلح منه في الدين ، إذا لم يسد مسده ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم ، وقال : إن خالدا " سيف سله الله على المشركين ، مع أنه كان قد يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ( 2 ) .


وروى البخاري في صحيحه بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ، فلم يحسنوا أن يقولوا :

  * هامش *  
 

( 1 ) الجويني : الغياثي ص 88 - 91 .
( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 18 - 19 . ( * )

 

 

 ص 74

أسلمنا ، فقالوا : صبأنا صبأنا ، فجعل خالد يقتل ويأسر ، ودفع إلى كل رجل منا أسيره ، فأمر كل رجل منا أن يقتل أسيره ، فقلت : والله لا أقتل أسيري ، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره ، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد مرتين ( 1 ) .


ولعل سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أدرك أن فعل خالد هذا ، لم يكن من الإسلام ، ولعله رأى أنه بقية من بقايا الجاهلية ، ومن ثم فقد أسرع إلى رأب الصدع ، ومداواة القلوب بالديات ،

روى ابن إسحاق بسنده عن الإمام محمد الباقر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دعا علي بن أبي طالب ، رضوان الله عليه ، فقال : يا علي ، أخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ، فخرج علي ، حتى

جاءهم ، ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فودى لهم الدماء ، وما أصيب لهم من الأموال ، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب ، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال ، إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم علي ، رضوان

الله عليه ، حين فرغ منهم ، هل بقي لكم بقية من دم أو مال ، لم يود لكم ؟ قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال ، احتياطا " لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما يعلم ولا تعلمون ، ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، فأخبره الخبر ، فقال : أصبت وأحسنت ، قال : ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستقبل القبلة قائما " ، شاهرا " يديه ، حتى إنه ليرى مما تحت منكبيه ، يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات ( 2 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) صحيح البخاري 9 / 91 - 92 .
( 2 ) سيرة ابن هشام 4 / 326 ، مغازي الواقدي 3 / 875 - 884 ( تحقيق مارسدن جونس - عالم الكتب - بيروت 1404 ه‍ / 1984 ) . ابن قيم الجوزية : زاد المعاد في هدى خير العباد 3 / 415 - 416 ( تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط - ط مؤسسة الرسالة - بيروت 1405 ه‍ / 1985 م ) ، ابن سعد : الطبقات الكبرى 2 / 110 ( دار التحرير - القاهرة 1968 ) ، محمد أبو زهرة : خاتم النبيين 2 / 1018 - 1021 ( دار الفكر العربي . ( * )

 

 

 ص 75

ويختم الجويني حديثه في صفات الإمام القوام على أهل الإسلام ، بأنه الرجل ، الحر ، القرشي ، المجتهد ، الورع ، ذو النجدة والكفاية .

ثم يقول : ويمكن رد هذه الصفات إلى شيئين ، فيقال : الورع الاستقلال والنسب ، ويدخل تحت الاستقلال الكفاية ، والعلم ، والورع ، والحرية ، والذكورة تدخل أيضا " ، فإن المرأة مأمورة بإن تلزم جدرها ، ومعظم أحكام الإمام تستدعي الظهور والبروز ، فلا تستقل المرأة إذن ( 1 ) .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الجويني : المرجع السابق ص 90 - 91 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

من هم الشيعة

 

فهرس الكتاب