|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 76 - |
خامسا " : عقد الإمامة
جاء في موسوعة فقه عثمان بن عفان : تنعقد الإمامة عند عثمان بن عفان ، رضي الله
عنه ، بأحد أمرين : المبايعة أو الغلبة .
1 - المبايعة :
وبالمبايعة عقدت الإمارة للخليفتين أبي بكر وعمر ، صحيح أن أبا بكر قد رشح عمر
بن الخطاب للخلافة ، ولكن عمر لم يعتبر نفسه خليفة ، وحتى تلقى البيعة من
المسلمين ، وكانت البيعة لعثمان بن عفان ، على نحو آخر ، فقد جعل
عمر بن الخطاب الإمارة بعده إلى واحد من ستة ، يختار من بينهم
بالشورى ، وهم : عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ، وطلحة بن عبيد الله والزبير
بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف ، وتحرج أن يجعلها لواحد من
هؤلاء
بالتعيين ، وقال : لا أتحمل أمركم حيا " وميتا " ، وإن يرد
الله بكم خيرا " ، يجمعكم على خير هؤلاء ، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم صلى
الله عليه وسلم . ولما اجتمع هؤلاء الستة تنازل الزبير عن الإمارة لصالح علي بن
أبي طالب ، وتنازل
سعد عن الإمارة إلى عبد الرحمن بن عوف ، وتنازل طلحة لصالح
عثمان بن عفان ، فقال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان ، أيكما يبرأ من هذا الأمر
، فنفوض الأمر إليه ، فسكتا ، ولم يتنازل واحد منها للآخر ، فقال عبد الرحمن :
إني أترك حقي
من ذلك ، والله علي والإسلام أن أجتهد ، فأولي أولاكما بالحق
، فقالا : نعم ، ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل ،
وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ، ولئن ولي عليه
ليسمعن وليطعن ، فقال كل منهما : نعم . ثم نهض عبد الرحمن بن
عوف يستشير الناس فيهما ، ويحصي الآراء ، حتى خلص إلى النساء
المخدرات في حجابهن ، وحتى سأل الولدان في المكاتب ، وحتى سأل من يرد من
الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها ، فظهر له تفضيل
الناس ولاية
عثمان بن عفان ، فاستدعاهما إلى المسجد ، وأعلن البيعة لعثمان
بن عفان ، على ملأ من الناس ، وبذلك صار عثمان بن عفان أميرا " للمؤمنين بعد
عمر بن الخطاب ( 1 ) .
2 - الغلبة : عثمان بن عفان ، رضي الله عنه
، يرى أنه إذا خرج رجل على الأمير ، واستتب له الأمر ، وصار معه الناس ، أصبح
أميرا " شرعيا " ، لا تجوز مخالفته ، فعن عبد الله بن رباح قال : دخلت أنا وأبو
قتادة على عثمان وهو محصور ،
فاستأذناه في الحج ، فأذن لنا ، فقلنا : يا أمير المؤمنين ،
قد حضر من أمر هؤلاء ما قد ترى ، فما تأمرنا ؟ قال : عليكم بالجماعة ، قلنا :
فإنا نخاف أن تكون الجماعة مع هؤلاء الذين يخالفونك ، قال : إلزموا ، الجماعة
حيث كانت ، قال : فخرجنا
من عنده ، فلقيت الحسن بن علي داخلا " عليه ، فرجعنا معه
لنسمع ما يقول ، قال : أنا هذا يا أمير المؤمنين ، فأمرني بأمرك ، قال : إجلس
يا ابن أخي حتى يأتي الله بأمره ، فإنه لا حاجة لي في الدنيا ، أو قال : في
القتال ، وهذا واضح في أن من صارت الغلبة إليه ، واجتمع عليه أمر الناس صار
إماما " شرعيا " ( 2 ) .
ويقول الباقلاني : إنما يصير الإمام إماما " بعقد
من يعقد له الإمامة من
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد رواس قلعة جي : موسوعة فقه عثمان بن
عفان - نشر جامعة أم القرى - مكة المكرمة 1404 ه / 1983 ص 72 -
73 ،
ابن كثير : البداية والنهاية 7 / 145 ثم
قارن : ( محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي
طالب ص 163 - 173 من الجزء الأول - بيروت 1990 ) .
( 2 ) موسوعة فقه عثمان بن عفان ص 74 ،
مصنف عبد الرازق 11 / 447 . ( * )
|
|
|
أفاضل المسلمين ، الذين هم من أهل الحل والعقد ، والمؤتمنين
على هذا الشأن ، وذلك عن طريق اختيار من تتوفر فيه شروط الإمامة .
ولعل السبب في ذلك أن اجتماع أهل الحل والعقد في سائر أمصار
المسلمين بصقع واحد ، وإطباقهم على البيعة لرجل واحد متعذر ممتنع ، وأن الله
تعالى لا يكلف فعل المحال الممتنع ، الذي لا يصح فعله ولا تركه ، هذا فضلا " عن
أن سلف الأمة
لم يراعوا في العقد لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، حضور جميع
أهل الحل والعقد في أمصار المسلمين ، ولا في المدينة أيضا " ، وأن عمر بن
الخطاب رد الأمر إلى ستة أنفار فقط ، وإن كان في غيرهم من يصلح للعقد ، وأن أبا
بكر عقد لعمر ، فتمت إمامته .
هذا ويذهب الباقلاني إلى عدم اشتراط عدد معين لحضور عقد
الإمام ، فإن حضر نفر من المسلمين تمت البيعة ، وقال قوم : إن أقل ما يجب أن
يحضر أربعة نفر ، ولكن الباقلاني يرى أن هذا ليس بواجب ، ولا يملك الرجل من أهل
الحل والعقد ، عقد الإمامة لنفسه .
وإذا عقد جماعة من أهل الحل والعقد لعدة أئمة في بلدان مختلفة
متفرقة ، وكانوا كلهم يصلحون للإمامة ، فإذا اتفق مثل هذا تصفحت العقود ،
وتؤملت ، ويقر من بدئ بالعقد له ، ويقال للباقين : إنزلوا عن الأمر ، فإن فعلوا
، وإلا قوتلوا على ذلك ،
وكانوا عصاة في المقام عليها ، وإذا لم يعرف الأسبق ، وادعى
كل واحد منهم أن العقد سبق له ، أبطلت سائر العقود ، واستؤنف العقد لواحد منهم
، أو من غيرهم ، وإن أبوا ذلك ، قاتلهم الناس عليه ، فإن تمكنوا ، وإلا فهم في
غلبة وفتنة ،
وعذر من ترك إمامة الإمام ، وإن تمكن من العقد لغيرهم ، فعل
ذلك ، وكان الإمام المعقود له حربا " لسائر هؤلاء ، حتى يذعنوا ، ويرجعوا إلى
الطاعة والسداد ( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) القاضي أبو بكر الباقلاني : تمهيد الأوائل
، وتلخيص الدلائل - تحقيق عماد الدين
أحمد حيدر - بيروت 1987 ص 467 - 470 .
|
|
|
وأما عقد الإمامة - عند ابن حزم - فبوجوه :
أولها ، وأفضلها وأصحها : أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان
يختاره ، إماما " بعد موته - سواء فعل ذلك في صحته أو في مرضه أو عند موته - إذ
لا نص ، ولا إجماع ، على المنع من أحد الوجوه - كما فعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم بأبي بكر - .
والثاني : إن مات الإمام ، ولم يعهد إلى أحد ، أن يبادر رجل
مستحق للإمامة ، فيدعو لنفسه ، ولا منازع له ، ففرض أتباعه ، والانقياد لبيعته
، والتزام إمامته وطاعته ، كما فعل علي ، إذ قتل عثمان .
والثالث : يعهد الإمام عند وفاته اختيار خليفة المسلمين إلى
رجل ثقة ، أو إلى أكثر من واحد ، كما فعل عمر رضي الله عنه ، وقد انعقد الإجماع
بالنسبة للطريقة الأخيرة ، على عدم جواز أن يؤخر اختيار الخليفة أكثر من ثلاث
ليال ، منذ اللحظة التي مات فيها الخليفة ، استدلالا " بما أشار به عمر على
المسلمين في هذا النطاق ( 1 ) .
ويعقب الدكتور أحمد صبحي في كتابه الزيدية على
ذلك ، بأن كلام ابن حزم ، إنما ينطوي على مجموعة أخطاء تاريخية وتشريعية .
فأما الأخطاء التاريخية : فاعتباره تولية أبي بكر
نصا " من النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك ما لم تقل به فرقة من المسلمين - عدا
البكرية للرد على الشيعة - هذا إلى جانب إشارته إلى أن الإمام علي بن أبي طالب
رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما قد نصب نفسه خليفة ،
والحقائق التاريخية تقول : إن الناس قد انثالوا
عليه من كل جانب يبايعونه ، بعد مقتل عثمان ، ودون إكراه من أحد ، وقد كان أولى
بابن حزم أن يعد هذه أصح طرق البيعة ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن حزم الأندلسي : الفصل في الملل
والأهواء والنحل - الجزء الخامس - ( ط محمد علي صبيح - القاهرة
1964 ) ص 9 - 10 .
( 2 ) أحمد محمود صبحي : الزيدية - منشأة
المعارف - الإسكندرية 1980 ص 26 - 27 . ( * )
|
|
|
هذا فضلا " عن أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قد روي عنه
أنه قال : إن بيعة أبي بكر ، كانت فلتة ، وقى الله شرها
( 1 ) ، بل إن هناك رواية تنسب الجملة نفسها إلى أبي بكر ، وليس إلى عمر ، رضي
الله عنها ( 2 ) ، ولعل أجمل تفسير
لكلمة الفاروق عمر ، رضوان الله عليه ، ما ذهب إليه الدكتور
طه حسين ( 1889 - 1973 م ) من أن بيعة أبي بكر لم تتم في أول أمرها عن ملأ من
جماعة المسلمين ، وعن تشاور ، وإحالة للرأي وإنما تمت فجأة ( 3 ) ، حين اجتمعت
الأنصار
في سقيفة بني ساعدة ، وهمت أن تؤمر سعدا " ، وحين حاورهم أبو
بكر وصاحباه ، فهناك رشح أبو بكر للأنصار عمر ، أو أبا عبيدة ، وكره هذان أن
يتقدما عليه ، فأسرعا إلى بيعته ، وتبعهم الأنصار ، ثم تتام الناس على البيعة
بعد ذلك ، ولو لم
يجتمع الأنصار ، ويهموا بتأمير سعد ، لجرى أمر البيعة غير هذا
المجرى ، ثم انتظر الناس بها ، حتى يفرغوا من دفن النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولا اجتمع أهل الرأي من المهاجرين والأنصار ، فتذاكروا أمرهم وأمر المسلمين ،
واختاروا من بينهم خليفة لرسول الله .
ومن أجل ذلك كانت بيعة أبي بكر فلتة - فيما روي
عن عمر - وقد وقى الله شرها ، لأن المسلمين لم ينكروا هذه البيعة ، ولم يجادل
فيها مجادل منهم ، ولا تردد فيها متردد ( 4 ) ، وإنما أقبلوا فبايعوا أبا بكر
راضية
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 8 / 208 - 210 ،
البلاذري : أنساب الأشراف 1 / 583 - 584
( تحقيق محمد حميد الله - القاهرة 1959 ) ،
تاريخ اليعقوبي 2 / 158 ( دار بيروت - بيروت 1400 ه / 1980 م )
،
السيوطي : تاريخ الخلفاء ص 67 ( تحقيق
محمد محي الدين عبد الحميد - القاهرة 1383 ه / 1964 م ) ،
تاريخ الطبري 3 / 205 ( دار المعارف 1979 ) ،
ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2 / 327
( دار صادر ، دار بيروت - بيروت 1385 ه / 1965 م ) ،
المرتضى : الشافي في الإمامة 1 / 241 -
244 ( طهران 1301 ه ) ،
ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 2 / 26
- 40 ( دار الفكر - بيروت 1399 ه / 1979 م ) ،
طه حسين : الشيخان - القاهرة 1992 / 1993
م ص 38 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة 2 / 50 .
( 3 ) يقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة
( 2 / 26 ) : وقد أكثر الناس في حديث الفلتة ، وذكرها شيوخنا المتكلمون
، فقال شيخنا أبو علي ، رحمه الله تعالى ، الفلتة : ليست الزلة
والخطيئة ، بل هي البغتة ، وما وقع فجأة من غير رؤية ولا مشاورة .
( 4 ) هذا غير صحيح طبقا " لما أوردته المصادر التاريخية ، بل
والحديثية ( أنظر ) محمد بيومي مهران : ( الإمام
علي بن أبي طالب 1 / 145 - 163 بيروت 1990 م ) . ( * )
|
|
|
نفوسهم ، مطمئنة إليه قلوبهم وضمائرهم ، ثم نصحوا له بعد ذلك
، ما عاش فيهم ، فلما مرض مرضه الذي توفي فيه ، أوصى لعمر بالخلافة على النحو
الذي رواه المؤرخون ( 1 ) .
هذا من الناحية التاريخية ، وأما من الناحية التشريعية ،
فمن الأخطاء ،
منها : هل يمكن أن يقام حكم شرعي ، واجب الطاعة ، على مجرد
عدم المنع ، كما أشار في حديثه عن عهد الخليفة إلى من يليه ، وإذا كانت الشرعية
لا تمنعه ، فهل هذا يجعله أصح وأفضل الطرق الشرعية .
ثم ، وهل مجرد تحديد عمر المدة التي ينبغي أن لا يتأخر عنها
تولي الخليفة - وهي ثلاثة أيام - هل يصح أن يوصف ذلك بأن الإجماع قد انعقد عليه
.
وفي الواقع أن مصادر التشريع أربعة معروفة ، ولما لم يكن منها
عمل الصحابي ، فقد سماه ابن حزم إجماعا " .
وعلى أية حال : فخلاصة القول - فيما يرى الدكتور أحمد صبحي -
أنه لا مجال لاستنباط أحكام شرعية من تولي الخلفاء الراشدين ، إلا على هذا
النحو من التكلف والافتعال ، هذا وينبغي التمييز بين جانبين : الجانب الإنساني
الفردي ، وقد كان في العصور الأولى للإسلام شخصيات ، تعد دونما ريب ، مثلا "
أعلى في السياسة والحكم ، فضلا " عن الدين والخلق - كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي
- .
وأما الجانب التشريعي التقنيني الذي يقوم أحكاما " عامة تصلح على مدى الزمن ،
وهذا ما كان غائبا " تماما " . وقد لزم عن هذا الفراغ نتيجتان : الأولى :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) طه حسين : الشيخان ص 39 - 40 . ( *
)
|
|
|
سهولة تحول الخلافة إلى الملك العضوض القائم على الغلبة ليس
غير ، والثانية : غياب تشريع يلتزم به الواقع والتطبيق ( 1 ) .
هذا ويذهب ابن أبي الحديد ( 2 ) إلى أن الإمامة لا يشترط في
صحة انعقادها أن يحضر الناس كافة ، لأنه لو كان ذلك مشترطا " لأدى إلى أن لا
تنعقد إمامة أبدا " ، لتعذر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض ، ولكنها تنعقد
بعقد
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أحمد صبحي : الزيدية ص 26 - 27 .
( 2 ) ابن أبي الحديد : هو عز الدين أبو
حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني ،
أحد جهابذة العلماء ، وأثبات المؤرخين ، كان فقيها " أصوليا " ، وله في
ذلك مصنفات معروفة مشهورة ، وكان متكلما " جدليا " نظارا " ، اصطنع
مذهب الاعتزال ،
وعليه جادل وناظر ، وكان أديبا " ناقدا " ، خبيرا " بمحاسن الكلام
ومساوئه ، وكتاب الفلك الدائر على المثل السائر دليل على رسوخ قدمه في
نقد الشعر ، وفنون البيان ، كما كان متقنا " لعلوم اللسان ، عارفا "
بأخبار العرب ، جامعا " لخطبها ومنافراتها . ولد في المدائن في
غرة ذي الحجة عام 586 ه ، ونشأ بها ، وتلقى على شيوخها ، ودرس المذاهب
الكلامية فيها ، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها ، وكان الغالب على أهل
المدائن التشيع ، فتشيع مثلهم ، وحينما انقضت أيام صباه ، خف إلى بغداد
- حاضرة الخلافة - واختلط بالعلماء من
أصحاب المذاهب ، ثم جنح إلى الاعتزال ، وأصبح - كما يقول صاحب نسمة
البحر - معتزليا " جاحظيا " في أكثر شرحه لنهج البلاغة ، بعد أن كان
شيعيا " ، وفي بغداد نال الحظوة عند الخلفاء العباسيين - وكانوا
يضطهدون آل بيت الإمام علي - فأخذ ابن أبي الحديد جوائز
بني العباس ، ونال عندهم سني المراتب ، ورفيع المناصب ، فكان كاتبا "
في دار التشريفات ، ثم في الديوان ، ثم ناظر البيمارستان ، وأخيرا "
فوض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد ، وفي كل ذلك كان مرموق الجانب ،
عزيز المحل ، كريم المنزلة ، إلى أن مات في عام 656 ه
على رأي ، 655 ه على رأي آخر ، وذكر ابن الفوطي أنه أدرك سقوط بغداد
عام 656 ه ، وأهم مصنفاته :
1 - الاعتبار على كتاب الذريعة في أصول الشريعة . 2 - انتقاد المستصفى
للغزالي . 3 - الحواشي على كتاب المفصل في النحو .
4 - شرح المحصل للإمام فخر الدين الرازي . 5 - شرح مشكلات الغرر لأبي الحسن
البصري في أصول الكلام . 6 - ديوان شعره .
7 - شرح الياقوت لابن نوبخت في الكلام . 8 - الفلك الدائر على المثل السائر -
ألفه برسم الخليفة المستنصر . 9 - نقض المحصول في علم الأصول للإمام
فخر الدين الرازي . 10 - شرح نهج البلاغة
، وغيرهما . ( شرح نهج البلاغة ( 1 / 13
- 22 ) . ( * )
|
|
|
العلماء وأهل الحل والعقد الحاضرين ، ثم لا يجوز بعد عقدها
لحاضريها ، أن يرجعوا من غير سبب يقتضي رجوعهم ، ولا يجوز لمن غاب عنها ، أن
يختار غير من عقد له ، بل يكون محجوجا " بعقد الحاضرين ، مكلفا " طاعة الإمام
المعقود له ، وعلى هذا جرت الحال في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، وانعقد إجماع
المسلمين عليه ( 1 ) .
وفي الواقع إن هذا الاتجاه لا يعدو أن يكون تفسيرا " لقول سيدنا الإمام علي بن
أبي طالب عليه السلام ، حيث يقول : وبعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى
تحضرها عامة الناس ، ما إلى ذلك سبيل ، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ، ثم
ليس للشاهد أن يرجع ، ولا للغائب أن يختار ( 2 ) .
وأما عقد الإمامة - عند الماوردي - طبقا "
لاختيار الخلفاء الراشدين ، فهناك طريقان : أحدهما : باختيار أهل الحل والعقد -
كما وقع بالنسبة لأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والثاني : بعهد الإمام من
قبل - كما وقع بالنسبة لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه - .
وأما الأولى : وهي اختيار أهل
الحل والعقد ، فلقد اختلف العلماء في عدد من تنعقد بهم الإمامة . فذهب رأي إلى
أنها لا تنعقد ، إلا بجمهور أهل الحل والعقد في كل بلد ، ليكون الرضا به عاما "
، والتسليم لإمامته إجماعا " ، وهذا مدفوع ببيعة أبي بكر بالخلافة ، باختيار من
حضرها ، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها .
على أن هناك وجها " آخر للنظر ، يذهب أصحابه إلى أنها تنعقد
باجتماع خمسة ، أو يعقدها أحدهما برضاء الأربعة ، استدلالا " بأمرين : أحدهما :
أن بيعة أبي بكر ، انعقدت بخمسة ، اجتمعوا عليها ، ثم تابعهم الناس فيها - وهم
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) شرح نهج البلاغة 9 / 329 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9
/ 38 ، وانظر : الإمام محمد عبده : نهج البلاغة
ص 199 ( دار الشعب - القاهرة 1970 م ) . |
|
|
عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن حضير ،
وبشير بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة ،
وأما الأمر الثاني : فإن عمر بن
الخطاب ، جعل الشورى في ستة ، ليعقد لأحدهم ، برضاء الخمسة ، وهذا قول أكثر
الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة .
وهناك وجه ثالث للنظر ، يذهب أصحابه إلى أن الإمامة إنما تنعقد بثلاثة ،
يتولاها أحدهم برضا الاثنين ، ليكونوا حكما " وشاهدين - كما يصح عقد النكاح
بولي وشاهدين .
على أن هناك وجها " رابعا " للنظر ، يذهب أصحابه إلى أنها تنعقد بواحد ، لأن
العباس بن عبد المطلب قال لعلي ، رضي الله عنهما : أمدد يدك أبايعك ، فيقول
الناس : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بايع ابن أخيه ، فلا يختلف عليك
اثنان ولأنه حكم ، وحكم الواحد نافذ ( 1 ) .
غير أن هناك من اعترض على هذه الآراء ، لأسباب منها
( أولا " ) : أن بيعة أبي بكر
لم تنعقد بخمسة ، اجتمعوا عليها ، وإنما انعقدت في اجتماع سقيفة بني ساعدة ،
وفيها جمع من الأنصار ، وعدد من المهاجرين ، انتهى إلى بيعة أبي بكر بالخلافة .
ومنها ( ثانيا " ) أن حصر عمر
بن الخطاب الشورى في ستة ، لا يعني أن العدد مقصود بذاته ، وإنما كان لأن هؤلاء
الستة ، هم بقية العشرة المبشرين بالجنة ، ولو لا قرابة سعيد بن زيد من عمر بن
الخطاب - ابن عمه ، وزوج أخته فاطمة -
لأدخله فيهم ، ولكانوا سبعة ، ولكنه أخرجه من أهل الشورى
تورعا " من أن يختاره لقرابته له ، ولو كان ما تبقى من العشرة المبشرين بالجنة
، أقل من ستة ، لحصر الاختيار فيهم ، فالعبرة إذن ليست بالعدد هنا ، وإنما
بالخيرية والفضل .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي :
الأحكام السلطانية والولايات الدينية ص 6 - 7 ( دار الكتب
العلمية - بيروت 1402 ه / 1982 م ) .
|
|
|
ومنها ( ثالثا " ) أن القول
بانعقاد الإمامة بثلاثة ، قياسا " على عقد النكاح ، إنما هو قياس مع الفارق ،
وأما القول بانعقاد الإمام بواحد ، طبقا " لقول العباس ، رضي الله عليه ،
للإمام علي رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة أمدد يدك
أبايعك . . . الخ ، فالرد عليه : أن الإمام علي عليه السلام ،
لم يقبل ذلك العرض . ومن ثم فأهم ما يجب في اختيار الخليفة : الالتزام بالشورى
، والانقياد لرأي الجماعة ( 1 ) .
ويقول البغدادي : وقالوا - أي أهل السنة والجماعة
- إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد ، وقالوا :
تنعقد الإمامة بمن يعقدها لمن يصلح للإمامة ، إذا كان العاقد من أهل الاجتهاد
والعدالة . وقالوا : لا تصح الإمامة إلا لواحد في جميع أرض الإسلام ، إلا أن
يكون بين الصقعين حاجز من بحر ، أو عدو لا يطاق ، ولم يقدر أهل كل واحد من
الصقعين على نصرة أهل الصقع الآخر ، فحينئذ يجوز لأهل الصقع عقد الإمامة لواحد
يصلح لها منهم ( 2 ) .
ويقول إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد
الله الجويني في الغياثي ( 3 ) : إن الإجماع ليس شرطا " في عقد الإمامة ، فلقد
صحت بيعة أبي بكر ، فقضى وحكم ، وأبرم وأمضى ، وجهز الجيوش ، وعقد الألوية ،
وجر العساكر إلى مانعي الزكاة ، وجبى الأموال ، وفرق منها ، ولم ينتظر في تنفيذ
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) محمد بيومي مهران : الإمام علي بن أبي
طالب 1 / 151 - 152 ( دار النهضة العربية بيروت 1990 ) .
( 2 ) عبد القادر بن طاهر بن محمد البغدادي :
الفرق بين الفرق - تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ص 349 -
350 ( دار المعرفة - بيروت ) .
( 3 ) أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني :
الغياثي - غياث الأمم في التياث الظلم -
تحقيق عبد العظيم الدين - الدوحة 1400 ه ص 67 . ( * )
|
|
|
الأمور ، انتشار الأخبار في أقطار خطة الإسلام ، وتقرير
البيعة من الذين لم يكونوا في بلد الهجرة ، وكذلك جرى الأمر في إمامة الخلفاء
الأربعة .
وعلى أية حال ، فلقد انقسم العلماء فيمن تنعقد بهم الإمامة ،
فذهب بعض العلماء إلى أن الإمامة إنما تنعقد ببيعة اثنين من أهل الحل والعقد ،
واشترط طوائف عدد أكمل البينات في الشرع ، وهو أربعة ، على أن هناك بعض من لا
يعد من أحزاب الأصوليين ، إنما يذهب إلى اشتراط أربعين ، وهو عدد الجمعة ، عند
الإمام الشافعي ، رضي الله عنه .
وهذه المذاهب لا أصل لها من مأخذ الإمامة ، فأما من ذكر اثنين
، إنما تخيل أن هذا العدد ، أقل الجمع ، فلا بد من اجتماع جمع على البيعة .
ومن شرط أربعة قال : إن الإمامة من أعلى الأمور ، وأرفع
الخطوب ، فيعتبر فيها عدد أعلى البيانات ، ومن ادعى الأربعين ، استمسك بقريب
مما قدمناه ، واعتبر من يقتدي بإمام المسلمين بمن يقتدي بإمام الجمعة . وهذه
المسالك من أضعف طرق
الأشباه ، وهي أدون فنون المقاييس في الشرع ، ولست أرى أن
أحكم بها في مواقع الظنون ، ومظان الترجيح والتلويح ، فما الظن بمنصب الإمامة ؟
ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع ، لم يعدم وجوها " بعيدة عن
التحصيل في التشبيه ( 1 ) .
وأقرب المذاهب ما ارتضاه القاضي أبو بكر الباقلاني ( 2 ) عن
أبو الحسن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) نفس المرجع السابق ص 67 - 69 .
( 2 ) الباقلاني : هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن
القاسم ، المعروف بالباقلاني ، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري ، مؤيدا
" اعتقاده ، ناصرا " طريقته ، سكن بغداد ، وصنف التصانيف الكثيرة
المشهورة في علم الكلام ، توفي لسبع بقين من ذي القعدة عام 403 ه ،
وأشهر مؤلفاته إعجاز القرآن وانظر عن
ترجمته ( وفيات الأعيان 4 / 269 - 270 ،
تاريخ بغداد 5 / 379 ،
شذرات الذهب 3 / 168 ، العبر
للذهبي 3 / 86 ، الوافي 3 / 177 ،
المنتظم 7 / 265 ) . ( * )
|
|
|
الأشعري ( 1 ) ، وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل
واحد من أهل الحل والعقد ( 2 ) .
ووجه هذا المذهب أنه تقرر أن الإجماع ليس شرطا " في
عقد الإمامة ، ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص ، والعقود في الشرع مولاها ( أو
يتولاها ) عاقد واحد ، وإذا تعدى المتعدي الواحد ، فليس عدد أولى من عدد ، ولا
وجه للتحكيم في إثبات عدد مخصوص ، فإذا لم يقم دليل على عدد ، لم يثبت العدد ،
وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطا " ، فانتفى الإجماع ، وبطل العدد بانعدام
الدليل عليه ، فلزم المصير إلى الاكتفاء بعقد الواحد .
وظاهر قول القاضي أبو بكر الباقلاني يشير إلى أن ذلك مقطوع به ، وهذا - وإن كان
أظهر المذاهب في ذلك - فلسنا نراه بالغا " مبلغ القطع .
ثم يقول إمام الحرمين الجويني : والذي أراه أن
أبا بكر لما بايعه عمر ، لو ثار ثائرون ، وأبدوا صفحة الخلاف ، ولم يرضوا تلك
البيعة ، لما كنت أجد متعلقا " في أن الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد ، وكذلك لو
فرضت بيعة اثنين ، أو أربعة فصاعدا " ، وقدرت ثوران مخالفين ، لما وجدت متمسكا
" به اكتراثا " واحتفالا " ، في قاعدة الإمامة ، ولكن لما بايع عمر تتابعت
الأيدي ، واصطفقت الأكف ، واتسعت الطاعة ، وانقادت الجماعة .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أبو الحسن الأشعري : هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر
إسحاق بن سالم ، ينتهي نسبه الصحابي أبي موسى الأشعري ، ولد في عام 260
ه أو 270 ، وتوفي 324 ه ، وقيل 330 ه وقيل 333 ه في بغداد ، وكان
في أول أمره معتزليا " ، ثم رجع عنهم ، وأصبح عدوا " لهم ، وانظر عن
ترجمته ( وفيات الأعيان 3 / 284 - 286 ،
تاريخ بغداد 11 / 346 ،
طبقات الشافعية الكبرى 2 / 446 ،
شذرات الذهب 3 / 285 ،
ميزان الاعتدال 3 / 155 ،
طبقات السبكي 3 / 303 ،
طبقات المفسرين ص 25 ) .
( 2 ) لكن هذا يعارض ما ذهب إليه الفاروق عمر في قوله : إن بيعة أبي
بكر كانت فلتة ، وقى الله شرها ، فلا بيعة إلا عن مشورة ، وأيما رجل
بايع رجلا " ، عن غير مشورة ، فلا يؤمر واحد منهما ، لغرة أن يقتلا (
ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 12 /
147 ، الفائق 2 / 297 ) . ( * )
|
|
|
والوجه عندي في ذلك ، أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من
الأتباع والأنصار والأشياع ، تحصل بهم شوكة ظاهرة ، ومنعة قاهرة ، بحيث لو فرض
ثوران خلاف ، لما غلب على الظن أن يصطدم أتباع الإمام ، فإذا تأكدت البيعة ،
وتأطدت بالشوكة
والعدة والعدد ، واعتضدت ، وتأيدت بالمنة ، واستظهرت بأسباب
الاستيلاء ، والاستعلاء ، فإذا تثبت الإمامة وتستقر ، وتتأكد الولاية وتستمر ،
ولما بايع عمر مالت النفوس إلى المطالبة والموافقة ، ولم يبد أحد شراسا "
وشماسا " ، وتظاهروا على بذل الطاعة على حسب الاستطاعة ( 1 ) .
ويذهب القلقشندي في مآثر الإنافة في معالم الخلافة إلى أن الإمامة إنما تنعقد
بثلاث طرق ، تترتب على كل طريق جملة من الأحكام ، كالتالي :
1 - الطريق الأول : البيعة :
وهو أن يجتمع أهل الحل والعقد ، ويعقدون الإمامة لمن يستجمع شرائطها ، ويتأتى
ذلك في موضعين : الأول : أن يموت الخليفة الذي كان منتصبا " ، عن غير عهد إلى
أحد بعده .
والثاني : أن يخلع الخليفة نفسه
من الخلافة ، أو يخلعه أهل الحل والعقد ، لموجب اقتضى خلعه نفسه ، أو خلع أهل
الحل والعقد له . هذا ويشترط لصحة عقد البيعة شروطا " خمسة :
الأول : أن يجتمع في المأخوذ له البيعة كل شروط الإمامة -
الآنفة الذكر - فلا تنعقد مع فوات واحد منها ، إلا مع الشكوة والقهر ، فلو جمع
شروط الإمامة اثنان فأكثر ، قال الماوردي ( 2 ) : فلو تكافأ في شروط الإمامة
اثنان قدم لها
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الجويني : الغياثي ص 69 - 71 .
( 2 ) الماوردي : هو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي
الماوردي ، الفقيه الشافعي ، كان من وجوه الفقهاء الشافعية ومن كبارهم
، أخذ الفقه عن أبي القاسم الصميري بالبصرة ، ثم عن الشيخ أبي حامد
الاسفرايني ببغداد ، وكان حافظا " للمذهب وله في كتاب
=>
|
|
|
اختيارا " أسنهما - وإن لم تكن زيادة السن ، مع كمال البلوغ
شرطا " - فإن بويع أصغرهما جاز ، ولو كان أحدهما أعلم ، والآخر أشجع ، روعي في
الاختيار ما يوجبه حكم الوقت ، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار
الثغور ،
وظهور البغاة ، كان الأشجع أحق ، وإن كانت الحاجة إلى فضل
العلم أدعى ، لسكون الدهماء ، وظهور أهل البدع ، كان الأعلم أحق ، فإن وقف
الاختيار على واحد من اثنين ، فتنازعاها ، فقد قال بعض الفقهاء يكون قدحا "
لمنعهما منها ، ويعدل
إلى غيرهما ، والذي عليه جمهور العلماء والفقهاء أن التنازع
فيها لا يكون قدحا " مانعا " ، وليس طلب الإمامة مكروها " ، فقد تنازع فيها أهل
الشورى ، فما رد عنها طالب ، ولا منع منها راغب ( 1 ) .
والثاني : أن يكون المتولي لعقد البيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء
وسائر وجوه الناس ، وفيمن تنعقد به البيعة منهم سبعة مذاهب : أولها : أنها لا
تنعقد إلا بأهل الحل والعقد من كل بلد ، ليكون الرضى عاما " ، والتسليم لإمامته
إجماعا " وهذا مدفوع ببيعة أبي بكر ، رضي الله عنه ، باختيار من حضرها ، من غير
انتظار قدوم غائب عنها .
| |
* هامش * |
|
| |
=> الحاوي
الذي لم يطالعه أحد إلا وشهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب ، وقد
فوض إليه القضاء في بلاد كثيرة ، وروى عنه الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ
بغداد . وأهم تصانيف الماوردي : الحاوي وتفسير القرآن الكريم والنكت
والعيون وأدب الدين والدنيا والأحكام السلطانية وقانون الوزارة وسياسة
الملك والإقناع في المذهب وغير ذلك ، كما صنف كثيرا " في أصول الفقه
والأدب ، فقد كان إماما " في الفقه والأصول والتفسير ، بصيرا "
بالعربية ،
وانظر عنه ( ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب
3 / 285 - 287 ، وفيات الأعيان 3 / 282 -
284 ،
تاريخ بغداد 11 / 346 ، المنتظم 6
/ 332 ، طبقات السبكي 2 / 245 ،
خطط المقريزي 2 / 359 ،
البداية والنهاية لابن كثير 11 / 187 ،
عبر الذهبي 2 / 202 ، الجواهر المضيئة
1 / 353 ) .
( 1 ) الماوردي : الأحكام السلطانية والولايات
الدينية - دار الكتب العلمية - بيروت 1402 ه / 1982 ص 7 . ( *
)
|
|
|
وثانيها : أن أقل من تنعقد بهم أربعون - لا دونهم - لأن عقد
الإمامة فوق عقد الجمعة ، ولا تنعقد بأقل من أربعين .
وثالثها : أقل من تنعقد به خمسة يجتمعون على عقدها ، أو
يعقدها أحدهم برضى الأربعة ، لأن بيعة أبي بكر ، رضي الله عنه ، انعقدت بخمسة -
وهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وأسيد بن حضير وبشير بن سعد ، وسالم
مولى أبي حذيفة - ثم تابعهم الناس على ذلك ، وقد جعلها عمر بن الخطاب رضي الله
عنه ، شورى في ستة نفر ، تنعقد لأحدهم برضى الخمسة
ورابعها : تنعقد بأربعة ، لأن الشهادة في الزنا تقوم بأربعة ،
فكذلك الإمامة .
وخامسها : تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين الآخرين ،
ليكونوا حكما " وشاهدين ، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين .
وسادسها : تنعقد باثنين ، لأن رتبة الخلافة لا تنقص عن رتبة
الحكومات ، والحاكم لا يلزم أحد الخصمين حق صاحبه إلا بشهادة عدلين ، فكذلك لا
يلزم الناس الانقياد لقول الإمام إلا بعدلين .
وسابعها : تنعقد بواحد ، لما روي أن العباس رضي الله عنه قال
لعلي رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - أمدد يدك أبايعك ، فيقول الناس
: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بايع ابن أخيه ، فلا يختلف فيه اثنان ،
وقد قيل : إن بيعة الصديق ، رضي الله عنه ، انعقدت ببيعة عمر وحده ، ولأنه حكم
، وحكم الواحد نافذ .
ثم يضيف القلقشندي ثامنا " ، ويرى أنه الأصح عند أصحابه الشافعية ، رضي الله
عنهم ، وهو : أن الإمامة تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع ، من
العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس ، المتصفين بصفات الشهود ، حتى لو تعلق الحل
والعقد بواحد مطاع كفى ، لأن الأمر ، إذا لم يكن
صادرا " عن رأي من له تقدم في الوضع ، وقول مقبول ، لم تؤمن
إثارة فتنة ، ولا التفات إلى أهل البلاد النائية ، بل إذا بلغهم خبر البيعة ،
وجب عليهم الموافقة والمتابعة .
والثالث : أن يجيب المبايع إلى
البيعة ، حتى لو امتنع لم تنعقد إمامته ، ولم يجبر عليها ، قال النووي في
الروضة : إلا أن يكون من لا يصلح للإمامة ، إلا واحد ، فيجبر بلا خلاف .
والرابع : الإشهاد على المبايعة
، فيما إذا كان العاقد واحدا " ، أما إذا كان العاقد للبيعة جمعا " ، فإنه لا
يشترط الإشهاد .
والخامس : أن يتحد المعقود له ،
بأن لا تعقد البيعة لأكثر من واحد ( 1 ) ، واحتج له بما
رواه مسلم في صحيحه بسنده عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر
منهما ( 2 ) .
وروى أيضا " بسنده عن عرفجة قال
: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد
، يريد أن يشق عصاكم ، أو يفرق جماعتكم ، فاقتلوه ( 3 ) .
وروى أيضا " بسنده عن زياد بن
علاقة قال : سمعت عرفجة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه
ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة ، وهي جميع ، فاضربوه
بالسيف ، كائنا " من كان ( 4 ) .
وهكذا فلو عقدت البيعة لاثنين معا " ، لم تنعقد لواحد منهما ،
فلو كانا في
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) القلقشندي : مآثر الإنافة في معالم
الخلافة 1 / 39 - 46 ( الكويت 1964 ) .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 242 ( دار الكتب
العلمية - بيروت 1403 ه / 1983 م ) .
( 3 ) صحيح مسلم 12 / 242 .
( 4 ) صحيح مسلم 12 / 241 . ( * )
|
|
|
إقليمين متباعدين ، ففيه وجهان عند الشافعية ، أصحهما ما عليه
الجمهور بطلان بيعتهما ، وثانيهما : ما ذهب إليه أبو إسحاق الإسفراييني ،
واختاره إمام الحرمين ، صحة بيعتهما جميعا " ، لأنه قد تدعو الحاجة إلى ذلك -
كما كانت الخلافة الأموية في الأندلس ، والفاطمية في مصر والمغرب ، مع قيام
الخلافة العباسية في العراق - .
هذا وقد اختلف العلماء فيما إذا انفرد واحد بشروط الإمامة ، هل تثبت إمامته
بمجرد تفرده بها من غير عقد بيعة ؟ ذهب فريق من العلماء إلى انعقاد إمامته -
وإن لم يعقدها له أهل الحل والعقد - لأن المقصود من الاختيار ، إنما هو تمييز
من يستحق الولاية ، وقد تميز هذا بصفته ، وهذا ما نقله الماوردي عن بعض علماء
أهل العراق .
على أن هناك من يرى أنها لا تنعقد ، إلا بعقد أهل الحل والعقد ، لأن الإمامة
عقد ، فلا يصح إلا بعاقد ، كما لو انفرد واحد باستجماع شرائط القضاء ، فإنه لا
يصير قاضيا " حتى يولي ، وهو ما عليه جمهور الفقهاء ، وعليه اقتصر الرافعي
والنووي ، المعتمد على ترجيحهما ( 1 ) .
2 - الطريق الثاني : العهد : كان الطريق
الثاني من الطرق التي تنعقد بها الإمامة هو العهد ، وهو أن يعهد الخليفة
المستقر إلى غيره ، ممن استجمع شرائط الخلافة بالخلافة بعده ، فإذا مات العاهد
انتقلت الخلافة بعد موته إلى المعهود إليه ، ولا يحتاج مع ذلك إلى تجديد بيعة
من أهل الحل والعقد ، ولذلك حالتان :
الأولى : أن يعهد الخليفة بالخلافة من بعده إلى
واحد فقط ، فيجب الاقتصار عليه ، والأصل في ذلك ما روي من أن أبا بكر الصديق
رضي الله عنه
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) القلقشندي : المرجع السابق ص 46 - 48 . ( * )
|
|
|
في مرضه الذي مات فيه ، دعا عثمان بن عفان - وهو يومئذ كاتبه
- فقال له : أكتب ، قال : ما كتب ؟ قال : أكتب ، هذا ما عهد أبو بكر ، خليفة
رسول الله ، آخر عهده بالدنيا ، وأول عهده بالآخرة ، أني أستخلف عليكم ، ثم
رهقته عينه فنام ،
فكتب : عمر بن الخطاب ، ثم استيقظ أبو بكر فقال : هل كتبت
شيئا " ؟ قال : نعم ، كتبت عمر بن الخطاب ، فقال : أما إنك لو كتبت نفسك ، لكنت
لها أهلا " ، ولكن اكتب : استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن بر وعدل ، فذلك
ظني به ، وإن
بدل أو غير ، فلا علم لي بالغيب ، والخير أردت بكم ، ولكل
امرئ ما اكتسب من الإثم ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . ثم دخل عليه
عمر فعرفه ذلك ، فأبى أن يقبل ، فتهدده أبو بكر ، رضي الله عنه ، وقال : هاتوا
سيفي ، فقبل ،
ثم خرج عمر من عنده فدخل عليه طلحة ، فبكى ولامه على تولية
عمر ، فانتهره أبو بكر ، وقال : والله إن عمر خير لكم ، وأنتم شر له ، أتيتني
وقد وكفت عينك تريد أن تصدني عن ديني ، وتردني عن رأيي قم لا أقام الله رجلك (
1 ) .
هذا وقد اشترط العلماء لصحة الإمامة بالعهد شرطين : أحدهما أن يكون المعهود
إليه مستجمعا " لشرائط الإمامة في وقت العهد ، حتى لو كان المعهود إليه صغيرا "
، أو فاسقا " عند العهد ، بالغا " عدلا " عند موت العاهد ، لم يصر بذلك العهد
إماما " ، بل لا بد من مبايعة أهل الحل والعقد له بالخلافة .
وأما الشرط الثاني فهو أن يقبل المعهود إليه العهد ، فلو امتنع المعهود إليه من
القبول بويع غيره ، وكأنه لا عهد .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) أنظر عن استخلاف أبي بكر عمر بن الخطاب (
تاريخ الطبري 3 / 428 - 430 ،
الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 425 - 426 ،
تاريخ اليعقوبي 2 / 136 - 137 ،
تاريخ ابن خلدون 2 / 903 - 904 ( دار الكتاب اللبناني - بيروت
1983 ) ،
ابن كثير : البداية والنهاية 7 / 20 ،
ابن عبد ربه : العقد الفريد 5 / 20 - 21
( بيروت 1983 )
حسن إبراهيم : تاريخ الإسلام السياسي 1 /
211 - 212 ( القاهرة 1964 ) ،
محمد حسين هيكل : الفاروق عمر 1 / 88 -
90 ( القاهرة 1963 ) . ( * )
|
|
|
هذا وقد اختلف في وقت قبول العهد ، فقيل : بعد موت العاهد -
كما يقبل الوصي الوصية بعد موت الموصي - والأصح أن وقته ما بين عهد الخليفة
وموته ، لتنتقل الإمامة عن العاهد إلى المعهود إليه مستقرة بالقبول .
هذا وقد اختلف العلماء في مدى جواز انفراد الخليفة بالعهد لولده أو والده ،
فذهب فريق إلى أنه ليس له الانفراد بذلك لواحد منها ، بل لا بد من موافقة أهل
الحل والعقد على صلاحية المعهود إليه للخلافة ، لأن ذلك منه بمثابة التزكية
ليجري مجرى الشهادة ، وتقليده على الأمة مجرى الحكم ، وهو لا يجوز أن يحكم
لوالد أو ولد .
على أن فريقا " آخر ، إنما أجاز ذلك ، لأنه أمير الأمة ، نافذ
الأمر لهم وعليهم ، فغلب حكم المنصب على حكم النسب ، ولم يجعل للتهمة عليه في
ذلك طريقا " .
وهناك فريق ثالث ، أجاز له الانفراد بذلك للوالد - دون الولد
- لأن الطبع إلى الولد أميل منه إلى الوالد ، ولذلك كان ما يقتنيه في الأغلب
مذخورا " لولده ، دون الوالد . وأما إذا كان المعهود إليه أخا " ، أو ابن أخ ،
أو عما " أو ابن عم ، أو أجنبيا " ، فيجوز العهد بالخلافة إليه ، من غير
استشارة أحد من أهل الحل والعقد ( 1 ) .
والحالة الثانية : أن يتعدد المعهود إليهم ، بأن يكونوا اثنين فأكثر ، وهي على
ضربين :
الأول : أن يجعلها الخليفة شورى
بينهم ، لم يقدم فيها أحدا " منهم على الآخر ، فيختار أهل الحل والعقد واحدا "
، أو يخرج الجميع أنفسهم من العهد ويبقى واحد منهم .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) القلقشندي : المرجع السابق ص 48 - 55 . ( * )
|
|
|
والأصل في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عمر بن ميمون
الطويل ، وفيه : قالوا : أوص يا أمير المؤمنين ، استخلف ، قال : ما أجد أحق
بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهو عنهم
راض فسمى عليا " وعثمان والزبير وطلحة وسعدا " وعبد الرحمن ،
وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر ، وليس له من الأمر شئ ، كهيئة التعزية له . . .
ثم يقول : فلما انتهوا من دفنه ( أي عمر ) اجتمع هؤلاء الرهط ، فقال عبد الرحمن
: إجعلوا
أمركم إلى ثلاثة منكم ، فقال الزبير : قد جعلت أمري إلى علي ،
فقال طلحة : قد جعلت أمري إلى عثمان ، وقال سعد : قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن
بن عوف ، فقال عبد الرحمن : أيكما تبرأ من هذا الأمر ، فنجعله إليه ، والله
عليه والإسلام ،
لينظرن أفضلهم في نفسه ، فأسكت الشيخان ، فقال عبد الرحمن :
أفتجعلونه إلي ، والله على أن لا ألو عن أفضلكم ، قالا : نعم ، فإخذ بيد أحدهما
فقال : لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقدم في الإسلام ، ما قد
علمت ، فالله عليك ،
لئن أمرتك لتعدلن ، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ، ولتطيعن ، ثم
خلا بالآخر فقال له مثل ذلك ، فلما أخذ الميثاق قال : إرفع يدك يا عثمان فبايعه
، فبايع له علي ، وولج أهل الدار فبايعوه ( 1 ) .
والثاني : أن يعهد إلى اثنين فأكثر ، ويرتب
الخلافة فيهم بأن يقول : الخليفة بعدي فلان ، فإن مات فالخليفة بعده فلان ،
وهكذا ، والأصل في ذلك رواية البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن سعيد عن
نافع عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، في غزوة مؤتة زيد بن حارثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن
قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر ، فعبد الله بن رواحة ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 5 / 19 - 22 ( دار
الجيل - بيروت ) . ( 2 ) صحيح البخاري 5
/ 181 - 182 . ( * )
|
|
|
قال الماوردي : وإذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة
، جاز مثله في الخلافة ( 2 ) .
3 - الطريق الثالث : القهر والاستيلاء : من
الطريق التي تنعقد بها الإمامة : القهر والاستيلاء ، فإذا مات الخليفة ، فتصدى
للإمامة من جمع شرائطها ، من غير عهد إليه من الخليفة المتقدم ، ولا بيعة من
أهل الحل والعقد ، انعقدت إمامته ، لينتظم شمل الأمة ، وتتفق كلمتهم .
وأما إن لم يكن جامعا " لشرائط الخلافة ، بأن كان فاسقا " أو جاهلا " ، فالرأي
- عند الشافعية - انعقاد إمامته ، لأنها إن لم تنعقد ، فكذلك أحكامه لا تنعقد ،
وفي هذا ما فيه من الإضرار بالناس ، من حيث أن من يلي بعده يحتاج إلى أن يقيم
الحدود ثانية ، كما يستوفي الزكاة ، ويأخذ الجزية ثانية .
على أن هناك وجها " آخر للنظر ، يذهب أصحابه إلى أن إمامته لا تنعقد ، لأنه لا
تنعقد له الإمامة بالبيعة ، إلا باستكمال الشروط ، فكذا بالقهر ( 2 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الماوردي : المرجع السابق ص 40 .
( 2 ) القلقشندي : مآثر الإنافة في معالم
الخلافة 1 / 58 - 59 ( الكويت 1964 ) . ( * )
|
|
|
|