|
- الإمامة وأهل البيت
: المستبصر الدكتور : محمد بيومي مهران - ج1 : ص 97 - |
سادسا " : طاعة الإمام
لا ريب في أن طاعة الإمام واجبة ، قال الله تعالى: * (
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * ،
فأمر الله تعالى بطاعة أولي الأمر ، وهم ولاة الأمور ، على ما ذهب إليه كثير من
المفسرين ( 1 ) .
ولعل من الأفضل هنا أن نشير إلى أهم الاتجاهات التي فسرت أولي
الأمر بالحكام ولاة الأمور ، جاء في تفسير المنار : وأما أولو الأمر ، فقد
اختلف فيهم ، فقال بعضهم : هم الأمراء ، واشترطوا فيهم ألا يأمروا بمحرم - كما
في تفسير الجلال وغيره - والآية مطلقة ، أي وإنما أخذوا هذا القيد من نصوص أخرى
، كحديث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وحديث إنما الطاعة في المعروف .
على أن هناك من يرى أن أولي الأمر ، إنما هم العلماء ، لكن العلماء يختلفون ،
فمن يطاع في المسائل الخلافية ، ومن يعصى ؟ وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين
يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة .
وقال الشيعة : إنهم الأئمة
المعصومون ويذهب صاحب تفسير المنار إلى أن معنى أولي الأمر هم الذين يناط بهم
النظر في أمر إصلاح الناس ، أو
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تفسير الطبري ( 8 / 495 - 499 ،
تفسير ابن كثير 1 / 872 - 785 ،
تفسير النسفي 1 / 232 ، تفسير القرطبي
ص 1828 - 1833 . ( * )
|
|
|
مصالح الناس ، وهؤلاء يختلفون أيضا " ، فكيف يؤمر بطاعتهم
بدون قيد ولا شرط .
وقال الإمام محمد عبده (1266 -
1323 ه / 1849 - 1905 م) أن المراد بأولي هم جماعة أهل الحل والعقد من
المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء ، والزعماء
الذين يرجع إليهم الناس في الحاجة والمصالح
العامة ، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر - أو حكم - وجب أن يطاعوا
فيه ، بشرط أن يكونوا أمناء ، وأن لا يخالفوا أمر الله ، ولا سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، التي عرفت بالتواتر ، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر ،
واتفاقهم عليه ،
وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة ، وهو ما لأولي
الأمر سلطة فيه ، ووقوف عليه ، وأما العبادات ، وما كان من قبيل الاعتقاد
الديني ، فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد ، بل هو مما يؤخذ عن الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم ،
فقط ، ليس لأحد رأي فيه ، إلا ما يكون في فهمه . فأهل الحل
والعقد إذن ، إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ، ليس فيه نص عن الشارع -
مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه - فطاعتهم واجبة ، ويصح أن
يقال : هم
معصومون في هذا الإجماع ، ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط ،
مع اعتبار الوصف والإتباع المفهوم من الآية . وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر
باستشارة أهل الرأي من الصحابة رضي الله عنهم ، وغيره من المصالح التي أخذ بها
برأي أولي
الأمر من الصحابة ، ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
، ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك .
ويقول الإمام محمد عبده : إن النيسابوري سبقه إلى
اعتبار أهل الحل والعقد هم أولو الأمر ، فيقول : وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه
الوجوه غير مناسب ، تعين أن يكون المعصوم كل الأمة ، أي أهل الحل والعقد ،
وأصحاب الاعتبار والآراء ، فالمراد بقوله وأولي الأمر ، ما اجتمعت الأمة عليه .
وقول النيسابوري : أهل الحل والعقد ، وأصحاب الاعتبار ، هو
بمعنى قول الأستاذ الإمام ، الذي أدخل فيه أمراء الجند ورؤساء المصالح ، وهذا
هو المعقول ، لأنه مجموع هؤلاء هم الذين تثق بهم الأمة ، وتحفظ مصالحها ،
وباتفاقهم يؤمن عليها
من التفريق والشقاق ، ولهذا أمر الله بطاعتهم ، لا لأنهم
معصومون من الخطأ ، فيما يقررونه . ويلخص الرازي الآراء المأثورة عن علماء
التفسير في أولي الأمر - وهي أربعة :
1 - الخلفاء الراشدون .
2 - أمراء السرايا ، وهم قواد العسكر . خاصة عند عدم خروج الإمام على رأس
العسكر .
3 - علماء الدين الذين يفتون ويعلمون الناس دينهم .
4 - الأئمة المعصومون ( أئمة أهل البيت ) .
ويذهب الرازي إلى أن حمل أولي الأمر على الأمراء
والسلاطين أولى - مما ذكر آنفا " - ويدل عليه وجوه :
الأول : أن الأمراء والسلاطين
أوامرهم نافذة على الخلق ، فهم في الحقيقة أولو الأمر ، أما أهل الإجماع فليس
لهم أمر نافذ على الخلق ، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى .
والثاني : أن أول الآية وآخرها
يناسب ما ذكرناه ، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات
وبرعاية العدل ، وأما آخر الآية فهو أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل ،
وهذا إنما يليق بالأمراء ، لا بأهل الإجماع .
والثالث : أن النبي صلى الله
عليه وسلم ، بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء ، فقال : من أطاعني فقد أطاع الله
، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصاني فقد
عصا الله ، ومن عصى أميري فقد عصاني ( 1 ) . وأيا " ما كان
الأمر ، فالذي لا ريب فيه : أن الإمام - أو الخليفة - إنما هو أعظم ولاة الأمور
، لعموم ولايته ، فهو أحق بالطاعة ، وأجدر بالانقياد لأوامره ونواهيه - ما لم
يخالف أمر الشرع - سواء أكان عادلا " ، أو جائرا " .
روى البخاري في صحيحه ( كتاب الأحكام ) قول الله
تعالى : * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم ) * حدثنا عبدان ، أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري ، أخبرني أبو
سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع
أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني ( 2 ) .
وروى البخاري أيضا " بسنده عن عبيد الله عن نافع
عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : السمع
والطاعة على المرء المسلم ، فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية
، فلا سمع ولا طاعة ( 3 ) .
وروى البخاري أيضا " بسنده عن
الجعد عن أبي رجاء عن ابن عباس يرويه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من
رأى من أميره شيئا " فكرهه فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا " ، فيموت
، إلا مات ميتة جاهلية ( 4 ) .
وروى البخاري أيضا " بسنده عن أبي عبد الرحمن عن
علي رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ، وأمر عليهم رجلا "
من الأنصار ، وأمرهم أن يطيعوه ، فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبي صلى الله
عليه وسلم ، أن تطيعوني ؟ قالوا :
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تفسير المنار 5 / 146 - 158 (
الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة 1973 ) .
( 2 ) صحيح البخاري 9 / 77 .
( 3 ) صحيح البخاري 9 / 78 .
( 4 ) صحيح البخاري 9 / 78 . ( * )
|
|
|
بلى ، قال : عزمت عليكم ، لما جمعتم حطبا " ، وأوقدتم نارا "
، ثم دخلتم فيها ، فجمعوا حطبا " فأوقدوا فلما هموا بالدخول ، فقام ينظر بعضهم
إلى بعض ، قال بعضهم : إنما اتبعنا النبي صلى الله عليه وسلم ، فرارا " من
النار ، أفندخلها ، فبينما هم كذلك ، إذ خمدت وسكن غضبه ، فذكر للنبي صلى الله
عليه وسلم ، فقال : لو دخلوها ، ما خرجوا منها أبدا " ، إنما الطاعة في المعروف
( 1 ) .
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزناد
عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أطاعني فقد أطاع
الله ، ومن يعصني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير
فقد عصاني ( 2 ) .
وفي رواية : من أطاعني فقد أطاع
الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري
فقد عصاني ( 3 ) .
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي حازم عن أبي
صالح السمان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليك السمع
والطاعة في عسرك ويسرك ، ومنشطك ومكرهك ، وأثرة عليك ( 4 ) .
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن شعبة عن أبي عمران
عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : إن خليلي أوصاني : أن أسمع وأطيع ، وإن
كان عبدا " مجدع الأطراف ( 5 ) .
روى مسلم في صحيحه بسنده عن يحيى بن حصين قال :
سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، يخطب في حجة الوداع ، وهو
يقول : ولو
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح البخاري 9 / 78 - 79 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 223 .
( 3 ) صحيح مسلم 12 / 223 .
|
( 4 ) صحيح مسلم 12 / 224 .
( 5 ) صحيح مسلم 12 / 225 . ( * )
|
|
|
أستعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله ، فاسمعوا له وأطيعوا ( 1
) .
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : على
المرء المسلم السمع والطاعة ، فيما أحب وأكره ، إلا أن يؤمر بمعصية ، فلا سمع ،
ولا طاعة ( 2 ) .
وروى البيهقي في سننه بسنده عن مروان بن الحكم
قال : سمعت عثمان وعليا " بين مكة والمدينة وعثمان ينهي عن المتعة ، وأن يجمع
بينهما - أي بين الحج والعمرة - فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا " ، فقال :
لبيك اللهم عمرة وحجة معا " ، فقال عثمان : تراني أنهى الناس عنهما ، وتفعل أنت
؟ فقال علي : لم أكن لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لقول أحد من
الناس ( 3 ) .
وروى مسلم في صحيحه بسنده عن زبيد عن سعد بن
عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
، بعث جيشا " ، وأمر عليهم رجلا " ، فأوقد نارا " ، وقال : أدخلوها ، فأراد ناس
أن يدخلوها ، وقال الآخرون : إنا قد فررنا منها ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها ، لو دخلتموها ، لم تزالوا فيها إلى
يوم القيامة ، وقال للآخرين قولا " حسنا "، وقال : لا طاعة في معصية الله ،
إنما الطاعة في المعروف ( 4 ) .
وروى مسلم أيضا " بسنده عن يحيى
بن سعيد وعبيد الله بن عمر ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن أبيه عن جده قال :
بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على السمع والطاعة في العسر واليسر ،
والمنشط والمكره ، وإلى أثرة علينا ، وعلى أن
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 12 / 225 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 226 .
( 3 ) سنن البيهقي 5 / 22 ، محمد رواس
قلعة جي : موسوعة فقه عثمان بن عفان -
نشر جامعة أم القرى بمكة المكرمة ص 80 ( مكة 404 أ / 1983 م ) .
( 4 ) صحيح مسلم 12 / 226 - 227 . وانظر
: تفسير القرطبي ص 1830 . ( * )
|
|
|
لا ننازع الأمر أهله ، وعلى أن نقول بالحق ، أينما كنا ، لا
نخاف في الله لومة لائم ( 1 ) .
وفي تفسير القرطبي : قال سهل بن
عبد الله : لا يزال الناس بخير ، ما عظموا السلطان والعلماء ، فإذا عظموا هذين
أصلح الله دنياهم وأخراهم ، وإذا استخفوا بهذين فسد دنياهم وأخراهم ( 2 ) .
وهكذا فإن من عصى الإمام فقد عصى الرسول ، ومن عصى الرسول فقد عصى الله تعالى ،
ومن حارب الإمام ، فقد حارب الله والرسول ، وأجدر بمن حارب الله والرسول ، أن
يبوء بإثم عظيم ، قال الله تعالى : * ( إنما جزاء الذين
يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا " * أن يقتلوا أو يصلبوا * أو تقطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في
الآخرة عذاب عظيم ) * ( 3 ) .
وروى أبو داود والنسائي في سننهما بسنده عن أنس
بن مالك أن ناسا " من عرينة قدموا المدينة فاجتووها ، فبعثهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم في إبل الصدقة ، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها ، ففعلوا
فصحوا ، فارتدوا عن الإسلام وقتلوا
الراعي ، وساقوا الإبل ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم
، في آثارهم ، فجئ بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمر أعينهم ، وألقاهم في
الحرة ، قال أنس : فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشا " حتى ماتوا ، ونزلت
* ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله - الآية
) * ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 12 / 227 - 228 .
( 2 ) تفسير القرطبي ص 1830 - 1831 .
( 3 ) سورة المائدة : آية 33 . وانظر :
تفسير القرطبي ص 2144 - 2155 ،
تفسير المنار 6 / 291 - 304 ،
تفسير ابن كثير 2 / 74 - 83 ، تفسير
الطبري 10 / 243 - 289 ، تفسير النسفي
1 / 282 - 283 .
( 4 ) سنن أبي داود 4 / 130 - 131 ( حديث
رقم 4364 ، رقم 4369 ) ، تحفة الأحوذي 1
/ 242 ،
سنن النسائي 7 / 93 ، تفسير ابن كثير
7 / 93 ، ( * )
|
|
|
والآية الشريفة جعلت المحاربين أربعة أنواع : محارب قتل
فجزاؤه القتل ، ومحارب قتل وسرق فجزاؤه الصلب ، ومحارب سرق فجزاؤه القطع ومحارب
أخاف السبيل ، فجزاؤه النفي .
وقال بعض الفقهاء : لا توزيع في
هذه العقوبات ، وللإمام أن يحكم بأية واحدة ، حسبما يراه من المصلحة ، وإن كانت
لهم فئة يرجعون إليها ، كانوا بغاة ، ولهم أحكام خاصة .
ثم ذكر سبحانه وتعالى في الآية التالية مباشرة : أنه من تاب
من قبل القدرة عليه ، فقد عفا الله عنه ، ومن ثم فيلزم الإمام أن يدعوهم إلى
طاعته ، قبل أن يبدأهم بالقتال ، وقد فعل ذلك سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة ، مع من خرجوا عليه من الحروريين
( خوارج ) ، بل ومن خرجوا قبلهم ، من أهل الجمل وصفين ( 1 ) .
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هناك من العلماء من لم يفرق بين طاعة
الأمير ، في غير معصية الله ، وبين استذلال الأمير للناس وقهرهم ، وربما كان
الأفظع والأدهى من ذلك ما نقرأه من تبرير لتسلط هؤلاء على الأمة ، حتى انبرى
بعضهم لتبرير مواقف بعض الحكام الظلمة ، بل لا يجيز الخروج على الفاسق ، كما
فعل حجة الإسلام الإمام الغزالي ( 450 - 505 ه / 1058 - 1111 م ) ، وأبو بكر
محمد بن الحسن بن فورك ( ت 406 ه ) - المتكلم الأصولي - .
هذا وقد جوز ابن فورك بعثة من كان كافرا " ، وقال الغزالي في المنحول
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تفسير ابن كثير 2 / 81 - 82 ،
محمد بيومي طهران : الإمام علي بن أبي طالب
1 / 148 - 149 ، ( دار النهضة العربية - بيروت 1990 م ) . ( * )
|
|
|
في الأصول : والمختار ما ذكره القاضي ، وهو أنه لا يجب عقلا
عصمتهم ( أي الأنبياء ) ، إذ لا يستبان استحالة وقوعه بضرورة العقل ولا بنظره ،
وليس هو مناقضا " لمدلول المعجزة ، فإن مدلول صدق اللهجة ، بما يخبر عن الله
تعالى ، لا عمدا " ولا سهوا " ، ومعنى التنفير باطل ، فإنا نجوز أن ينبئ الله
تعالى كافرا " ، ويؤيده بالمعجزة .
وقال بعض الحشوية : إن نبينا صلى الله عليه وسلم
، كان كذلك ، لقوله تعالى : * ( ووجدك ضالا " فهدى ) *
( 1 ) . وكان من نتائج ذلك أن تقرأ في كتبنا نحن المسلمين : تسمع وتطيع ، وإن
ضرب ظهرك وبطنك ، وأخذ مالك ، وأن الخلافة تنعقد بالقهر
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ذهب قوم من المرجئة ، وابن الطيب الباقلاني من الأشعرية ، ومن
اتبعه ، إلى أن الرسل غير معصومين ، إلا من الكذب في التبليغ ، فإنه لا
يجوز عليهم ، وذهبت طائفة إلى أن الرسل لا يجوز عليهم كبيرة من الكبائر
أصلا " ، وجوزوا عليهم الصغائر .
وذهب جمهور أهل الإسلام - من أهل السنة والمعتزلة والشيعة والخوارج -
إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلا " معصية عن عمد ، لا صغيرة
ولا كبيرة ،
ويقول ابن حزم : إنه يقع من الأنبياء السهو بغير قصد ، ويقع منهم أيضا
" قصد الشئ ، يريدون به وجه الله ، والتقريب منه ، فيوافق خلاف مراد
الله ، إلا أنه سبحانه وتعالى ، لا يقرهم على شئ من هذين الوجهين أصلا
" ، بل ينبههم إلى ذلك ويظهر ذلك لعباده ويبين لهم .
ويقول في المواقف وشرحه : أجمع أهل الملل والشرائع على عصمة الأنبياء
من تعمد الكذب ، فيما دل المعجز على صدقهم فيه ، كدعوى الرسالة وما
يبلغونه عن الله ، وأما سائر الذنوب فهي إما كفر أو غيره ، فأما الكفر
فأجمعت الأمة على عصمتهم منه ، وأما غير الكفر ،
فإما كبائر أو صغائر ، وكل منهما إما عمدا " ، وإما سهوا " ، أو على
سبيل الخطأ في التأويل ، فجوزه الجمهور - إلا الجبائي - ، وأما سهوا "
، فهو جائز اتفاقا " ، واستثنى أكثر المعتزلة الصغائر الخسيسة ، وهي ما
يحكم على صاحبها بالخسة ودناءة الهمة ، فإنها لا تجوز أصلا " - لا عمدا
" ولا سهوا " - هذا كله بعد الوحي .
وأما قبل الوحي ، فقال الجمهور : لا يمتنع أن يصدر عنهم كبيرة ، وقال
أكثر المعتزلة : تمتنع عليهم الكبيرة ، لأن صدورها يوجب النفرة ، وهي
تمنع من إتباعه ، فتفوت مصلحة البعثة ( أحمد أمين :
ضحى الإسلام 3 / 229 - القاهرة 1368 ه /
1949 ،
ابن حزم : المرجع السابق 4 / 2 وما بعدها ، شرح
المواقف باختصار 3 / 204 وما بعدها ) . ( * )
|
|
|
والاستيلاء ، ولو كان الأمير فاسقا " ، أو جاهلا " ، أو
أعجميا " ، ولا يحد الإمام حد الشرب ، ولا ينعزل بالفسق والفجور ( 1 ) .
وروى الفقيه الأندلسي أحمد بن
محمد بن عبد ربه ( 246 - 228 ه / 860 - 940 م ) : أمر بعض الخلفاء رجلا " بأمر
، فقال : أنا أطوع لك من الرداء ، وأذل لك من الحذاء . وقال آخر : أنا أطوع لك
من يدك ، وأذل لك من نعلك ، وهذا قاله الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك الزيات
.
وقال الخليفة العباسي المنصور ( 136 - 158 ه /
754 - 775 م ) لمسلم بن قتيبة: ما ترى في قتل أبي مسلم ( الخراساني ) ؟ قال :
* ( لو كان فيهما آلها إلا الله لفسدتا ) * ( 2 )
، قال : حسبك أبا أمية ( 3 ) .
وروى الإمام الطبري والحافظ ابن كثير وابن الأثير :
وفد عمرو بن العاص إلى معاوية - ومعه أهل مصر - فقال لهم عمرو : انظروا ، إذا
دخلتم على ابن هند ، فلا تسلموا عليه بالخلافة ، فإنه أعظم لكم في عينه ،
وصغروه ما استطعتم ، فلما قدموا عليه ، قال معاوية لحجابه : إني كأني أعرف ابن
النابغة ، وقد صغر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم
أشد تعتعة ( إزعاج ) ، تقدرون عليها ، فلا يبلغني رجل منهم ،
إلا وقد همته نفسه بالتلف ، فكان أول من دخل عليه رجل من مصر ، يقال له ابن
الخياط فدخل ، وقد تعتع ، فقال : السلام عليك يا رسول الله ، فتتابع القوم على
ذلك ، فلما خرجوا
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الشيخ مهدي السماوي : الإمامة في ضوء
الكتاب والسنة - الجزء الأول - القاهرة 1397 / 1977 ص 34 - 35 ،
محمد مهدي الأصفى : الإمامة في التشريع الإسلامي
ص 121 - 122 .
( 2 ) سورة الأنبياء : آية 22 .
( 3 ) أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي : العقد
الفريد - تحقيق الدكتور مفيد محمد قميحة - الجزء الثاني - دار
الكتب العلمية - بيروت 1983 ص 9 . ( * )
|
|
|
قال لهم عمرو : لعنكم الله ، نهيتكم أن تسلموا عليه بالإمارة
، فسلمتم عليه بالنبوة ( 1 ) .
وروى ابن الأثير عن جويرة بن
أسماء قال : قدم أبو موسى الأشعري على معاوية في برنس أسود ، فقال : السلام
عليك يا أمين الله ، قال : وعليك السلام ، فلما خرج ، قال معاوية : قدم الشيخ
لأوليه ، والله لا أوليه ( 2 ) .
وروى الفقيه ابن عبد ربه الأندلسي
في عقده الفريد : قال العتبي : دخل رجل على عبد الملك بن مروان ( 65 - 86 ه /
685 - 705 م ) ، فقبل يده ، وقال : يدك يا أمير المؤمنين أحق يد بالتقبيل ،
لعلوها في المكارم ، وطهرها من المآثم ، وإنك تقل التثريب ، وتصفح عن الذنوب ،
فمن أراد بك سوءا " جعله الله حصيد سيفك ، وطريد خوفك ( 3 ) .
وغالى بعض الولاة في مدح الخلفاء إلى درجة الكفر والفسوق ، فالحجاج الثقفي ( 40
- 95 ه / 660 - 714 م ) - أحد جبابرة أمراء الدولة الأموية - كان يفضل الخليفة
عبد الملك بن مروان ، على النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى أنه خاطب الله تعالى
أمام الناس قائلا " : أرسولك أفضل - يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، أم خليفتك
- يعني عبد الملك - ( 4 ) .
وروى الحافظ ابن كثير بسنده عن المغيرة عن بزيغ
بن خالد الضبي قال : سمعت الحجاج يخطب فقال : رسول أحدكم في حاجته ، أكرم عليه
أم خليفته في أهله ؟ فقلت في نفسي : لله على أن لا أصلي خلفك صلاة أبدا " ، وإن
وجدت
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) تاريخ الطبري 5 / 330 - 331 ، ابن
الأثير : الكامل في التاريخ 4 / 11 ، ابن
كثير : البداية والنهاية 8 / 152 .
( 2 ) الكامل في التاريخ 4 / 12 .
( 3 ) ابن عبد ربه : العقد الفريد 2 / 7
.
( 4 ) المقريزي : النزاع والتخاصم فيما بين بني
أمية وبني هاشم ص 27 ، رسائل الجاحظ
ص 297 . ( * )
|
|
|
قوما " يجاهدونك ، لأجاهدنك معهم ، زاد إسحاق : فقاتل في
الجماجم حتى قتل . وقال ابن كثير : فإن صح هذا عنه ، فظاهره كفر ، إن أراد
تفضيل منصب الخلافة على الرسالة ، أو أراد أن الخليفة من بني أمية ، أفضل من
الرسول صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .
بل إن الحجاج الثقفي ، إنما بلغ به الفسوق والعصيان أن يسخر
من المسلمين الذين يتشرفون بزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول : تبا
" لهم ، إنما يطوفون بأعواد ورمة ، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ،
ألا يعلمون أن خليفة المرء ، خير من رسوله ( 2 ) .
وهناك خالد بن عبد الله القسري - والي مكة
المكرمة على أيام الوليد بن عبد الملك ( 86 - 96 ه / 705 - 715 م ) - وكان رجل
سوء ، كثيرا " ما يقع في سيدنا ومولانا وجدنا الإمام علي بن طالب رضي الله عنه
، وكرم الله وجهه في الجنة فلقد
روى ابن الأثير في كامله ، وابن الأثير في كامله ، وابن فهد
في إتحافه ، في أحداث عام 89 ه ، ولي خالد بن عبد الله القسري مكة ( عام 89 ه
) فخطب أهلها ، فقال : أيها الناس ، أيهما أعظم ، خليفة الرجل على أهله ، أو
رسوله إليهم ؟
والله لو لم تعلموا فضل الخليفة ، إلا إن إبراهيم خليل الرحمن
استسقاه فسقاه ملحا " أجاجا " واستسقاه الخليفة فسقاه عذبا " فراتا " - يعني
بالملح زمزم ، وبالماء الفرات بئرا " حفرها الوليد بثنية طوى ، في ثنية الحجون
، وكان ماؤها عذبا " ،
وكان ينقل ماءها ، ويضعه في حوض إلى جنب زمزم ، ليعرف فضله
على زمزم ، فغارت البئر ، وذهب ماؤها ، فلا يدري أين هو اليوم ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) ابن كثير : البداية والنهاية 9 /
146 - 147 ، سنن أبي داود 2 / 514 (
القاهرة 1952 ) .
( 2 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة
15 / 242 ( بيروت 1967 م ) .
( 3 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ 4
/ 536 ( دار صادر - بيروت 1965 م ) ، وانظر : ابن فهد
=>
|
|
|
وروى المبرد ( أبو العباس محمد
بن يزيد ) ( 207 - 210 ه / 285 - 286 ه ) في كتابه الكامل : أن خالد بن عبد
الله القسري ، لما كان أمير العراق في خلافة هشام بن عبد الملك ( 105 - 125 ه
/ 724 - 743 م ) كان يلعن عليا " ، عليه السلام ، على المنبر - تقربا " لنبي
أمية - فيقول : اللهم العن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هشام ، صهر رسول
الله ، صلى الله عليه وسلم ، على ابنته ، وأبا الحسن والحسين ، ثم يقبل على
الناس ، فيقول : هل كنيت ؟ ( 1 ) .
ومن أجل هذا كله ، ولأسباب أخرى كثيرة ، جعل الإسلام الولاية أمانة ، روى مسلم
في صحيحه بسنده عن بكر بن عمرو عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن أبي حجيزة الأكبر
عن أبي ذر ، قال : قلت يا رسول الله ، ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على
منكبي ، ثم قال : يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي
وندامة ، إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها ( 2 ) .
وروى مسلم عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول في بيتي : اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا " فشق عليهم ،
فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئا " فرفق بهم ، فارفق به ( 3 ) .
وعن معقل بن يسار المزني قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت ، وهو غاش
لرعيته ، إلا حرم الله عليه الجنة ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
=> الهاشمي :
غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام ص
204 - 205 ( جامعة أم القرى 1986 ) ، تاريخ
الطبري 8 / 67 - 68 ،
الذهبي : ميزان الاعتدال 1 / 633 ،
سير أعلام النبلاء 5 / 429 ، ابن العماد
الحنبلي : العبر في أخبار من غبر 1 / 162
،
ابن كثير : البداية والنهاية 10 / 20 ،
ابن عساكر : تهذيب تاريخ دمشق 5 / 82 .
( 1 ) المبرد : الكامل ص 114 ( طبع
أوروبا ) ، شرح نهج البلاغة 4 / 57 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 209 - 210 .
( 3 ) صحيح مسلم 12 / 212 - 213 .
( 4 ) صحيح مسلم 12 / 214 . ( * )
|
|
|
وعن نافع عن ابن عمر عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : ألا كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالأمير
الذي على الناس راع ، وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو
مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسؤولة عنهم ، والعبد
راع على مال سيده ، وهو مسؤول عنه ، ألا فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ( 1
) .
وعن قتادة عن أبي المليح ، أن عبيد الله بن زياد
، دخل على معقل بن يسار في مرضه ، فقال له معقل : إني محدثك بحديث ، لولا أني
في الموت ، لم أحدثك به ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من أمير
يلي أمر المسلمين ، ثم لا يجتهد لهم وينصح ، إلا لم يدخل معهم الجنة ( 2 ) .
وعن الحسن قال : عاد عبيد الله بن زياد ، معقل بن
يسار المزني ، في مرضه الذي مات فيه ، قال معقل : إني محدثك حديثا " سمعته من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لو علمت أن لي حياة ، ما حدثتك ، إني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد يسترعيه الله رعية ، يموت يوم يموت ،
وهو غاش لرعيته ، إلا حرم الله عليه الجنة ( 3 ) .
وعن يونس عن الحسن قال : دخل عبيد الله بن زياد
على معقل بن يسار ، وهو وجع ، فسأله فقال : إني محدثك حديثا " لم أكن حدثتكه ،
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يسترعي الله عبدا " رعية ، يموت حين
يموت ، وهو غاش لها ، إلا حرم الله عليه الجنة ، قال : ألا كنت حدثتني هذا قبل
اليوم ، قال : ما حدثتك ، أو لم أكن لأحدثك ( 4 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 12 / 213 .
( 2 ) صحيح مسلم 12 / 215 .
|
( 3 ) صحيح مسلم 2 / 165 .
( 4 ) صحيح مسلم 2 / 165 - 166 . ( * )
|
|
|
وعن قتادة عن أبي المليح ، أن
عبيد الله بن زياد ، عاد معقل بن يسار في مرضه ، فقال له معقل : إني محدثك
بحديث ، لولا أني في الموت ، لم أحدثك به ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
، يقول : ما من أمير يلي أمر المسلمين ، ثم لا يجتهد لهم ، وينصح ، إلا لم يدخل
معهم الجنة ( 1 ) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي الأشهب عن
الحسن قال : أن عبيد الله بن زياد ، عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه ،
فقال له معقل : أحدثك حديثا " سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من عبد استرعاه الله رعية ، فلم يحطها
بنصيحة ، إلا لم يجد رائحة الجنة ( 2 ) .
وعن هشام عن الحسن قال : أتينا معقل بن يسار
نعوده ، فدخل عبيد الله ، فقال له معقل : أحدثك حديثا " سمعته من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، فقال : ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم ،
إلا حرم الله عليه الجنة ( 3 ) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن
دينار عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : ألا كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام الذي على الناس راع ، وهو
مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته ، وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة
راعية على أهل بيت زوجها وولده ، وهي مسؤولة عنهم ، وعبد الرجل راع على مال
سيده ، وهو مسؤول عنه ، ألا فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ( 4 ) .
وروى أبو داود في سننه بسنده عن عبد الله بن عمر
: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته
، فالأمير الذي على الناس راع عليهم ، وهو مسؤول عنهم ، والرجل راع على أهل
بيته ، وهو مسؤول عنهم ،
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) صحيح مسلم 2 / 166 .
( 2 ) صحيح البخاري 9 / 80 .
( 3 ) صحيح البخاري 9 / 80 .
( 4 ) صحيح البخاري 9 / 77 ( وانظر
روايات أخرى 4 / 6 ، 7 / 34 ) . ( * )
|
|
|
والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسؤولة عنهم ،
والعبد راع على مال سيده ، وهو مسؤول عنه ، فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته (
1 ) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة ، رضي
الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا ضيعت الأمانة ، انتظر
الساعة ، قيل : يا رسول الله : وما إضاعتها ، قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله
، فانتظر الساعة ( 2 ) .
وروى البخاري في صحيحه ( 1 / 22 ) : الدين
النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( 3 ) . هذا وقد حذر النبي صلى
الله عليه وسلم من الأمراء الظلمة ، فقال : سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون
، فمن صدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فليس مني ، ولست منه ، ولم يرد على
الحوض ( 4 ) .
وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم ، قال :
أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء ، وفي الخبر : خير الأمراء
الذين يأتون العلماء ، وشر العلماء الذين يأتون الأمراء . وفي الخبر أيضا " :
العلماء أمناء الرسل على عباد الله ، ما لم يخالطوا السلطان ، فإذا فعلوا ذلك ،
فقد خانوا الرسل ، فاحذروهم واعتزلوهم ( 5 ) .
ومن ثم فإن القلهاتي أبو عبد الله محمد بن سعيد الأزدي ( المتوفى سنة 328 ه )
، إنما يعيب على أهل السنة دعوتهم إلى طاعة الإمام ، ولو كان
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) سنن أبي داود 2 / 117 ( ط الحلبي -
القاهرة 1952 ) .
( 2 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ص 14
.
( 3 ) صحيح البخاري 1 / 22 .
( 4 ) أبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين
5 / 896 ( ط دار الشعب : القاهرة 1969 ) - والحديث رواه النسائي
والترمذي وصححه والحاكم ، من حديث كعب بن عجرة .
( 5 ) الغزالي : المرجع السابق ص 896 . ( * )
|
|
|
جبارا " عنيدا " ، وقولهم : إنا لا نقدر على إزالة ذلك الإمام
الجائر الفاسق الظالم ، إلا بفتنة عظيمة ، وحروب تأتي على الأموال والأنفس ،
واستبقاؤه على ظلمه وغشمه أولى ، لأنا إذا خالفناه أو حاربناه ، كنا كمن يبني
قصرا " ، ويهدم قصرا " ( 1 ) .
ويصف القلهاتي الإمام بأنه رجل من المسلمين ، له ما لهم ،
وعليه ما عليهم ، ليس له أن يستحل بما والاه الله تعالى من أمر عباده وبلاده
حراما " ، ولا يحرم حالا " ، بل تزيده الولاية لحق الله تعظيما " ( 2 ) .
ويستنكر القلهاتي مذهب أهل السنة في طاعة الإمام ، مطالبا "
بضرورة الخروج على الإمام الجائر ، محتجا " بمثل قول الله تعالى :
* ( ولا تطع منهم آثما " أو كفورا " ) * ، وقول
الرسول صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقول أبي بكر
الصديق أطيعوني ما أطعت الله ، فإن عصيت الله ، فلا طاعة لي عليكم ( 3 ) .
غير أن الآثار إنما تشير إلى غير ما ذهب إليه القلهاتي ، فقد قال حذيفة إياكم
ومواقف الفتن ، قيل : وما هي ؟ قال : أبواب الأمراء ، يدخل أحدكم على الأمير ،
فيصدقه بالكذب ، ويقول ما ليس فيه ، وقال أبو ذر لسلمة : يا سلمة ، لا تغش
أبواب السلاطين ، فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا " ، إلا أصابوا من دينك ، أفضل
منه . وقال سفيان : في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) القلهاتي : الكشف والبيان - تحقيق
الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف - الجزء الثاني - عمان 1980 ص 239 .
( 2 ) القلهاتي : المرجع السابق ص 402 .
( 3 ) القلهاتي : المرجع السابق ص 367 ، عبد الفتاح أحمد فؤاد :
الأصول الإيمانية لدى الفرق الإسلامية -
الإسكندرية 1990 ص 384 - 385 . ( * )
|
|
|
وقال الأوزاعي ( 1 ) : ما من شئ
أبغض عند الله ، من عالم يزور عاملا " ، وقال سمنون : ما أسمج بالعالم يؤتى إلى
مجلسه فلا يوجد ، فيسأل عنه ، فيقال : عند الأمير ، وكنت أسمع أنه يقال : إذا
رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم ، حتى جربت ذلك ، إذ ما دخلت قط على
هذا السلطان ، إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج ، فأرى عليها الدرك ، مع ما أواجههم
به من الغلظة والمخالفة لهواهم .
وقال عبادة بن الصامت : حب القارئ الناسك الأمراء نفاق ، وحبه الأغنياء رياء .
وقال ابن مسعود : إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا دين له ،
قيل له : لم ؟ قال : لأنه يرضيه بسخط الله
وقال الفضيل : ما ازداد رجل من ذي سلطان قربا " ، إلا ازداد من الله بعدا " .
وكان سعيد بن المسيب : يتجر في الزيت ، ويقول : إن في هذا
لغنى عن هؤلاء السلاطين .
وقال وهيب : هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الأوزاعي : هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي ،
ولد عام 88 ه ( 707 م ) ، وتوفي في بيروت عام 157 ه ( 774 م ) ، سكن
دمشق ، وبيروت ، وسمع عن عطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وغيرهم ،
وكان بعض العلماء يفضلونه على سفيان الثوري ، وكما في تذكرة الحفاظ :
كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه ، كان يصلح للخلافة
( أنظر عنه : طبقات ابن سعد 7 / 2 / 185
، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 226
- 227 ،
المقدمة لابن أبي حاتم ص 174 - 218 ،
حلية الأولياء 6 / 135 - 149 ، تذكرة
الحفاظ للذهبي ص 178 - 183 ،
التهذيب لابن حجر 6 / 338 - 242 ،
البداية والنهاية لابن كثير 10 / 115 - 120 ،
الأعلام للزركلي 4 / 94 ،
معجم المؤلفين لكحالة 5 / 163 ، وفيات
الأعيان 3 / 127 - 128 ، صفة الصفوة
4 / 228 ،
عبر الذهبي 1 / 227 ، شذرات الذهب
1 / 241 ، فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي
- الفقه 3 / 243 - 235 ) . ( * )
|
|
|
واستعمل عمر بن عبد العزيز ( 99
- 101 ه / 717 - 720 م ) رجلا " ، فقيل : كان عاملا " للحجاج فعزله ، فقال
الرجل : إنما عملت له على شئ يسير ، فقال له عمر : حسبك بصحبته يوما " ، أو بعض
يوم ، شؤما " وشرا " ( 1 ) .
وروى أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ( 105
- 125 ه / 724 - 743 م ) قدم حاجا " إلى مكة ، فلما دخلها قال : ائتوني برجل
من الصحابة ، فقيل : يا أمير المؤمنين قد تفانوا ، فقال : من التابعين ، فأوتي
ب " طاوس اليماني " ، فلما
دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ، ولم يسلم عليه بإمرة
المؤمنين ، ولكن قال : السلام عليك يا هشام ، ولم يكنه ، وجلس بإزائه ، وقال :
كيف أنت يا هشام ؟ . فغضب هشام غضبا " شديدا " ، حتى هم بقتله ، فقيل له : أنت
في حرم الله وحرم
رسوله ، ولا يمكن ذلك ، فقال له : يا طاوس ، ما الذي حملك على
ما صنعت ؟ قال : وما الذي صنعت ؟ فازداد غضبا " وغيظا " ، قال : خلعت نعليك
بحاشية بساطي ، ولم تقبل يدي ، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ، ولم تكنني ،
وجلست بإزائي
بغير إذني ، وقلت : كيف أنت يا هشام . قال : أما ما فعلت من
خلع نعلي بحاشية بساطك ، فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ، ولا
يعاقبني ولا يغضب عليه ، وأما قولك لم تقبل يدي ، فإني سمعت أمير المؤمنين علي
بن أبي طالب
رضي الله عنه ، يقول : لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد ، إلا
امرأة من شهوة ، أو ولده من رحمة ، وأما قولك : لم تسلم علي بإمرة المؤمنين ،
فليس كل الناس راضين بإمرتك ، فكرهت أن أكذب ، وأما قولك : لم تكنني ، فإن الله
تعالى سمى أنبياءه
وأولياءه فقال : يا داود ، يا يحيى ، يا عيسى ، وكنى أعداءه
فقال تبت يدا أبي لهب ، وأما قولك ، جلست بإزائي ، فإني سمعت أمير المؤمنين
عليا " رضي الله عنه ، يقول
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الغزالي : إحياء علوم الدين 5 /
896 - 897 ( القاهرة 1969 ) . ( * )
|
|
|
إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار ، فانظر إلى رجل جالس
، وحوله قوم قيام . فقال له هشام : عظني ، فقال : سمعت أمير المؤمنين علي رضي
الله عنه يقول : إن في جهنم حيات كالقلال ، وعقارب كالبغال ، يلدغ كل أمير ، لا
يعدل في رعيته ، ثم قام وهرب ( 9 ) . ( أي طاوس ) ( 2 ) .
وعن سفيان الثوري ( 3 ) ، رضي الله عنه قال :
أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى ، فقال لي : إرفع إلينا حاجتك ، فقلت له : إتق
الله ، فقد ملأت الأرض ظلما " وجورا " ، قال : فطأطأ رأسه ، ثم رفعه ، فقال :
إرفع إلينا حاجتك ، فقلت : إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار ،
وأبناؤهم يموتون جوعا " فاتق الله ، وأوصل إليهم حقوقهم ، فطأطأ رأسه ثم رفعه ،
فقال : إرفع إلينا حاجتك ، فقلت : حج عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، ( 13 - 23
ه / 634
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الغزالي : إحياء علوم الدين 5 /
903 - 904 .
( 2 ) أنظر عن طاوس : ( حلية الأولياء 4
/ 3 - 23 ، وفيات الأعيان 2 / 509 - 511
، طبقات ابن سعد 7 / 537 ،
تذكرة الحفاظ ص 90 ،
صفة الصفوة 2 / 160 ،
تهذيب التهذيب 5 / 8 ،
عبر الذهبي 1 / 130 ،
العقد الثمين 6 / 59 ،
شذرات 1 / 134 - 133 ) .
( 3 ) سفيان الثوري : هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد مسروق الثوري
الكوفي ، ولد عام 95 ه / 713 م ( وقيل عام 96 أو 97 ه ) ، وتوفي عام
161 ه ( 778 م ) ، درس على علماء عصره ، ورفض منصب القضاء تحرجا "
وورعا " ، مما أغضب الخليفة حتى اضطر إلى أن يظل بقية عمره مستترا " ،
ويعد سفيان الثوري أول من رتب الأحاديث ترتيبا " موضوعيا " في الكوفة ،
وبصفته من أتباع أهل الحديث فقد أسس مذهبا " فقهيا " لم يدم طويلا " ،
كما قيل إن الثوري كان عالما " بالرياضيات
( أنظر : طبقات ابن سعد 6 / 371 - 374 ،
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2 / 222 -
227 ، التقدمة ص 55 - 129 ،
المشاهير لابن حبان ص 169 - 170 ، تاريخ
بغداد للخطيب 9 / 151 - 174 ، حلية
الأولياء 6 / 356 - 393 ، 7 / 3 - 144 ،
تذكرة الحفاظ للذهبي ص 203 - 207 ، ميزان
الاعتدال 1 / 396 ، التهذيب لابن
حجر 4 / 111 - 115 ،
أعيان الشيعة للعاملي 35 / 137 - 149 ،
الأعلام للزركلي 3 / 158 ، معجم المؤلفين
لكحالة 4 / 234 - 235 ،
فؤاد سزكين : تاريخ التراث العربي 1 /
247 - 249 ، وفيات الأعيان 2 / 386 - 391
، شذرات الذهب 1 / 250 - 251 ) . ( * )
|
|
|
/ - 644 م ) فقال لخازنه : كم أنفقت ؟ قال : بضعة عشر
درهما " ، وأرى هنا أموالا " لا تطيق الجمال حملها ، وخرج . فهكذا كانوا يدخلون
على السلاطين - إذا ألزموا - وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم .
ولما استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه ( 23 - 35 ه / 644 - 656 م ) عبد الله
بن عامر ، أتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبطأ عنه أبو ذر ، وكان
له صديقا " ، فعاتبه ، فقال أبو ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول : إن الرجل إذا ولي ولاية ، تباعد الله عنه ( 1 ) . ودخل
مالك بن دينار ( 2 ) ، على أمير البصرة فقال : أيها الأمير ، قرأت في بعض الكتب
إن الله تعالى يقول : ما أحمق من سلطان ، وما أجهل ممن عصاني ، ومن أعز ممن
اعتز بي ، أيها
الراعي السوء : دفعت إليك غنما " سمانا " صحاحا " ، فأكلت
اللحم ، ولبست الصوف ، وتركتها عظاما " تتقعقع . فقال له والي البصرة : أتدري
ما الذي يجرئك علينا ، ويجبننا عنك ، قال : لا ، قال : قلة الطمع فينا ، وترك
الإمساك لما في أيدينا ( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) الغزالي : إحياء علوم الدين
5 / 904 .
( 2 ) مالك بن دينار : أبو يحيى مالك بن دينار البصري ، من
موالي بني سامة بن لؤي القرشي ، كان عالما " زاهدا " كثير الورع ، لا يأكل إلا
من كسبه وكان يكتب المصاحف بالأجرة ، توفي عام 131 ه ( أنظر :
حلية الأولياء 2 / 257 - 388 ،
وفيات الأعيان 4 / 139 - 140 ، صفة الصفوة
3 / 197 ، تهذيب التهذيب 10 / 14 ،
ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 1 / 173 ، حيث
جعل وفاته في عام 127 ه ) .
( 3 ) الغزالي : إحياء علوم الدين 5 / 904 ( القاهرة 1969 ) .
( * )
|
|
|
|