- الإمامة وأهل البيت ج 2 - محمد بيومي مهران ص 229 :

 19 - قوله صلى الله عليه وسلم عن علي :
ما أنا انتجيته ، ولكن الله انتجاه :


اختص الله تعالى الإمام علي بن أبي طالب ، بمناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم الطائف ، فلقد روى جابر، رضي الله عنه ، قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليا ، يوم الطائف ، فانتجاه ، فقال الناس : لقد طال نجواه مع ابن عمه ،

فقال صلى الله عليه وسلم : ما أنا انتجيته ، ولكن الله انتجاه ( 1 ) . وقال : ومعنى قوله : ولكن الله انتجاه ، أي أن الله أمري أن أنتجي معه ( 2 ) .


وفي نهج البلاغة : دعا صلى الله عليه وسلم ، عليا في غزوة الطائف ، فانتجاه ، وأطال نجواه ، حتى كره قوم من الصحابة ذلك ، فقال قائل منهم : لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه ، فبلغه عليه الصلاة والسلام ذلك ، فجمع منهم قوما ، ثم قال : إن قائلا قال : لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه ، أما إني ما انتجيته ، ولكن الله انتجاه - رواه أحمد رحمه الله في المسند ( 3 ) .



 20 - مبيت الإمام علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، ليلة الهجرة :

روى الفخر الرازي في التفسير الكبير في تفسير قول الله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ، والله رؤوف بالعباد ) ( 4 ) ، قال : نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام ، بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليلة خروجه إلى الغار .


قال : ويروى أنه لما نام على فراشه صلى الله عليه وسلم ، قام جبريل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله بك

  * هامش *  
 

( 1 ) ناجاه وانتجاه : أي حادثه وساره ( ابن الأثير : جامع الأصول 8 / 659 ) .
( 2 ) رواه الترمذي برقم ( 36438 ) عن الطبراني ، بأن النبي صلى الله عليه وسلم ، بقي مع علي يوم الطائف مليا ، ثم مر ، فقال له أبو بكر : يا رسول الله ، لقد طلت مناجاتك عليا منذ اليوم ، فقال الحديث ( محمد عبده يماني : علموا أولادكم محبة آل بيت النبي ص 111 ) .
( 3 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة 9 / 173 .
( 4 ) سورة البقرة : آية 207 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 230

الملائكة ، ونزلت الآية ، يعني بها : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله * والله رؤوف بالعباد ) ( 1 ) .


وروى ابن الأثير في أسد الغابة بإسناده إلى الأستاذ أبي إسحاق ، أحمد بن إبراهيم الثعلبي المفسر ، قال : رأيت في بعض الكتب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما أراد الهجرة ، خلف علي بن أبي طالب بمكة لقضاء ديون ، ورد الودائع

التي كانت عنده ، وأمره ليلة خرج إلى الغار ، وقد أحاط المشركون بالدار ، أن ينام على فراشه ، وقال له : اتشح ببردي الحضرمي الأخضر ، فإنه لا يخلص إليك منهم مكروه ، إن شاء الله تعالى ، ففعل ذلك ، فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل

عليهما السلام : إني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله عز وجل إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ؟ آخيت بينه وبين نبيي محمد ، فبات على فراشه

يحرسه ، يفديه ، بنفسه ويؤثره بالحياة ، إهبطا إلى الأرض واحفظاه من عدوه ، فنزلا ، فكان جبريل عند رأس علي ، وميكائيل عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله عز وجل به الملائكة ، فأنزل الله عز

وجل على رسوله ، وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله * والله رؤوف بالعباد ) ( 2 ) .


وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال : وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني بعد أن هاجر أصحابه إلى المدينة - ينتظر مجئ جبريل عليه السلام ، وأمره له أن يخرج من مكة ، بإذن الله له في الهجرة

إلى المدينة ، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت بالنبي ، وأرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرادوا ، أتاه جبريل عليه السلام ، وأمره أن لا يبيت في مكانه الذي يبيت فيه ،

  * هامش *  
 

( 1 ) فضائل الخمسة 2 / 309 .
( 2 ) أسد الغابة 4 / 103 - 104 ، سورة البقرة : آية 207 .
وانظر ( محمد بيومي مهران : السيرة النبوية الشريفة 1 / 319 - 324 - بيروت 1990 م ) . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 231

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، علي بن أبي طالب ، فأمره أن يبيت على فراشه ، ويتسجى ببرد له أخضر ، ففعل ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على القوم ، وهم على بابه . قال ابن إسحاق : وتتابع الناس في الهجرة ، وكان

آخر من قدم المدينة من الناس ولم يفتن في دينه ، علي بن أبي طالب ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخره بمكة ، وأمره أن ينام على فراشه وأجله ثلاثا ، وأمره أن يؤدي إلى كل ذي حق حقه ففعل ، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .

وقال المنادي في كنوز الحقائق : إن الله يباهي بعلي كل يوم الملائكة - قال : أخرجه الديلمي ( 2 ) .


وروى النسائي بسنده عن عمرو بن ميمون . . . إلى أن قال : وشرى علي نفسه ، لبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم نام مكانه ، قال : وكان المشركون يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبو بكر ، وعلي نائم ، قال : وأبو بكر يحسبه

أنه نبي الله ، قال : فقال له علي : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه ، قال : فانطلق أبو بكر ، فدخل معه الغار ، قال : وجعل علي يرمي بالحجارة ، كما كان يرمي نبي الله ، وهو يتضور ، قال : لف رأسه في الثوب

لا يخرجه ، حتى أصبح ، ثم كشف عن رأسه ، فقالوا : إنك للئيم ، كان صاحبك نرميه ، فلا يتضور ، وأنت تتضور ، وقد استنكرنا ذلك ( 3 ) .


ورواه الحاكم في المستدرك ، ولا إمام أحمد في المسند ، والمحب الطبري في الذخائر ، والمتقي في كنز العمال ، والهيثمي في مجمعه ، وقال رواه أحمد ، والطبراني في الكبير والأوسط اختصار ( 4 ) .
 

  * هامش *  
 

( 1 ) أسد الغابة 4 / 95 ، سيرة ابن هشام 1 / 480 - 485 .
( 2 ) كنوز الحقائق ص 31 .
( 3 ) تهذيب خصائص للنسائي ص 27 - 28 .
 ( 4 ) المستدرك للحاكم 3 / 4 ، المسند 1 / 330 ، كنز العمال 8 / 133 ، ذخائر العقبى ص 86 ، مجمع الزوائد 9 / 119 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 232

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين عليهما السلام : أن أول من شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ، علي بن أبي طالب عليه السلام ، وقال علي ، عند مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم :

وقت نفسي خير من وطأ الحصى * ومن طاف البيت العتيق والحجر
رسول إله خاف أن يمكروا به * فنجاه ذو الطول الإله من المكر

وبات رسول الله في الغار آمنا * موقى وفي حفظ الإله وفي ستر
وبت أراعيهم ولم يتهمونني * وقد وطنت نفسي على القتل والأسر
( 1 )


وروى الإمام أحمد في المسند بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك . . . ) قال : تشاورت قريش ليلة بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه ،

وقال بعضهم : بل اخرجوه ، فاطلع الله عز وجل نبيه على ذلك ، فبات علي عليه السلام ، على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، تلك الليلة ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا ، يحسبونه النبي

صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا ، رد الله مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك هذا ؟ قال : لا أدري ، فاقتفوا أثره ، فلما بلغوا الجبل خلط عليهم ، فصعدوا في الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هاهنا ، لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال ( 2 ) .


ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ، والهيثمي في مجمعه وقال : رواه أحمد والطبراني ( 3 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) المستدرك للحاكم 3 / 4 . ( 2 ) مسند الإمام أحمد 1 / 348 . ( 3 ) تاريخ بغداد 13 / 191 ، مجمع الزوائد 7 / 27 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 233

وروى المتقي الهندي في كنز العمال بسنده عن أبي الطفيل ، عامر بن واثلة ، قال : كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الأصوات بينهم ، فسمعت عليا عليه السلام يقول : بايع الناس لأبي بكر ، وأنا والله أولى بالأمر منه ، وأحق به منه - إلى أن

قال : إن عمر جعلني في خمسة أنفار ، أنا سادسهم ، لا يعرف : لي فضلا عليهم في الصلاح ، ولا يعرفونه لي ، كلنا فيه شرع سواء ، وأيم الله ، لو أشاء أن أتكلم ، ثم لا يستطيع عربيهم ولا عجميهم ، ولا المعاهد منهم ولا المشرك ، رد خصلة

منها لفعلت - إلى أن قال : أفيكم أحد كان أعظم غناء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين اضطجعت على فراشه ، ووقيته بنفسي ، وبذلت له مهجة دمي ، قالوا : اللهم لا ( 1 ) .


وروى السيوطي في تفسير ( الدر المنثور ) في تفسير قول الله تعالى : - ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك ويخرجوك ) ( 2 ) . قال : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ، قال : دخلوا دار الندوة يأتمرون بالنبي صلى الله

عليه وسلم - وساق الحديث إلى أن قال : وقام علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، أتوا يحرسونه - يعني المشركين - يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فإذا هم بعلي عليه السلام ، فقالوا أين صاحبك ، فقال : لا أدري أثره ، حتى بلغوا الغار ، ثم رجعوا ( 3 ) .


وروى ابن سعد في طبقاته : وأمر صلى الله عليه وسلم ، عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، فبات فيه علي ، وتغشى بردا أحمر حضرميا ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينام فيه ، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ،

ويرصدونه يريدون ثيابه ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع ، صاحب الفراش ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليهم ، وهم جلوس على الباب ، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل

  * هامش *  
 

( 1 ) كنز العمال 3 / 155 . ( 2 ) سورة الأنفال : آية 30 . ( 3 ) فضائل الخمسة 2 / 313 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 234

يذرها على رؤوسهم ، ويتلو ( يس والقرآن الحكيم ) ، حتى بلغ ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 1 ) .


 وعن عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور عن أبيها : أن رقيقة بنت صيفي بن هاشم بن عبد مناف - وهي أم مخرمة بنت نوفل - حذرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن قريشا قد اجتمعت تريد بياتك الليلة ، قال المسور : فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن فراشه ، وبات عليه علي بن أبي طالب ، عليه السلام ( 2 ) .


وروى الإمام الطبري في تفسيره بسنده عن عكرمة قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، إلى الغار ، أمر علي بن أبي طالب فنام في مضجعه ، فبات المشركون يحرسونه ، فإذا رأوه نائما حسبوا أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ، فإذا هم بعلي ، فقالوا : أين صاحبك ، قال : لا أدري ، فركبوا الصعب ، والذلول في طلبه ( 3 ) .


وعن ابن عباس قال : تشاورت قريش ليلة بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه ، فأطلع الله نبيه على ذلك ، فبات علي ، رحمه الله ، على فراش

النبي صلى الله عليه وسلم ، تلك الليلة ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا ، يحسبونه أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوا عليا رحمة الله عليه ، رد الله مكرهم

فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل ، ومروا بالغار ، رأوا على بابه نسج العنكبوت ، قالوا : لو دخل هاهنا ، لم يكن نسج على بابه ، فمكث فيه ثلاثا ( 4 ) .

  * هامش *  
 

( 1 ) الطبقات الكبرى 1 / 153 - 154 .
( 2 ) الطبقات الكبرى 8 / 35 ، وانظر 8 / 162 .
( 3 ) تفسير الطبري 13 / 496 - 497 ( دار المعارف - القاهرة 1958 ) .
( 4 ) تفسير الطبري 13 / 497 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 235

ورواه الهيثمي في مجمعه ، وقال : رواه أحمد والطبراني ( 1 ) .

وفي رواية عن السدي قال : وأخبر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنام على الفراش ، وجعلوا عليه العيون ، فلما كان في بعض الليل ، انطلق هو وأبو بكر إلى الغار ، ونام علي بن أبي طالب على الفراش ( 2 ) .


وفي تفسير ابن كثير : وتشاورت قريش ليلة بمكة ، فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فبات علي

رضي الله عنه ، على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون عليا ، يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فما رأوا عليا ، رد الله مكرهم

فقالوا : أين صاحبك ؟ قال : لا أدري ، فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هاهنا ، لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال ( 3 ) .


وروى النسفي في تفسيره ( 4 ) : أن قريشا لما أسلمت الأنصار فرقوا أن يتفاقم أمره ، فاجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ ، وقال : أنا شيخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ، ولن

تعدموا مني رأيا ونصحا ، فقال أبو البختري رأيي أن تحبسوه في بيت وأن تشدوا وثاقه ، وتسدوا بابه ، غير كوة ، تلقون إليه طعامه وشرابه منها ، وتتربصوا به ريب المنون ، فقال إبليس : بئس الرأي ، يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم ، فقال هشام بن عمرو ، رأيي أن تحملوه

  * هامش *  
 

( 1 ) مجمع الزوائد 7 / 27 .
( 2 ) تفسير الطبري 13 / 498 .

( 3 ) تفسير ابن كثير 2 / 477 .
( 4 ) تفسير النسفي 2 / 101 . ( * )
 

 

 ج 2 - ص 236

على جمل ، وتخرجوه من بين أظهركم ، فلا يضركم ما صنع ، واسترحتم ، فقال إبليس : بئس الرأي ، يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم ، فقال أبو جهل - لعنه الله - أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوهم سيفا ، فيضربوه ضربة رجل واحد

، فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا ، فقال اللعين : صدق هذا الفتى ، هو أجودكم رأيا ، فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله ، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه ، وأذن الله له في الهجرة ، فأمر علي بن أبي طالب فنام في مضجعه ، وقال له : اتشح ببردتي ، فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه ، وباتوا مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه ، فأبصروا

عليا فبهتوا ، وخيب الله سعيهم ، واقتفوا أثره ، فأبطل الله مكرهم وقد جاءت القصة في كتب التفسير ، وفي كتب السيرة النبوية الشريفة ( 1 ) .


ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دور الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - إنما كان من أهم أدوار الهجرة

  * هامش *  
 

( 1 ) أنظر : تفسير القرطبي ص 2833 ، صفوة التفاسير 1 / 501 - 502 ، تيسير الكريم الرحمن من تفسير كلام المنان 2 / 78 ،
محمد بيومي مهران : السيرة النبوية الشريفة 1 / 319 - 324 ، سيرة ابن هشام 2 / 302 - 312 ، السيرة الحلبية 2 / 189 - 215 ،
محمد الصادق إبراهيم عرجون : محمد رسول الله 2 / 495 - 520 ، ابن كثير : السيرة النبوية 2 / 226 - 256 ،
محمد أبو شهبة : السيرة النبوية 2 / 490 - 499 ، محمد أبو زهرة : خاتم النبيين 1 / 510 - 519 ،
الندوي : السيرة النبوية ص 141 - 148 ، محمد رضا محمد رسول الله ص 127 - 130 .
وانظر عن : حماية أبي طالب للنبي ( السيرة الحلبية 1 / 462 - 264 ، عرجون : محمد رسول 2 / 312 - 318 ،
ابن كثير : السيرة النبوية 1 / 473 - 477 ، سيرة ابن هشام 1 / 160 - 162 ، تاريخ الطبري 2 / 326 - 328 ) .
وعن حصار قريش لبني هاشم ( أنظر : سيرة ابن هشام 1 / 219 - 221 ، السيرة الحلبية 2 / 25 - 26 ،
تاريخ الطبري
2 / 341 - 343 ، ابن كثير : السيرة النبوية 2 / 43 - 48 ،
محمد أبو زهرة : خاتم النبيين 2 / 422 - 426 ، ابن حزم : جوامع السيرة ص 51 - 52 .
وانظر : موقف بني هاشم من أحداث الهجرة ( محمد بيومي مهران : السيرة النبوية الشريفة 1 / 328 - 377 ) . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 237

وأخطرها ، ذلك أن خطة الهجرة المحكمة ، إنما كانت تتطلب أن يأخذ مكان سيدنا ومولانا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في البيت ، رجل تشغل حركته داخل الدار ، أنظار المحاصرين لها من مشركي قريش ، وتخدعهم بعض الوقت ،

عن مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى يكون هو وصاحبه قد جاوزا منطقة الخطر ، وخلفا وراءهما من متاهات الصحراء مسافات تتشتت فيها مطاردة قريش ، إذا هي خرجت في طلبهما .


وكان من البدهي أن يكون مصير الذي يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في داره ، ويخدع قريشا عن مخرجه ، ويجعل كيدها الذي عبأت فيه كل قواها ، لا هزيمة ماحقة فحسب ، بل وسخرية تضحك منه ولدانها ، خزيا يجثم فوق جبينها ،

لا ريب في أن مصيره القتل ، إن لم تجد قريش ما هو أشد من القتل تشفيا وفتكا ، ومن ثم فلا بد أن يكون هذا الفدائي من طراز فريد ، وهكذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم ، علي بن أبي طالب ، لأنه من بيت النبوة ، ولأنه سليل بني هاشم ،

ولأنه ربيب الوحي ، ولأنه أول المسلمين ، ولأنه تلميذ النبي صلى الله عليه وسلم ، وربيبه . على أنه مهمة الإمام علي ، عليه السلام ، لم تكن مقصورة على المبيت مكان النبي صلى الله عليه وسلم ، والمكر بقريش ، حتى يغادر نبي الله وصاحبه

مكة ، بل إنها إنما كانت ذات جانب آخر ، تتطلب بنفس القدرة من الفدائية والبذل والتضحية ، ذلك هو قيام الإمام علي برد الأمانات والودائع ، التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتفظ بها لذويها من أهل مكة ، دونه أن ينيل منه فرصة ، تحول

بينه وبين إنجاز مهمته ، وهذه المهمة ، إنما هي - دونما ريب - خصيصة للإمام علي ، لمكانته من النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته الخاصة في قرابته وبيئته، لأنه ربيبه، وأعرف الناس بالنبي مدخلا ومخرجا ، وأعلمهم بأحواله ، وفي ثقة الناس به.

 

وليس هناك إلى سبيل من ريب ، في أن مبيت علي المرتضى ، في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل نفسه فداء لصاحب الرسالة ، وهو أول فداء في الإسلام ، إنما كان فضلا من الله تعالى ، على الإمام علي ، فما زال المسلمون - وسيظلون إن

 ج 2 - ص 238

شاء الله إلى يوم الدين - عندما يذكرون حادث الهجرة ، يذكرون عظمة الإمام علي بن أبي طالب ، وبطولته وشجاعته ، التي فاقت كل بطولة وشجاعة ، لأنه جاد بحياته في سبيل إحياء حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، ليحيا الإسلام ، وتنتشر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وليتألق الإسلام في آفاق الدنيا كلها ، وهو يعلم أن السيوف المسلولة تنتظره في الصباح .


ولا ريب في أنه لا تعليل لذلك ، سوى الإيمان الصادق ، الذي تغلغل في نفس الإمام علي - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وخالط وجدانه ، فدفعه إلى إيثار حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، على حياته ، فقام مقام الرسول ، وتغطى

بالبرد الحضرمي ، الذي كان يتغطى به النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان الإمام علي ، أول من شرى نفسه ابتغاء مرضاة الله ، ووقى بنفسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل أن يقول له النبي ( لن يخلص إليك شئ ) ، وفيه نزل قول الله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله * والله رؤوف بالعباد ) ( 1 ) .


وليس هناك من ريب في أن مبيت الإمام علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، في تلك الليلة المباركة ، إنما قد أذهل الدنيا - بل أذهل أهل الأرض والسماء -

روى الإمام الفخر الرازي في التفسير الكبير : أن الآية نزلت في علي بن أبي طالب ، بات على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، قام جبريل عليه السلام ، عند رأسه ، وميكائيل عليه السلام ، عند رجليه ، وجبريل ينادي : بخ بخ ، من مثلك يا ابن أبي طالب ، يباهي الله بك الملائكة ، ونزلت الآية : ( ومن الناس يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله * والله رؤوف بالعباد ) .


وروى الإمام الغزالي في ( إحياء علوم الدين ) : أن ليلة بات علي بن أبي طالب على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوحى الله إلى جبريل وميكائيل أني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه

  * هامش *  
 

( 1 ) سورة البقرة : آية 207 . ( * )

 

 

 ج 2 - ص 239

بالحياة ، فاختار كلاهما الحياة وأحباها ، فأوحى الله إليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمد ، فبات علي على فراشه يفديه بنفسه ، ويؤثره بالحياة ، إهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فكان جبريل عند رأسه ، وميكائيل

عند رجليه ، ينادي : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب ، تباهى بك الملائكة ، فأنزل الله تعالى : ( ومن الناس يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله * والله رؤوف بالعباد ) .


وروي أن السيدة عائشة ، رضي الله عنها ، قد افتخرت بأبيها يوما ، لأنه ثاني اثنين في الغار ، فقال لها أحد الأصحاب : شتان بين من قيل له ( لا تحزن إن الله معنا ) ، ومن بات على الفراش ، وهو يرى أنه يقتل ، وأنزل الله فيه : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله * والله رؤوف بالعباد ) .


هذا ويتساءل الأستاذ الخطيب في كتابه ( علي بن أبي طالب - بقية النبوة ، وخاتم الخلافة ) يتساءل : أكان لإلباس رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصيته لعلي بن أبي طالب في تلك الليلة ، ما يوحي بأن هناك جامعة تجمع بين الرسول وعلي ، أكثر من جامعة القرابة القريبة التي تجمع بينهما ؟ .


وهل لنا أن نستشف من ذلك ، أنه إذا غاب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان علي بن أبي طالب ، هو الشخصية المهيأة لأن تخلفه ، وتمثل شخصه ، وتقوم مقامه ؟ .


ثم يجيب الأستاذ الخطيب : أحسبنا لم نتعسف كثيرا ، إذا نظرنا إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - وهو في برد الرسول ، وفي مثوى منامه ، الذي اعتاد أن ينام فيه ، فقلنا : هذا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقائم مقامه .


ثم إذا نظرنا إلى علي بن أبي طالب ، وهو يواجه قريشا ، بعد أن فعل بها ما فعل ، وبعد أن صفعها تلك الليلة الصفعة المذلة المهينة ، فمكر بها ، حتى أفلت النبي صلى الله عليه وسلم ، من بين يديها .
 

 ج 2 - ص 240

ألا يذكرنا ذلك بما كان من قريش للإمام علي ، وإرهاقها له ، وتجنيها عليه ، بعد أن دخلت الإسلام ، حيث لم ير الإمام علي من قريش ، إلا حقدا عليه ، وكيدا له ، وإزورارا عنه ، وقد يقول قائل : إن الإسلام قد ذهب بسخائم النفوس ، غير أن ما

فعله الإمام علي ليلة الهجرة ، وما فعله بأبطال قريش وصناديدها في حروب الإسلام - وخاصة في بدر وأحد والخندق - أكبر من أن تنساه كل النفوس .


ثم هناك أمر آخر : إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتركه في مكة قلوبا مضطغنة عليه ، متحرقة إلى ضره وأذاه ، ثم استقباله في المدينة قلوبا فياضة بالبشر ، عامرة بالحب ، وفي نفس الوقت ، يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الإمام

علي ، في مجتمع مكة المضطرب ، ومع جماعة حانقة مبغضة ، يعيش معها أياما ، ثم يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم في مهاجره الجديد ، ثم يمضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى ربه ، ويلحق بالرفيق الأعلى ، وينتقل من دار إلى دار

خير منها ، أشبه بانتقاله من مكة إلى المدينة ، يترك عليا وراءه يصطدم بالأحداث ، يكابد الشدائد ، حتى يلحق بالنبي في الرفيق الأعلى ، كما لحق به في مهاجره من قبل .


ألا يبدو لنا من هذا الموقف ما نستشف منه أن للإمام علي بن أبي طالب ، شأنا في رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودورا في دعوة الإسلام ، ليس لأحد غيره من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .


 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب