|
|
|
|
الغيْبـة
الإمامة مقدمة أساسية لفهم العصمة والعصمة مقدمة لفهم الغيبة . فهناك رابطة قوية بين المسألتين . فإن حاجة الإمام المهدي للعصمة حال ظهوره
هي أكبر بكثير من حاجة الأئمة الذين سبقوه وذلك يعود سببه إلى حجم المغريات والفتن التي سوف يلاقيها في عصره والتي تتضاءل أمامها الفتن والمغريات التي تعرض لها سابقوه .
له دلالة كبيرة وهامة ترتبط بطبيعة مهمته وعظيم دوره . فكونه من خارج العصر يمنحه قدرة على المواجهة والتحدي والثبات لا تتوفر في أهل العصر . فهو قادم من عالم آخر لا وجود فيه للمقاييس المادية وإنما مقاييسه إيمانية بحتة . . وهو خال من شوائب العصر ومتعلقاته ومؤثراته وهذا من شأنه أن يحول بينه وبين التأثر به والميل غليه . . ولو تصورنا أن الإمام المهدي يعيش بيننا ويعرفه الناس كما كانوا يعرفون الأئمة من قبله لكان أمر ظهوره معروف للجميع خاصة القوى المعادية المرتبطة به وبالتالي انتفى عنصر المفاجأة واندفعت هذه القوى لتسعى وراءه من أجل القضاء عليه . وهذا يحول بينه وبين الإعداد والبناء للقضاء عليها . . لقد مهد الأئمة الإحدى عشر للمهدي وهذا التمهيد هو الرصيد المتبقي في واقع الأمة والمتمثل في منهج آل البيت . فمن ثم فإن غيبة الإمام المهدي لا تعني غيبة خط آل البيت فهو باق يهيئ الأمة لاستقباله والسير من وراءه . . أن الغيبة هي مدد معنوي للمؤمنين الملتزمين بخط آل البيت على مر الزمان . ولو كان المهدي قد ظهر ومات كمن سبقوه لتوقف هذا المدد ولفقدت الأجيال اللاحقة تلك الدفعات الإيمانية التي تتولد من حالة الانتظار ليوم الخلاص من الظلم والفساد على يد الإمام المنتظر . . لو لم تكن هناك غيبة ولا انتظار لكان حال المؤمنين أشبه بالقطيع السائب الذي لا أمل له في تغيير أو إصلاح أو رقي . وهو ما يعيشه الطرف الآخر
الذي فقد قيمة الانتظار وسقط ضحية الولاءات المتعددة للحكام تارة وللفقهاء تارة
وللجماعات تارة أخرى إن اليأس من إمكانية التغيير والمواجهة مع القوى الطاغوتية
المستكبرة في
الأرض وحالة الاحباط الدائمة التي تعيشها التيارات الإسلامية وفقدان الثقة في حكام المسلمين الذين هم في الحقيقة امتداد لهذه القوى . كل ذلك يدفعنا للإيمان بأن التغيير والمواجهة التي سوف تقضي
على هذه القوى لن تتحق إلا بقيادة ربانية من خارج دائرة الزمان . . والأمم على
مر التاريخ تحلم بالمنقذ الذي يأخذ بيدها ويخرجها من دائرة الظلم والقهر
والاستعباد التي تعيشها إلى دائرة العدل والعزة والحرية . وإذا فقدت الأمة المعاصرة هذا الحلم . فماذا بقي لها ؟ . . إننا لن ندرك القيمة المعنوية للانتظار إلا بمعرفة حال فاقد هذه القيمة . . لن ندرك أهمية هذه القيمة إلا بمعرفة الخسارة التي تنتج عن إهمالها . . إن حركات التغيير لا يكتب لها النجاح إلا بعناصر معبأة وجاهزة فإذا ظهر المنقذ استعان بهذه العناصر للقيام بدوره وتنفيذ مهمة .
ينتظرونه يتصدون للواقع الفاسد ويحاولون إصلاحه . . والذين لا ينتظرونه يعيشون خانعين مستسلمين . . وعلى أساس الموقف الأول قامت الثورة الإسلامية في إيران ونجحت . . وعلى أساس الموقف الثاني قويت شوكة الباطل وقتلت روح التغيير . . وما كان حكام الأمس واليوم ليبقوا جاثمين على صدور المسلمين لو كانت فكرة الانتظار حية نابضة في قلوب المسلمين . . ما كان لهؤلاء الحكام أن يبقوا لو لم يقم فقهاء القوم بتطبيق النصوص الواردة بخصوص الجماعة والأئمة على هؤلاء الحكام ( 6 ) . . إن
الإيمان بدور آل البيت ورسالتهم سوف يؤدي إلى الإيمان بمسألة الغيبة .
فإن المكانة الخاصة التي وضعهم فيها الشرع تفرض لهم استثناءات خاصة بهم . فهم نموذج خاص وليس غريبا أن يدخر آخرهم لمهمة لا تقل شأنا عن مهمة الرسل . . وفيما يتعلق بقضية طول العمر فقد كانت من المشكلات التي أرقتني ولم أستطع حلها إلا عن طريق التأمل في آيات القرآن فقد وجدت في نصوص القرآن الكثير من الشواهد التي ذكرت طوال العمر . . هناك شاهد من قصة نوح ( ع ) الذي دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ( 7 ) . .
بعثوا من جديد ( 10 ) . . وهناك قوله تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) ( 11 ) . . وقد يقال أن طول عمر نوح ليس موضع استدلال لكونه رسولا والمهدي ليس رسولا . فلا يجوز قياس حال المهدي على حال نوح . . ومثل هذا التساؤل إنما هو ناتج من عدم معرفة دور آل البيت ومكانتهم وأنه من الممكن أن تجري على أحدهم سنة الأولين .
ترمي إلا لمدلول واحد وهو الإعجاز الإلهي في محيط الموت والبعث . فصاحب القرية تعجب من حال قرية خاوية على عروشها واستبعد أن يحييها الله من جديد فأماته الله مائة عام ليبين له أن الموت والإحياء شئ يسير عليه .
قدرته فعل ما فعل بصاحب القرية . فإذا كان الله قد أمات رجلا مائة عام ثم بعثه دون أن يكون هناك هدف من بعثه سوى إثبات القدرة الإلهية . أليس من الأولى أن يطيل في عمر إمام يتوقف على دوره ومهمته
مستقبل الإسلام والبشرية ؟ . . وإذا كان الله قد أبقى يأجوج ومأجوج على قيد
الحياة طيلة هذه القرون من أجل أن يخرجوا عند قيام الساعة ليفسدوا في الأرض .
أليس من الأولى أن يبقي على المهدي قرونا طويلة من أجل أن يصلح في الأرض ؟ . . وإذا كان الله قد أمات أهل الكهف ثلاثمائة عام ثم بعثهم ولم يكن هناك هدف من وراء ذلك سوى الإعجاز الإلهي فهؤلاء الفتية لم ينتج عن معجزتهم شئ للدعوة . لا هم أدخلوا مجتمعهم الأول في دين الله . ولا هم أنجزوا شيئا في المجتمع الذي بعثوا فيه فقد كان مجتمعا مؤمنا . .
لهذا الدور سوى المهدي . . أليست هذه الغاية السامية الرفيعة تبرر طول عمره ؟
إلا أن النظرة التأملية في واقع القوم ماضيا وحاضرا كانت تعطيني من الإشارات ما يكفي لرفض هذا السؤال من الأصل لا مجرد الإجابة عليه . فالقوم يعتنقون هذا التصور وهو أن المهدي سوف يكون من أهل العصر الذي سوف يظهر فيه أي أنه لم يولد بعد . ورغم ذلك لا توجد آثار أو انعكاسات لهذا التصور في واقعهم ومعنى ذلك أن الحكمة من وراء ظهوره منعدمة .
|
|
||||||||||||||||||||||||||||