|
|
|
|
الدين والتراث
كنت على الدوام أطرح على نفسي السؤال التالي : ما بين أيدينا تراث أم دين . . ؟ كان العرف السائد أن ما بين أيدينا هو الدين . وهكذا كنت أتصور لفترة من الزمن . هي فترة نشأتي الفكرية .
أساس الدين . . وتبين لي أن الجماعات والتيارات الإسلامية إنما بنت تصوراتها وأصولها الفكرية على أساس أطروحات تراثية وليس على أساس نصوص دينية .
المعاصرة سرعان ما تنامى وقوي بحيث دفعني إلى طرح التراث جانبا والبحث عن الدين من جديد . . وينبغي قبل الخوض في التفاصيل أن نعمل على تعريف مفهوم التراث ومفهوم الدين حتى يمكن التفريق بينهما . فمن دون هذا التفريق يحدث الخلط وتضيع حقيقة الدين . .
إن الدين هو مجموعة النصوص التي جاء بها الرسول وبلغها للناس . الدين هو حركة اتصال بين الله والإنسان ينتج عنها الالتزام بعقائد وشرائع إلهية . . والكتاب الذي يأتي به الرسول إلى قومه إنما يحوي أصول وقواعد هذا الدين . فمن ثم تعد مخالفته والطعن فيه خروجا عن الدين وكفرا به . التوراة تحوي دين اليهود . . والإنجيل يحوي دين النصارى . . والقرآن كما بلغه وبينه يحوي دين المسلمين . . وما دام القرآن يحوي دين المسلمين فهو كما بينه الرسول يعد المصدر الوحيد لهذا الدين وأية محاولة للجوء إلى مصادر أخرى معناه تشوه هذا الدين وضياع معالمه . . وقديما أفتى ابن تيمية بكفر التتار الذين أسلموا لأنهم حكموا في حياتهم " الياثق " بجوار القرآن كما أشرنا في الباب السابق . .
أما دور القرآن فهو مستمر إلى قيام الساعة . . والقرآن هو المصدر الوحيد الذي نمسك به بين أيدينا وليس محل خلاف وما دونه من المصادر هي محل خلاف بين المسلمين .
حتى وإن خالف القرآن . . وثبوت صحة الحديث إنما تقوم على أساس السند عندهم وليس على أي أساس آخر أي ما دام الرواة الذين نقلوا الحديث عدولا ولا غبار عليهم حسب مقاييسهم يكون الحديث صحيحا وتبقى مسألة مخالفته للقرآن إشكالية ظاهرية أو لفظية يمكن التغلب عليها .
أحكام المرويات عن الرسول مما هو مناقض للقرآن ومخالف لأحكامه . . وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول صلى الله عليه وآله هي تبليغ ما يوحي إليه من ربه .
ما هو التراث ؟ إن التراث هو مجموعة الاجتهادات الحادثة على الدين من أقوال وروايات وتفسيرات ويدخل في دائرته الحديث والتأريخ والفقه والتفسير وشتى النتاجات التي تمخض عنها العقل على ضوء الدين . . إن الدين هو الحق . . والتراث هو متعلقات هذا الحق . .
ونكون قد ساوينا بين التراث والدين . . وهذا ما وقعت فيه التيارات الإسلامية اليوم خاصة تيار التكفير عندما بنت تصورات وأحكاما بالتكفير والحرمة والاستحلال على أساس اجتهادات تراثية وأحاديث نبوية هي محل خلاف ونتج عن هذه التصورات ما نتج من انتكاسات فكرية وحركية للحركة الإسلامية بشكل عام . .
وتكون الإجابة بالطبع أن النص يسبق الاجتهاد والاجتهاد هو الحادث عليه . . وإذا ما طبقنا هذه القاعدة على جميع الأطروحات الإسلامية على مستوى الماضي والحاضر فإننا سوف نتوصل إلى معرفة الحق بسهولة . . وسوف نضرب على ذلك مثالا من خلال محاوراتنا مع تيار التكفير في فترة السبعينات .
فإن زعم المكفرون أنها نصوص يكونون بذلك قد كفروا وخرجوا من دائرة الإسلام . فليست هناك نصوص قرآنية أو حتى نبوية تقول بذلك . . وإن زعموا أنها اجتهادات . فمعنى ذلك أنها تدور في مجال القبول والرفض . وتخضع للأخذ والرد . فمن ثم هي ليست ملزمة للمسلمين . . والتكفير أو حتى التحريم
على أساس الاجتهاد إنما ينزل هذا الاجتهاد منزلة النصوص .
وبالتالي يدخل في دائرة الكفر كل من التابع والمتبوع . . وهذه هي متاهة الأحبار والرهبان التي أضاعت اليهود والنصارى من قبل وقد وقع فيها المسلمون اليوم بتبنيهم أقوال الرجال بدلا من تبنيهم النصوص . . فتيار التكفير عندما حاول أن يحرر أتباعه من إتباع أقوال الرجال وتقليدهم وقع في الإتباع والتقليد من باب آخر . إذ نقل أتباعه من تقليد المذاهب وفقهاء السلف إلى تقليد مذهبه واتباع اجتهادات شكري مصطفى مؤسس التيار وباعث أطروحته . . كل ما في الأمر أن مجموعة من المسلمين انتقلت من إتباع فقهاء يقولون بأن المصر على المعصية ومرتكب الكبيرة والمقلد ورافض الهجرة ليس بكافر . إلى اتباع من يقول بكفر مرتكب ذلك . . والتزاما بالقاعدة التي ابتدعها تيار التكفير وهي : من قلد كفر . يكون هذا التيار قد كفر وارتدت أطروحته في نحره . . وفقهاء السلف لم يقل أحد منهم أن قوله أو اجتهاده ملزم للمسلمين . وأن مخالفته تدخل المسلم في دائرة الكفر . بينما قال هذا الكلام تيار التكفير اعتقادا منه أن كلامه هو النص . . ولو تبنى المسلمون قضية الفصل بين النصوص وأقوال الرجال معتبرين أن النصوص هي الأصل وأن الاجتهاد حادث عليها مع جميع أطروحات التراث لأمكن جلاء الحقيقة وإظهار الدين في صورته النقية الصافية . إلا أن هذه القاعدة لا يمكن تطبيقها والرجال فقهاء وساسة متربصون بالنصوص وبكل محاولة لتحريرها من قيودهم .
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||