|
- سيرتنا وسنتنا - الشيخ الأميني ص 170 :
|
السجدة على تربة كربلاء واتخاذها مسجدا
فإن الغاية المتوخاة منها للشيعة إنما هي تستند إلى أصلين
قويمين ، وتتوقف على أمرين قيمين :
أولهما : استحسان اتخاذ المصلي لنفسه تربة طاهرة طيبة يتيقن بطهارتها ،
من أي أرض أخذت ، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت ، وهي كلها في ذلك شرع سواء
سواسية ، لا
امتياز لإحداهن على الأخرى في جواز السجود عليها ، وإن
هو إلا كرعاية المصلي طهارة جسده وملبسه ومصلاه ، يتخذ المسلم لنفسه صعيدا طيبا
يسجد عليه في حله وترحاله ، وفي
حضره وسفره ، ولا سيما في السفر، إذ الثقة بطهارة كل أرض
يحل بها ، ويتخذها مسجدا لا تتأتى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق
والخانات وباحات النزل والساحات ،
ومحال المسافرين ، ومحطات وسايل السير والسفر ، ومهابط
فئات الركاب ، ومنازل الغرباء ، إني له بذلك وقد يحل بها كل إنسان من الفئة
المسلمة وغيرها ، ومن أخلاط الناس الذين لا
يبالون ولا يكترثون لأمر الدين في موضوع الطهارة
والنجاسة . فأي وازع من أن يستحيط المسلم في دينه ، ويتخذ معه تربة طاهرة يطمئن
بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته ،
حذرا من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ التي لا
يتقرب بها إلى الله قط ، ولا
تجوز السنة السجود عليها ، ولا يقبله العقل السليم ، بعد
ذلك التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلي ولباسه ، والنهي عن الصلاة في
مواطن منها : المزبلة ، والمجزرة ، والمقبرة ، وقارعة الطريق ، والحمام ،
ومعاطن الإبل
( 1 )
والأمر بتطهير المساجد وتطييبها
( 2 )
.
وكأن هذه النظرة الصائبة القيمة الدينية كانت متخذة لدى رجال الورع من فقهاء
السلف في القرون الأولى ، وأخذ بهذه الحيطة المستحسنة جدا كان التابعي الفقيه
الكبير الثقة العظيم
المتفق عليه مسروق بن الأجدع
( 3 )
يأخذ في أسفاره لبنة يسجد عليها كما أخرجه شيخ المشايخ الحافظ الثقة إمام السنة
ومسندها في وقته أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه ( المصنف )
في المجلد الثاني في باب : من كان يحمل في السفينة شيئا يسجد عليه ، فأخرج
بإسنادين : أن مسروقا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها .
هذا هو الأصل الأول لدى الشيعة وله سابقة قدم منذ
يوم الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان ، وأما الأصل الثاني : فإن قاعدة
الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الأراضي ، بعضها على بعض ، وتستدعي اختلاف
الآثار والشؤون والنظرات فيها ، وهذا
| |
( 1 ) سنن ابن ماجة 1 : 252 ، ومسانيد
وسنن أخرى .
( 2 ) سنن ابن ماجة 1 : 256 . ومصادر
أخرى .
( 3 ) مسروق بن الأجدع عبد الرحمن بن مالك الهمداني أبو عائشة المتوفى
62 تابعي عظيم من رجال الصحاح الست ، يروي عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان
، وعلي ، كان فقيها عابدا ثقة صالحا ، كان في أصحاب ابن مسعود الذين
كانوا
يعلمون الناس السنة ، وقال حين حضره الموت كما جاء في طبقات ابن سعد :
اللهم لا أموت على أمر لم يسنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولا
أبو بكر ولا عمر . راجع تاريخ البخاري الكبير
4 ق 2 : 35 ، طبقات ابن سعد 6 : 50 - 56
، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4 ق 1 :
396 ، تهذيب التهذيب 10 : 109 - 111 . (
* )
|
|
|
أمر طبيعي عقلي متسالم عليه ، مطرد بين الأمم طرا ، لدى
الحكومات والسلطات والملوك العالمية برمتهم ، إذ بالاضافات والنسب تقبل الأراضي
والأماكن والبقاع خاصة ومزية ، بها
تجري عليها مقررات ، وتنتزع منها أحكام لا يجوز التعدي
والصفح عنها . ألا ترى أن المستقلات والساحات والقاعات والدور والدوائر الرسمية
المضافة إلى الحكومات ، وبالأخص
ما ينسب منها إلى البلاط الملكي ، ويعرف باسم عاهل
البلاد وشخصه ، لها شأن خاص ، وحكم ينفرد بها ، يجب للشعب رعايته ، والجري على
ما صدر فيها من قانون .
فكذلك الأمر بالنسبة إلى الأراضي والأبنية والديار المضافة
المنسوبة إلى الله تعالى فإن لها شؤونا خاصة ، وأحكاما وطقوسا ، ولوازم وروابط
لا مناص ولا بد لمن أسلم وجهه لله من
أن يراعيها ، ويراقبها ، ولا مندوحة لمن عاش تحت راية
التوحيد والإسلام من القيام بواجبها والتحفظ عليها ، والأخذ بها .
فبهذا الاعتبار المطرد العام المتسالم عليه انتزع للكعبة
حكمها الخاص ، وللحرم شأن يخص به ، وللمسجدين الشريفين : جامع مكة والمدينة
أحكامهما الخاصة بهما ، وللمساجد العامة
والمعابد والصوامع والبيع التي يذكر فيها اسم الله ، في
الحرمة والكرامة ، والتطهير والتنجيس ، ومنع دخول الجنب والحائض والنفساء عليها
، والنهي عن بيعها نهيا باتا نهائيا من دون
تصور أي مسوغ لذلك قط خلاف بقية الأوقاف الأهلية العامة
التي لها صور مسوغة لبيعها وتبديلها بالأحسن ، إلى أحكام وحدود أخرى منتزعة من
اعتبار الإضافة إلى ملك الملوك ،
رب العالمين . فاتخاذ مكة المكرمة حرما آمنا ، وتوجيه
الخلق إليها ، وحجهم إياها من كل فج عميق ، وإيجاب كل تلكم النسك ، وجعل كل
تلكم الأحكام حتى بالنسبة إلى نبتها وأبها ، إن هي إلا آثار الإضافة ،
ومقررات تحقق ذلك الاعتبار ، واختيار الله إياها له من
بين الأراضي . وكذلك عد المدينة المنورة حرما إلهيا محترما ، وجعل كل تلكم
الحرمات الواردة في السنة الشريفة لها وفي
أهلها وتربتها ومن حل بها ومن دفن فيها ، إنما هي
لاعتبار ما فيها من الإضافة والنسبة إلى الله تعالى ، وكونها عاصمة عرش نبيه
الأعظم صاحب الرسالة الخاتمة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وهذا الاعتبار وقانون الإضافة كما لا يخص بالشرع فحسب ،
بل هو أمر طبيعي أقر الإسلام الجري عليه ، كذلك لا ينحصر هو بمفاضلة الأراضي ،
وإنما هو أصل مطرد في باب
المفاضلة في مواضيعها العامة من الأنبياء والرسل ،
والأوصياء ، والأولياء ، والصديقين ، والشهداء ، وأفراد المؤمنين وأصنافهم ،
إلى كل ما يتصور له فضل على غيره لدى الإسلام المقدس .
بل هذا الأصل هو محور دائرة الوجود ، وبه قوام كل شئ ،
وإليه تنتهي الرغبات في الأمور ، ومنه تتولد الصلات والمحبات ، والعلائق
والروابط ، لدة عوامل البغض والعداء والشحناء والضغائن .
وهو أصل كل خلاف وشقاق ونفاق ، كما أنه أساس كل وحدة واتحاد
وتسالم ووئام وسلام . وعليه تبنى صروح الكليات ، وتتمهد المعاهد الاجتماعية ،
وفي إثره تشكل الدول ، وتختلف
الحكومات ، وتحدث المنافسات والمشاغبات والتنازع
والتلاكم والمعارك والحروب الدامية ، وعلى ضوئه تتحزب الشعوب والقبائل ، وتتكثر
الأحزاب والجمعيات ، وبالنظر إليه تؤسس
المؤسسات في أمور الدين والدنيا ، وتتمركز المجتمعات
الدينية ، والعلمية والاجتماعية ، والشعوبية ، والقومية ، والطائفية ، والحزبية
، والسياسية . إلى كل قبض وبسط ، وحركة
وسكون ، ووحدة وتفكك ، واقتران وافتراق . فالحكومة
العالمية العامة القوية القهارة الجبارة الحاكمة على الجامعة
البشرية بأسرها من أول يومها وهلم جرا إلى آخر الأبد ،
من دون شذوذ لأي أحد وخروج فرد عن سلطتها ، ومن دون اختصاص بيوم دون يوم ، إنما
هي حكومة ( ياء النسبة ) بها
قوام الدين والدنيا ، وإليها تنتهي سلسلة النظم
الإنسانية ، وقانون الاجتماع العام ، وشؤون الأفراد البشرية . والبشر مع تكثر
أفراده على بكرة أبيهم مسير بها ، مقهور تحت نير سلطتها
مصفد بحبالها ، مقيد في شراكها ، لا مهرب له منها ، هي
التي تحكم وتفتق ، وتنقض وتبرم ، وترفع وتخفض ، وتصل وتقطع ، وتقرب وتبعد ،
وتأخذ وتعطي ، وتعز وتذل ، وتثيب
وتعاقب ، وتحقر وتعظم . هي التي تجعل الجندي المجهول
مكرما ، معظما ، محترما ، وتراه أهلا لكل إكبار وتجليل وتبجيل ، لدى الشعب
وحكومته ، وتنثر الأوراد والأزهار على تربته
ومقبره ، وتدعه يذكر مع الأبد ، خالدا ذكره في صفحة
التاريخ . هي التي تهون لديها الكوارث والنوازل ، وبمقاييسها يقاسي الإنسان
الشدائد والقوارع والمصائب الهائلة ، ويبذل النفس والنفيس دونها .
هي التي جعلت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقبل
الصحابي العظيم عثمان بن مضعون وهو ميت ، ودموعه تسيل على خديه كما جاء عن
السيدة عائشة
( 1 )
. هي التي دعت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى أن يبكي على
| |
( 1 ) أخرجه أبو القاسم عبد الملك بن بشران في
أماليه ، وأبو الحسن علي بن الجعد الجوهري في الجزء العاشر من مسنده ،
والحاكم النيسابوري في المجلد الثالث من
المستدرك . وحفاظ وأعلام آخرون . ( * )
|
|
|
ولده الحسين السبط ، ويقيم كل تلكم المآتم ويأخذ تربة
كربلاء ويشمها ويقبلها ، إلى آخر ما سمعت من حديثه . هي التي جعلت السيدة أم
سلمة أم المؤمنين تصر تربة كربلاء على ثيابها.
هي التي سوغت للصديقة فاطمة أن تأخذ تربة قبر أبيها الطاهر
وتشمها . هي التي حكمت على بني ضبة يوم الجمل أن تجمع بعرة جمل عايشة أم
المؤمنين وتفتها وتشمها كما ذكره الطبري .
هي التي جعلت عليا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يأخذ
قبضة من تربة كربلاء لما حل بها فشمها وبكى حتى بل الأرض بدموعه ، وهو يقول :
يحشر من هذا الظهر سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب . أخرجه الطبراني وقال
الهيثمي في المجمع 9 : 191 رجاله ثقات .
هي التي جعلت رجل بني أسد يشم تربة الحسين ويبكي قال هشام
ابن محمد : لما أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوما وامتحى أثر
القبر ، فجاء أعرابي من بني أسد فجعل
يأخذ قبضة قبضة من التراب ويشمه حتى وقع على الحسين فبكى
وقال : بأبي وأمي ما كان أطيبك حيا وأطيب تربتك ميتا ، ثم بكى وأنشأ يقول :
أرادوا ليخفوا قبره عن عداوة وطيب
تراب القبر دل على القبر راجع تاريخ ابن عساكر 4 : 342،
كفاية الحافظ الكنجي ص 293 .
فالفرد البشري كائنا من كان ، أينما كان وحيثما كان ، من
أي عنصر وشاكلة على تكثر شواكله ، واختلاف عناصره ، في جميع أدوار الحياة هو
أسير تلك الحكومة ، ورهين لفظة :
روحي ، بدني ، مالي ، أهلي ، ولدي ، أقاربي ، رحمي ،
أسرتي ، تجارتي ، نحلتي ، ملتي ، طائفتي ، مبدئي ، داري ، ملكي ،
حكومتي ، قادتي ، سادتي ، إلى ما لا يحصى من المضاف
المنسوب إليه .
وهذه هي حرفيا بصورة الجمع الإضافي مأكلة بين شدقي
الحكومات والدول ، والجمعيات ، والهيئات ، والأحياء ، والشعوب ، والقبائل ،
والأحزاب والملل ، والنحل ، والملوك ، والطوائف ، والسلطات الحاكمة إلى كليات
لا تتناهى .
وبمجرد تمامية النسبة وتحقق الإضافة في شئ جزئي أو كلي ، أو
أمر فردي أو اجتماعي ، لدى أولئك المذكورين تترتب آثار ، وتتسجل أحكام لا منتدح
لأي أحد من الخضوع لها والإخبات إليها ، والقيام دونها ، والتقيد بها .
وهذا بحث جد ناجع تنحل به مشكلات المجتمع في المبادئ
والآراء والمعتقدات ، وعقود الضغينة والمحبة ، وعويصات المذاهب ، ومقررات الشرع
الأقدس ، وفلسفة مقربات الدين
الحنيف ، ومقدسات الإسلام وشعائره ، والحرمات والمقامات
والكرامات . فبعد هذا البيان الضافي يتضح لدى الباحث النابه الحر سر فضيلة تربة
كربلاء المقدسة ، ومبلغ انتسابها إلى
الله سبحانه وتعالى ، ومدى حرمتها وحرمة صاحبها دنوا
واقترابا من العلي الأعلى ، فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله ، وقائد جنده
الأكبر المتفاني دونه ، هي مثوى حبيبه وابن
حبيبه ، والداعي إليه ، والدال عليه ، والناهض له ،
والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه ، والواضع دم مهجته في كفه تجاه إعلاء
كلمته ، ونشر توحيده ، وتحكيم معالمه ، وتوطيد طريقه وسبيله .
فأي من ملوك الدنيا ومن عواهل البلاد من لدن آدم وهلم جرا
عنده قائد ناهض طاهر كريم وفي صادق أبي شريف عزيز مثل قائد شهداء الإخلاص بالطف
: الحسين المفدى ؟ لماذا لا يباهي به الله ، وكيف لا يتحفظ على دمه لديه ، ولا
يدع
قطرة منه أن تنزل إلى الأرض لما رفعه الحسين بيديه إلى
السماء
( 1 )
.
كيف لا يديم ذكره في أرضه وسمائه ، وقد أخذت محبة الله بمجاميع قلبه ؟
كيف لا يسود وجه الدنيا في عاشورائه ؟
ولا يبدي بينات سخطه وغضبه يوم قتله في صفحة الوجود ؟
ولماذا لم تبك عليه الأرض والسماء ؟ كما جاء عن ابن سيرين فيما أخرجه جمع من
الحفاظ .
ولماذا لم تمطر السماء يوم قتله دما ؟ كما جاء حديثه متواترا .
ولماذا لم يبعث الله رسله من الملائكة المقربين إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) بتربة كربلائه ؟
ولماذا لم يشمها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم يقبلها ولم يذكرها
طيلة حياته ؟
ولماذا لم يتخذها بلسما في بيته ؟
فهلم معي أيها المسلم الصحيح ، أفليست السجدة على
تربة هذا شأنها لدى التقرب إلى الله في أوقات الصلوات ، أطراف الليل والنهار ،
أولى وأحرى من غيرها من كل أرض وصعيد
وقاعة وقرارة طاهرة ، أو من البسط والفرش والسجاد المنسوجة على نول هويات
مجهولة ؟ ولم يوجد في السنة أي مسوغ للسجود عليها .
أليس أجدر بالتقرب إلى الله ، وأقرب بالزلفى لديه ، وأنسب بالخضوع والخشوع
والعبودية له تعالى أمام حضرته ، وضع صفح
| |
( 1 ) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي بإسناده ، والحافظ ابن عساكر في
تاريخ الشام 4 : 338 بإسناده عن الخطيب ،
والحافظ الكنجي في الكفاية ص 284 عن
الحسن المثنى عن مسلم بن رياح مولى أمير المؤمنين قال : كنت مع الحسين
يوم قتل فرمي في وجهه بنشابة فقال لي : يا مسلم أدن يديك من الدم
فأدنيتها فلما امتلآ قال : اسكبه في يدي فسكبته في يديه فنفخ بهما إلى
السماء وقال : اللهم أطلب بدم ابن بنت نبيك قال مسلم : فما وقع إلى
الأرض منه قطرة . وقد جاء أن الحسين ( عليه السلام ) رمى بدم حنكه إلى
السماء لما أصابه السهم . وأخرج حديثه جمع من الحفاظ . ( * )
|
|
|
الوجه والجباه على تربة في طيها دروس الدفاع عن الله ،
ومظاهر قدسه ، ومجلى التحامي عن ناموسه ناموس الإسلام المقدس ؟
أليس أليق بأسرار السجدة على الأرض السجود على تربة فيها سر
المنعة والعظمة والكبرياء والجلال لله جل وعلا ، ورموز العبودية والتصاغر دون
الله بأجلى مظاهرها وسماتها ؟
أليس أحق بالسجود تربة فيها بينات التوحيد والتفاني دونه ؟
تدعو إلى رقة القلب ، ورحمة الضمير والشفقة والتعطف .
أليس الأمثل والأفضل اتخاذ المسجد من تربة تفجرت في صفيحها
عيون دماء اصطبغت بصبغة حب الله ، وصيغت على سنة الله وولائه المحض الخالص ؟
من تربة عجنت بدم من طهره الجليل ، وجعل حبه أجر الرسالة
الخاتمة ، وخمرت بدم سيد شباب أهل الجنة حب الله وحب رسوله ، وديعة محمد ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) لدى أمته المسلمة كما جاء في السنة ؟
فعلى هذين الأصلين نتخذ نحن
من تربة كربلاء قطعا لمعا وأقراصا نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن
الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها ، والرجل
تلميذ الخلافة الراشدة ، فقيه المدينة ومعلم السنة بها ،
وحاشاه من البدعة ، ففي أي من الأصلين حزازة وتعسف ؟
وأي منهما يضاد نداء القرآن الكريم ؟
أو يخالف سنة الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم
) ؟
وأيهما يستنكر ويعد بدعة ؟
وأيهما خروج عن حكم العقل والمنطق والاعتبار ؟
وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض
المحتم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا مما ألزمه المذهب ، ولا يفرق أي أحد
منهم منذ أول يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها
، خلاف ما يزعمه الجاهل بهم
وبآرائهم . وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا ،
واختيار لما هو الأولى بالسجود لدي العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت .
وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم غير تربة
كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون
عليه في صلواتهم .
ونحن نرى أن الأخذ بهذين الأصلين القويمين ، والنظر إلى
رعاية أمري الحيطة والحرمة ومراقبتهما ، يحتم على أهالي الحرمين الشريفين : مكة
والمدينة ، واللائذين بجنابهما ،
والقاطنين في ساحتهما أن يتخذوا من تربتهما أقراصا
وألواحا مسجدا لهم ، أخذا بالأصلين وتخلصا من حرارة حصاة المسجد الشريف القارصة
أيام الظهائر وشدة الرمضاء ، يسجدون
عليها في حضرهم ، ويحملونها معهم مسجدا طاهرا مباركا في
أسفارهم سيرة السلف الصالح نظراء الفقيه مسروق بن الأجدع كما سمعت حديثه ،
ويجعلونها في يد تناول الزائرين
والحجاج والوافدين إلى تلكم الديار المقدسة من الحواضر
الإسلامية ، تقتنيها الأمة المسلمة مسجدا لها ، في الحضر والسفر ، وتتخذها
تذكرة وذكرى لله ولرسوله ولمهابط وحيه ،
تذكرها ربها ونبيها متى ما ينظر إليها ، وتشمها وتستشم
منها عرف التوحيد والنبوة ، وتكون نبراسا في بيوت المسلمين تتنور منها القلوب ،
وتستضئ بنورها أفئدة أولي الألباب ،
ويتقرب المسلمون إلى الله تعالى في كل صقع وناحية في
أرجاء العالم بالسجود على تربة أفضل بقعة اختارها الله لنفسه بيت أمن ودار حرمة
وعظمة وكرامة ، ولنبيه حرما ومضجعا
مباركا . وفيها وراء هذه كلها دعاية كبيرة قوية عالمية
إلى الإسلام ، وإلى كعبة عبادته وعاصمة سنته ، وصاحب رسالته ، ذلك ومن يعظم
حرمات الله فهو خير له عند ربه .
كلمتنا الأخيرة هذا حبنا وهذا حسيننا ، وهذا مأتمه ،
وهذه كربلاؤه ، وهذه تربته ، وهي مسجدنا ، والله ربنا ، وسنتنا وسيرتنا سيرة
نبينا وسنته ولله الحمد .
وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ، ونطمع أن يدخلنا
ربنا مع القوم الصالحين
( 1 )
وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ، وإن
الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم
( 2 )
.
| |
( 1 ) سورة المائدة : 84 .
( 2 ) سورة الحج : 54 . ( * ) |
|
|
|