- سيرتنا وسنتنا - الشيخ الأميني  ص 38 :

إقرأ ثم إقرأ : أخرج الحفاظ : مسدد ، وابن أبي شيبة ، وأبو أحمد الفرضي ، وأبو عمرو بن أبي عرزة ، وأبو يعلى الموصلي ، وأبو القاسم الطبراني ، والحكيم الترمذي ، والمحب

الطبري ، وابن عساكر ، وآخرون من طريق سلمة بن الأكوع مرفوعا : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأمتي .


قال العزيزي في ( السراج : 3 / 416 ) لدى شرحه : أراد بأهل بيته علماءهم ، ويحتمل الإطلاق لأن الله تعالى لما خلق الدنيا لأجله ( صلى الله عليه وسلم ) جعل دوامها بدوام أهل بيته . وقال الحفني : وأهل بيتي أي ذريتي ، فبسبب وجودهم يرفع البلاء عن الأمة . أ ه‍ .


وأخرج إمام الحنابلة أحمد بإسناده من طريق أنس بن مالك مرفوعا: النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا

يوعدون . فقال : إن الله خلق الأرض من أجل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فجعل دوامها بدوام أهل بيته وعترته ( صلى الله عليه وسلم ) .


وأخرج أحمد أيضا من طريق علي ( عليه السلام ) مرفوعا : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض .


وأخرج الحاكم من طريق ابن عباس مرفوعا : النجوم أمان لأهل

- ص 39 -

الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف . وقد صححه الحاكم وذكره جمع آخذين منه ، وأقروا تصحيحه إياه .


وقال الصبان في الاسعاف بعد ذكره : وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم )
( 1 ) أقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم كما ورد في بعض الطرق .


وعد الحافظ ابن حجر في الصواعق من الآيات النازلة في أهل البيت قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) ، فقال : أشار ( صلى الله عليه وسلم ) إلى وجود ذلك المعنى في أهل

بيته ، وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو ( صلى الله عليه وسلم ) أمانا لهم ، وفي ذلك أحاديث كثيرة . أ ه‍ .


وأخرج الحاكم من طريق أبي موسى الأشعري مرفوعا : النجوم أمان لأهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء ، وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض .


وأخرج الحاكم أيضا بلفظ : النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت أتاها ما يوعدون وأنا أمان لأصحابي ما كنت ، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون ، وأهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون .


وأخرج شيخ الإسلام الحمويني من طريق أبي سعيد الخدري مرفوعا : أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء . وقال الحافظ ابن حجر في الصواعق لدى حديث

السفينة : قال بعضهم : يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان علماؤهم ، لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم ، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من
 

 

( 1 ) سورة الأنفال آية 33 . ( * )

 

 

- ص 40 -

الآيات ما يوعدون وذلك عند نزول المهدي لما يأتي في أحاديثه : أن عيسى يصلي خلفه ، ويقتل الدجال في زمنه ، وبعد ذلك تتابع الآيات . إلى أن قال : ويحتمل وهو الأظهر عندي

أن ، المراد بهم سائر أهل البيت ، فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بيته ، لأنهم يساوونه في أشياء مر عن الرازي

بعضها ( 1 ) ولأنه قال في حقهم : اللهم إنهم مني وأنا منهم ، ولأنهم بضعة منه بواسطة أن فاطمة أمهم بضعته ، فأقيموا مقامه في الأمان . أ ه‍ .


ولعل أمير المؤمنين عليا ( عليه السلام ) يومي إلى هذا المعنى في خطبة له بقوله : إنا صنائع ربنا ، والناس بعد صنائع لنا .

قال ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 451 : هذا كلام عظيم عال على الكلام ، ومعناه عال على المعاني ، وصنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره ، يقول : ليس لأحد من البشر علينا

نعمة ، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا فليس بيننا وبينه واسطة ، والناس بأسرهم صنائعنا ، فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى ، وهذا مقام جليل ، ظاهره ما سمعت ، وباطنه أنهم عبيد الله وأن الناس عبيدهم .


وربما يستفاد هذه المأثرة من قول عمر بن الخطاب للحسين السبط : هل أنبت الشعر على الرأس غيركم ؟ وفي لفظ الدارقطني : هل أنبت الشعر في الرأس بعد الله إلا أنتم ؟ وقوله في حديث ابن سعد : هل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا أنتم ؟ وفي لفظ : إنما أنبت الشعر في رؤوسنا ما ترى الله ثم أنتم
( 2 ) .
 

 

( 1 ) إيعاز إلى كلمة الرازي في تفسيره وقد أسلفناها ص 11 .
( 2 ) أخرجه ابن سعد ، والدارقطني ، وابن عساكر ، والحافظ الكنجي وآخرون وصححه ابن حجر في الإصابة 2 : 15 وقال : سنده صحيح . ( * )

 

 

- ص 41 -

ولو لم يكن لأهل البيت إلا هذه الخاصة لكفت في حبهم داعيا وباعثا ، وهي بوحدتها تربو على جميع ما يحبه الإنسان ، وترجح بمفردها عامة ما يترتب على الحياة ويتولد منها ، وبها

تمت لهم الأولوية بالمؤمنين من أنفسهم ، وهي التي جعلتهم أحب إليهم من النفس والمال والأهل والولد والوالد ، وهي إحدى وجوه اقتران ولاية علي أمير المؤمنين في الكتاب الكريم

بولاية الله وولاية رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بكلمة الحصر في قوله تعالى : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) ( 1 )


وقد أصفق أئمة التفسير والفقه والحديث على أنها نزلت في علي ( عليه السلام ) كما فصلنا القول لديها في كتابنا الغدير ( 3 : 156 - 163 ) .


فذلك القول : الأخذ بمجاميع تلكم الجهات الداعية إلى حب أهل البيت وولائهم يعطينا خبرا بأن حبنا لهم يقصر عن مدى تلكم الدواعي ، ويشذ ويبعد عن حدود تلك الجهات المختصة بهم

بمراحل ومراحل إلى ألف مرحلة ، نظرا إلى قصور مبلغنا من العلم بجوهريتها وحاقها ، وقلة الاستطلاع عليها والإحاطة بها ، والبون الشاسع بيننا وبين النيل إلى معرفة كنهها ومنتهاها .


وأنى ثم أنى لنا أن نقف نحن على حقيقة ما هم عليه من الصفات وهم هم ، ونحن نحن ، فهل يسع للجاهل الأمي مثلا أن يعرف العلم وحقيقته ومبدأه ومبلغه ومنتهاه ، وأصوله وفروعه ،

وأصنافه وطرقه ومناهجه وأبحاثه ودروسه ومواضعه وفنونه وأقسامه ومعالمه ، وتكوينه وتشريعه ، وكمه وكيفه ، وعرضه وطوله ، وعده وحده ، وتعلقه بما كان وبما يكون وبما هو كائن أو بالإضافة إلى هذا العالم السفلي
 

 

( 1 ) سورة المائدة ، آية 55 .

 

 

- ص 42 -

الملكي ، وإلى العوالم العلوية الملكوتية ؟ علم من عنده علم الكتاب ، علم من ينتهي علمه إلى أم الكتاب ، إلى مصدر الوحي المبين ، إلى عين اليقين ، إلى الواقع الذي لا يتطرق إليه قط

وهم ، ولا شك ، ولا ظن ، ولا خيال ، علم من يحدثه الملك نكتا في القلوب ، أو نقرا في الآذان ، ( وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ) ( 1 ) وهم هم ( عليهم السلام ) ( 2 ).


هذه النسبة بيننا وبينهم في العلم ، وهي تطرد إلى جميع ما لهم من الملكات والنفسيات والمقامات والكرامات .


ونحن لم نعرف ، وأم الدنيا أيضا لم تعرف ، إنسانا في أطراف العالم أعطاه الله تعالى الإحاطة كل الإحاطة بهاتيك الجهات ، والعلم بجميع ما منح الله أهل بيت نبيه ( صلى الله عليه

وآله وسلم ) من عوامل الود وأصول الولاية وشؤون الخلافة والإمامة بأسرها وبرمتها ، والاطلاع على قيمها ومقاديرها حتى يسع له تحديد لازمها من الحب والوقوف على حده .


فلما لم تك تعرف كل واحدة واحدة من تلكم الجهات المذكورة الخاصة بهم أهل البيت الطاهر وعشرات وعشرات أمثالها مما لم تذكر على حقيقتها ومقاييسها ، ولم تبين بقدرها

وخصوصياتها ، فالقول بالغلو فيما يتبعها وينبعث منها من الحب تافه سرف جزاف من القول لا مغزى له .


وإنما الغلو كما مر آنفا هو التجاوز عن الحد وذلك لا يتصور إلا بعد عرفان الحد والقياس وأنى لنا بذلك . قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا . على أن القول فيما توصف به العترة الطاهرة من العلم والإرادة
 

  ( 1 ) سورة الأعراف آية : 46 .
( 2 ) يوجد بيان كل هذه الجمل بصورة ضافية وافية في غضون مجلدات كتابنا ( الغدير ) من طريق السنة الثابتة . ( * )
 

 

- ص 43 -

والقدرة والتصرف والرضى والغضب والحلم والعفو والرحمة والتفضل والتكرم إلى ما سواها وإن بلغ ما بلغ ، وبالغ فيها الواصف ما بالغ ، فإنما هو واقف لدى حدود الإمكان لا محالة ،

ولا مماثلة ولا مشاكلة قط بينها وبين صفات الواجب تعالى ، والسنخية بينهما منتفية من أصلها ، فمتى ثم متى يتصور المقايسة بين الذاتي المطلق ، وبين العرضي المحدود المقيد ؟

وكذلك بين ما لا يكيف بكيف ولا يؤين بأين ، وبين ما يقترن بألف كيف وأين ؟

وهكذا بين التأصلي الاستقلالي ، وبين التبعي المكتسب من الغير ؟

ومثل ذلك بين الأزلي الأبدي ، وبين الحادث المتغير ؟

فمع هذه الفوارق اللازمة لصفات الممكن لا يتصور شئ من الشرك والغلو قط .

نعم يتأتى الغلو بأحد الأمرين : القول باتصافهم بما لم يجعل الله لهم مثل الاعتقاد بالتفويض والتأله بهم . والقول بنفي قيود الإمكان وسلبها عما فيهم من الصفات . تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، ونعوذ بالله من أن نكون من الجاهلين .

هذا حبنا طبقا على سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يوافقها حتى قيد الشعرة ، ويرادف العقل والمنطق الصحيح ، والعلم الناجع ، ولا غلو فيه ولا فرطا ، لو لم نك فرطنا منه في شئ .


 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب