|
- سيرتنا وسنتنا - الشيخ الأميني ص 43 :
|
وأما حسيننا ومأتمه وكربلاؤه :
فإن من المتسالم عليه لدى الأمة المسلمة نظرا إلى النبوة
الخاتمة وشؤونها الخاصة ، الإذعان بعلم النبي الأقدس ( صلى الله عليه وآله
وسلم ) بالملاحم والفتن ، وما جرى على أهل بيته وعترته
وذي قرباه وذويه قلة وكثرة من المصائب الهائلة ، وطوارق الدهر المدلهمة ،
والنوازل الشديدة ، والنوائب الفادحة ، والدواهي والكوارث ، والقتل الذريع ،
إلى جميع ما دهمهم من العذاب والنكال والسوء والاسر والسباء .
وعلمه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هذا من شؤون ولايته
الكبرى المطلقة العامة الشاملة على كافة البرية ، كما أن ترك العمل بذلك العلم
، وجعله وراء الصفح والصبر كأن لم يكن أمرا
مقضيا ، وعدم ترتب أي أثر عليه من أخذ أولئك الرجال ،
رجال الجور والظلم ، رجال العيث والفساد بما يعلمه ( صلى الله عليه وآله وسلم )
منهم ، وإقامة الحد قبل الاعتداء ،
والقصاص قبل الجناية ، والعقوبة قبل الإساءة ، أو قطع
الصلات عن الفئة الباغية ، وعدم حسن المعاشرة مع الزمرة العادية ، وطرد من علم
منه البغي والعسف والعداء لأهله وعترته
عن ساحته ، وإبعاده عن جنابه ، أيضا من شؤون الولاية ولا
يتحمل هذا العب ء الفادح بشر قط ، ولا يجتمع هذا العلم وهذا الصفح في أحد من
أولاد آدم ، ولا يتصور هذا الشأن في أي إنسان سوى من له الولاية .
وهذا موضوع هام واسع النطاق جدا من علوم الدين لو فصلنا
القول فيه لأتى كتابا ضخما مفردا . فالحالة هذه تقتضي أن يكون رسول الله ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) ناظرا طيلة
حياته إلى كل تلكم الحوادث والرزايا والمصائب الحالة
بساحة أهل بيته وأعزائه ، وأفلاذ كبده ، وجلدة ما بين عينيه ، من حبيبته وبضعته
وابن عمها الصديق الأكبر وما ولدا من الذرية
الطيبة ، كأنه كان ينظر إليها من وراء ستر رقيق ، وكان
مهما ينظر إلى أحد منهم من كثب يتجسم بطبع الحال بين عينيه ما كان تحويه هواجسه
، فكان
مدى حياته يبدو الحزن والكآبة في أساريره بحكم الطبيعة ،
والشجو والأسى لا يفارقانه ، كان منغص العيش يسر الزفرة ، ويخفي الحسرة ، ويجرع
الغصة .
ومهما وجد جوا صافيا يعالج لوعة فؤاده ، ويطفي لهفة قلبه ،
ويخمد نائرة الحزن بأن يضم أحدا من أهله على صدره ، ويشمه ويقبله ، ساكبا عبرته
، باكي العينين ، وفي لسانه ما
يتسلى به خاطره . فتراه يلتزم عليا سيد عترته وابن عمه
وأبا ولده في قارعة الطريق ويقبله ويكرر قوله : بأبي الوحيد الشهيد ، كما أخبرت
بذلك السيدة عائشة أم المؤمنين فيما أخرجه
عنها الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده ، وأخذه عنه جمع
من الأعلام ، وقد ذكرناهم في كتابنا الغدير .
وأخرج الحفاظ بأسانيدهم الصحيحة
عن ابن عباس قال : خرجت أنا والنبي ( صلى الله عليه وسلم ) وعلي ( رضي الله عنه
) في حيطان المدينة ، فمررنا بحديقة فقال علي ( رضي الله
عنه ) : ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله ؟ فقال :
حديقتك في الجنة أحسن منها . ثم أومأ بيده إلى رأسه ولحيته ، ثم بكى حتى علا
بكاه . قيل : ما يبكيك ؟ قال : ضغاين في صدور قوم لا
يبدونها لك حتى يفقدوني .
وفي لفظ عن أنس بن مالك : ثم
وضع النبي رأسه على إحدى منكبي علي فبكى ، فقال له : ما يبكيك يا رسول الله ؟ (
صلى الله عليك ) قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها حتى أفارق الدنيا .
الحديث .
وفي لفظ عن أمير المؤمنين :
فلما خلا لي الطريق ، اعتنقني ثم أجهش باكيا ، قلت : يا رسول الله ما يبكيك ؟
قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي . الحديث
( 1 )
.
| |
( 1 ) أخرجه بالطرق الثلاث ، البزار في مسنده ،
والطبراني في الكبير ، وأبو يعلى في المسند ، وابن عساكر في تاريخ
الشام ، والهيثمي في المجمع ، وجمع آخر ذكرناهم في
=>
|
|
|
وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يستحفيه عن
صبره وجلدة ويقول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : كيف صبرك إذا خضبت هذه من هذه
؟ وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه ، فقال علي : أما بليت ما بليت فليس ذلك من مواطن
الصبر ، وإنما هو من مواطن البشرى والكرامة
( 1 )
فيتسلى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذلك الكلام الطيب المعرب عن عظمة نفسيات
علي ( عليه السلام ) ومبلغ تفانيه في الله تعالى . وتراه يضم ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) أبا محمد
الحسن السبط إلى صدره ويقبله من فمه وسرته لما يتذكر بأن أحشاءه من فمه إلى
سرته ستقطع بالسم النقيع . ويضم الحسين السبط إليه ويشمه ويقبله ويقبل منه
مواضع السيوف
والرماح والطعون ويخص من جوارحه بالقبلة شفتيه ، علما منه بأنهما ستضربان
بالقضيب .
يقيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على حسينه
وريحانته مأتما حينا بعد حين في بيوت أمهات المؤمنين ، ومهما اشتد عليه حزنه
يأخذ حسينه على حضنه ويأتي به إلى المسجد إلى مجتمع
الصحابة وهو يبكي ، وعيونه تدمع ، ودموعه تسيل ، فيريهم الحسين الرضيع وتربة
كربلائه في يده ويقول لهم إن أمتي يقتلون هذا ، وهذه تربة كربلاء . أو يأخذ
تربته : تربة كربلاء
ويشمها ويبكي وفي لسانه ذكر مقتله ومصرعه ، وهو يقول : ريح كرب وبلاء . أو يقول
: ويح كرب وبلا ، أو يقول : كربلاء ، أرض كرب وبلاء .
| |
=>
كتابنا الغدير لدى مسند أمير
المؤمنين ، وابن عباس ، وأنس .
( 1 ) أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير
الموجود لدينا ولله الحمد . ( * )
|
|
|
أو يقول : والذي نفسي بيده إنه ليحزنني ، فمن هذا يقتل
حسينا بعدي ؟ أو يأخذ حسينا على حجره وفي يده تربته الحمراء وهو يبكي ويقول :
يا ليت شعري من يقتلك بعدي ؟
( 1 )
.
وترى الصديقة الطاهرة لما يخبرها أبوها ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) بأنها أسرع لحوقا به من أهل بيته يسرها هذا النبأ وتأنس
به
( 2 )
، وإن هو إلا لعلمها بأن حياة آل محمد حفت
بالمكاره والقوارع والطامات ، ولولا الحذر والجزع من تلكم المصائب الهائلة
النازلة بساحتهم فأي مسوغ للزهراء فاطمة في استيائها من حياتها ؟ وحياتها
السعيدة هي أحسن حياة وأحلاها
وأسعدها وأجملها وأعظمها فخرا ، زوج هو شاكلة أبيها في فضائله وفواضله ، وأولاد
من البنين مثل الحسنين ريحانتي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، سيدي
شباب أهل
الجنة ، لا يمثلان بنظير ، ويقصر عن بلوغ نعتهما وصف كل بليغ طلق ذلق ، ومن
البنات مثل العقيلة زينب ، جوهرة القدس والكمال والشرف والمنعة .
فلماذا تستاء عندئذ فاطمة من الحياة وهي بعد في
عنفوان شبيبتها الغضة لم تبلغ مناها ، ولم تنل آمالها من الحياة ؟
ولماذا تدعو وتسأل ربها أن يعجل لها وفاتها ، وهي
بعد لم تدرك من أولادها ما تتمناه الأمهات ، وتهون دون تلكم الأماني عليهن
المصائب ، وتحلو لديهن مرارة الدنيا . وتفدي دونها كل تليد وطارف ؟
| |
( 1 ) ستوافيك أحاديث هذه كلها بأسانيدها ومصادرها ونصها وفصها بعيد
هذا .
( 2 ) أخرج حديثه أحمد في المسند ، وأبو
يعلى في المسند ، وابن أبي شيبة في
المصنف ، والنسائي في الخصائص والترمذي
في الصحيح ، وأبو الحسن الحربي في جزء له ، والطحاوي في
مشكل الآثار ، والدارقطني في
العلل ،
وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في
الدلائل وآخرون كثيرون بأسانيدهم الصحيحة
عن السيدة عايشة أم المؤمنين . ( * )
|
|
|
ولماذا ترفع
اليد عن حضانة أولادها ، وتفرغ منهم حجرها ، وترضى بيتمهم ، وهم بعد ما شبوا
وما زهوا ؟
ولماذا تأنس
بذبول أورادها أوراد آل محمد وهي في بدو النضارة ولم تحظ بعد من تلكم الأزهار ؟
ولماذا تعيف
أنوار حقلها الزاهي ولم تفتح بعد أكمامها ؟
ولماذا تحب فراق
بعلها ، وتدع حبيبها أليف الأسى والهم والجوى ، حزنه بعدها سرمد ، وليله في
فراقها مسهد ؟
ولماذا ذلك
الفرح والجذل من اقتراب الأجل ودنو الموت ؟
إن كل هذه إلا تخلصا من
هول تلكم النوائب التي كانت تعلمها أخذا من أبيها الصادق المصدوق ، ولم
تك فاطمة ( سلام الله عليها ) تتصور لنفسها منجى ومرتجى وملجأ تثق
بالطمأنينة لديها ، وسكون الخاطر في حماها غير
جوار ربها الكريم ، والغض عن هذه الحياة ومرارتها وحلاها . ماذا تصنع فاطمة
بالحياة وهي ترى أباها ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طيلة حياته حليف الشجون ؟
قد قضى حياته بعين عبرى
، وقلب مكمد محزون ، وزفرة وحسرة ولهفة دفينة بين جوانحه كمدا على أهل بيته ،
يقيم لحسينه السبط المأتم من لدن ولادته وهلم جرا يوم كان رضيعا
وفطيما وفتيا ، وقد اتخذ الله بيوت نبيه ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) دار حزن وبكاء منذ ولد ريحانة رسول الله الحسين العزيز ،
يأتي إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ملائكة ربه أفواجا
زرافات ووحدانا ، حينا بعد حين ، مرة بعد أخرى
، بين فينة وفينة ، ينعون الحسين ، ويأتون إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم )
بتربته الحمراء ممثلين بذلك مصرعه ومقتله .
هذه مواقف تاريخية إسلامية
هامة سجل لنا التاريخ منها شطرا وإن لم تبق لنا الظروف الغابرة منها إلا
النزر اليسير ، فإليك نبذة منها :
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
|